تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر ملوك الحيرة

أقام جذيمة ملكا أزمان ملوك الطوائف خمسا وتسعين سنة وفي ملك السّاسانيّة ثلاثا وعشرين سنة، وكان سكنه بالمضيق بين بلاد الخانوقة وقرقسية وكان يكنّى بأبي مالك، وفيه يقول سويد بن أبي كاهل:

إن أذق حتفي فقبلي ذاقهطسم عاد وجديس ذو الشّنع
وأبو مالك الكهل الّذيقتلته بنت عمرو بالخدع

يعني الزّبّاء ابنة عمرو من بني سميدع بن هوبر، وكان ملكا على مشارق الشام من قبل قيصر. قال: وكان على الحيرة ثمّ ملكته بعد أبيها.

وأمّا تزويجه لأخته من عدي بن نصر بن ربيعة بن مالك بن خثعم بن نمارة بن لخم، ويقال عمرو بن عدي بن نصر بن السّاطرون بن أسيطرون ملوك الحضر، ثمّ النصريين، صحّ من السّفر الثاني، فإنّ أخته رقاش تعشّقته فقالت له: يا عدي إذا سقيت القوم فامزج لهم وصرّح لأخي، فإذا انتشى فاخطبني إليه، ففعل ذلك وزوّجه، فأشهد عليه وانصرف الغلام [إليها فأنبأها] فقالت له: عرّس بأهلك، ففعل. فلمّا أصبح غدا جذيمة، وهو مضمّخ بالخلوق، فقال له جذيمة: ما هذه الآثار يا عدي؟

قال: آثار عرس. قال: وأيّ عرس؟ قال: عرس رقاش. فنخر جذيمة وأكبّ على الأرض ورفع عدي جراميزه وأسرع الفرار، وجدّ جذيمة في طلبه ولم يقع له على خبر. وقيل إنّه ظفر به فقتله وبعث جذيمة إلى رقاش فقال لها:

خبريني رقاش لا تكذبينيأبحرّ زنيت أم بهجين
للشاعر جَذيمَة الأبرش، اقرأ القصيدة
أم بعبد فأنت أهل لعبدأم بدون فأنت أهل لدون
للشاعر جَذيمَة الأبرش، اقرأ القصيدة

قال: فكتبت إليه رقاش:

أنت زوّجتني وما كنت أدريوأتاني النّساء للتّزيين
للشاعر رقاش أخت جذيمة الوضاح، اقرأ القصيدة
ذاك من شربك المدامة صرفاوتماديك في الصّبى والمجون
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «جذيمة والأحداث»

فنقلها جذيمة إليه وحصنها في قصره، فاشتملت على حمل وأتت بولد سمّي عمرا، فأعجب به جذيمة فألقيت عليه منه محبّة. وقد خرج مع خاله جذيمة في سنة قد أكمأت [الأرض] وبسط له في روضة وعمرو في غلمة يجتنون الكمأة فكانوا إذا أصابوا كمأة طيّبة أكلوها، وإذا أصابها عمرو أقبل يسعى بها إلى خاله وهو يرتجز ويقول:

هذا جناي وخياره فيهإذ كلّ جان يده إلى فيه
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «هذا جناي وخياره فيه»

ثمّ إنّ الجنّ استطارته، فضرب له جذيمة في الآفاق زمانا فلم يسمع له خبرا إلى أن وجده نديماه مالك وعقيل ابنا فالج.

ثمّ كان من قتل الزّبّاء لجذيمة ما قد تكرّر نقله وكثر ذكره، وهي الّتي قالت له وقد كشفت عن كعثبها وقد عقدت شعرة بإستها: أشوار عروس ترى يا

جذيمة؟ فقال جذيمة: لا والله بل أرى شوار أمة كعكا غير ذات حفير.

قالت: أمّا والله ما ذلك لعدم مواس ولا لقلّة أواس ولكن شيمة ما أناس.

ثمّ كان الأمر فيهم (بعده لعمرو) بن عدي بن نصر لا يعدو ذرّيته، وعمرو هو أوّل من نزل الحيرة واتّخذها دار مملكته. وقال شيبان عن قتادة:

ذكر لنا أنّ تبّعا كان رجلا من حمير صار بالجنود حتّى حيّر الحيرة، ثمّ أتى سمرقند فهدمها.

والحيرة أرض باردة في الشتاء وهي مفرطة الحرّ في الصيف حتّى أنّهم لينتزعون ستور بيوتهم مخافة من إحراق السمائم لها، ولا يشربون الماء إلّا بالسكنجبين والجلاب ممزوج به، لأنّ الماء لا يبلغ أعماق أبدانهم صرفا.

وبنو عمرو بن عدي بن نصر هم النصرية، ولم يزل الملك في ذرّية ابن عدي إلى النعمان بن المنذر، وهو آخر ملوكهم، وهو الّذي قتله كسرى. وكان النعمان لمّا أراد إتيان كسرى بعد هربه (مرّ ببني) شيبان أودع سلاحه وعياله عند هانئ بن مسعود، فلمّا أتى كسرى النعمان (بعث إلى هانئ يطالبه بتركته، فأبى أن يخفر الذمّة، فكان ذلك السبب الّذي أهاج حرب ذي قار).

وقد كانت حرقة بنت النعمان إذا خرجت إلى بيعتها يفرش لها طريقها بالحرير والديباج. فلمّا هلك النعمان نكبها الزمان، وقدم سعد بن أبي وقّاص رضه القادسية أميرا عليها، وقد هزم الفرس وقتل رستم، فأتته حرقة بنت النعمان في إماء من نسائها وعليهنّ المسوح والمقطّعات السود مترهّبات يطلبن صلته. فلمّا وقفن بين يديه قال: أيّتكنّ حرقة؟ قالت: ها أنا ذه. قال: أنت حرقة؟ قالت: نعم فما تكرارك في استفهامي؟ إنّ الدنيا دار دول وزوال ولا تدوم على حال ولا تبقي على أحد، تنتقل بأهلها انتقالا وتعقبهم بعد حال حالا، كنّا ملوك هذا المصر يجبى إلينا خراجه ويطيعنا أهله. فلمّا أدبر الأمر صاح بنا صائح الدهر فصدع عصانا وشتت ملأنا، وكذلك الدهر يا سعد ليس من قوم كانوا في حبرة إلّا والدهر يعقبهم عبرة. ثمّ أنشأت تقول:

فبينا نسوس النّاس والأمر أمرناإذا نحن فيهم سوقة نتنصّف
للشاعر هند بنت النعمان بن المنذر، اقرأ القصيدة
فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمهاتقلّب تارات بنا وتصرّف
للشاعر هند بنت النعمان بن المنذر، اقرأ القصيدة

فأكرمها سعد وأحسن جائزتها، فلمّا أرادت فراقه قالت: لا نزع الله من عبد صالح نعمة إلّا جعلك سبب ردّها إليه.

وروي أنّ إسحاق بن طلحة بن عبيد الله دخل على حرقة بنت النعمان بن المنذر بالحيرة في بيعتها وهي في نسوة راهبات قال: فما رأيت مثل وجوههنّ نسوة، فقال لها: كيف رأيت غمرات الملك يا حرقة؟ قالت: هذا خير ممّا كنّا فيه، إنّا نجد في الكتب أنّه ليس من بيت يمتلأ حبرة إلّا امتلأ عبرة، وأنّ

الدهر لم يأت قطّ على قوم بيوم يحبّونه إلّا أتى عليهم بيوم يكرهونه، وأنّ على أبواب السلطان كأشباه الحذر من الفتن وأنّ أحدا لم يصب منهم شيئا إلّا أصابوا من دينه مثيله. قال: فقلت: فكيف صبرك؟ قال: فأقبلت عليّ بوجهها ثمّ قالت: يا سبحان الله تسألني عن الصبر؟ ما ميّز أحد بين الصبر والجزع إلّا أصاب بينهما التقارب في حالتيهما. أمّا الصبر فحسن العلانية محمود العاقبة، وأمّا الجزع فغير معوّض عوضا مع مأثمه، ولو كان رجلان في صورتهما لكان الصبر أولاهما بالغلبة في حسن صورته، وكرم طبيعته في عاجلة من الدنيا وآجلة من الثواب، وكفى ما وعدنا الله أن ألهمناه. قال: قلت: إنّا لم نزل نسمع أنّ الجزع للنساء فلا [يجز عن] رجل بعدك في مصيبة، فقد كرم صبرك. فقالت: أما سمعت الشّاعر وهو يقول:

واصبر على القدر المجلوب وارض بهوإن أتاك بما لا تشتهي القدر
للشاعر سابق بن عبد الله البربري، اقرأ القصيدة
فما صفا لامرئ عيش يسرّ بهإلّا سيتبع يوما صفوه الكدر
للشاعر سابق بن عبد الله البربري، اقرأ القصيدة

ولم يزل عمران الحيرة يتناقص مذ بنيت الكوفة إلى أيّام المعتضد بالله، فإنّه استولى الخراب عليها، وكانت فيها ديارات كثيرة ورهبان لحقوا بغيرها من البلاد لاستيلاء الخراب عليها، وأقفرت من الأنيس في هذا الوقت إلّا الصدى والبوم، وأهل الدراية بما يحدث يزعمون (أنّ سعدها سيعود بالعمران). وقد كان جماعة من خلفاء بني العبّاس ينزلونها لطيب هوائها وصفاء جوّها وقرب الخورنق والنّجف منها.

وكانت مدّة هذه الحيرة من أوّل وقت عمارتها إلى وقت خرابها [عند بناء] الكوفة خمسمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة.

فأمّا ملوك غسّان بالشّام فقد أوتي على ذكرهم. ق: وكانت ديار ممالكهم اليرموك والجولان من غوطة دمشق، ومنهم من نزل الأردنّ. وأمّا ديار ملوك الشّام قبل سيل العرم فإنّها كانت بلاد مأرب من أرض البلقاء، وعدد من ملك الشّام من غسّان أحد عشر ملكا. والله ﷿ أعلم.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.