تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر مدن اليمن المشهورة

المشهورة من مدن اليمن والغريب من مساكنه.

الطريق من صنعاء إلى ذمار- وهما مرحلتان- يخرج على طريق فلش- وهو جبل هناك، إلى قرية تدعى جردان»

، وعلى هذه الطريق واد (له ذكر) في كتاب الله ﷿ معروف عندهم، وأكثر أشجاره الأثل والطّلح. وفي هذه الناحية صنم كان يعبد قبل ظهور الإسلام. ودون ذمار مساجد لأصحاب النّبي ﷺ منها مسجد معاذ بن جبل، وأهل اليمن يعظّمونه ويأتونه.

ولها طريق آخر: من صنعاء على قرى متّصلة وأشجار وبساتين غير منفصلة وهواء معتدل إلى قرية تدعى خولان، وهي منزل سيّدهم، وهي باردة الهواء حسنة البناء فيها حمّامات وحوانيت وفواكه، ثمّ يدخل منها بين جبلين وأنهار وأرض خصبة وقرى لقيس، فتفضي إلى ذمار.

وذمار مدينة كبيرة إلّا أنّها دون صنعاء، وهي من أعمالها، ولها سور محكم البناء، وهي كلّها قصور مضيئة الأبواب كثيرة البساتين والمزارع والقرار والدّساكر، رخيصة الأسعار كثيرة الخيرات. (دراهمهم يمانيّة) ودنانيرهم مطرقة ومياههم عيون جارية وآبارهم قريبة الأرشية. ولمعاذ بن جبل رضه فيها مساجد وآثار كثيرة. (والله أعلم).

الطريق من ذمار إلى زبيد.

تخرج في قرى متّصلة حتّى تأتي مدينة بسام، وهي المنزل، مدينة طيّبة بها بيوت منقورة في صخرة صمّاء ثلاثمائة ذراع في مثلها، ثمّ إلى واد يقال له الربيح أشجاره الدوس، ثمّ تسير في صعود وهبوط حتّى تأتي إلى واد يقال له علّان تقطعه حتّى تصير إلى مدينة الجند كبيرة خصيبة كثيرة الخيرات بها جامع بناه معاذ بن جبل ﵀، وهو الّذي يذكر أنّ ناقته بركت في موضعه فقال: خلّوا سبيلها فإنّها مأمورة. فأمر ببناء المسجد في ذلك الموضع، ثمّ بركت في صنعاء أيضا فبنى المسجد بها. وأهل الجند شيعة

كلّهم. ومن الجند تجلب إلى مكّة وغيرها ملاحف القطن المنسوبة إلى سحول، وهو واد بقرب الجند. ومن الجند تسير في صحار فيها أشجار الجوز والنّبق حتّى تنتهي إلى معاثر، وهي مدينة صبر، وصبر جبل فيه ألف قبّة، والمرتقى إليه مسيرة يوم، وفي أعلاه الأنهار والطواحين، وعرض هذا الجبل أربعة وعشرون فرسخا. ثمّ تسير في صحاري ورمال حتّى تنتهي إلى زبيد. وليس باليمن بعد صنعاء أكبر من زبيد ولا أغنى أهلا ولا أكثر خيرا، واسعة البساتين كثيرة المياه والفواكه من الموز وغيره. زنة دينارهم أربعة دراهم ودراهمهم اثنا عشر (ممّا في الدينار).

الطريق من زبيد إلى مهرة:

من زبيد إلى عدن (عشر مراحل على السّاحل في برّية) لا عمارة فيها لا يركبها إلّا الصيّادون والسابلة، لها منازل وآبار. ثمّ إلى خولان، ثمّ إلى مهرة.

الطريق من ذمار إلى منكث: من ذمار إلى والان، مدينة صغيرة بنيانها جيّد صخر لا سور لها وبها جامع، وبين ذمار وبينها أربعة فراسخ، فمن شاء نزلها ومن شاء طواها.

الطريق من صنعاء إلى حضر موت: من صنعاء في أرض مستوية، وهي الرحبة، وهي الّتي ذكرها الله ﷿ فقال: أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً

تسير في هذه الصحراء إلى قرية يقال لها عقاب كثيرة الأنهار والبساتين منها يحمل العنب إلى صنعاء، ثمّ إلى عقبة تعرف بنقيل في شعاب وأودية إلى واد فيه نخل يعرف بالعراقيد. ثمّ تسير في شعب إلى قرية يقال لها الضياع فيها نخل وهي لمراد، ثمّ تخرج فتمرّ على وسط السدّ (الّذي كان في الجاهلية)، وهو بين جبلين وهما يسمّيان الماديين، ثمّ تمرّ بموضع كان يقسم عليه ماء هذا السدّ في الجاهلية، ثمّ في صحراء ورمال، وهي الّتي تسمّى جنة اليسرى، وهي الّتي قال الله ﷿: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ

الآية. ثمّ تمرّ حتّى تنتهي إلى مأرب، وفيه معدن الملح الّذي أقطعه النّبي ﷺ لأبيض بن جمّال المأربي، فجعله أبيض صدقة للمساكين وعوّضه النّبي ﷺ حائطا يعرف بالجدران على باب مأرب، لا يخلو من ثمرة صيفا ولا شتاء وربيعا وخريفا لأنّ النبي ﷺ دعا له بالبركة.

وهي مدينة لسبأ وبها عرش بلقيس، وكان العرش مبنيّا على أساطين من حجارة وعلاء كلّ أسطوانة منها فوق الأرض عشرين ذراعا، فاحتمل العرش وبقيت الأساطين على حالها. ويقال إنّ تحت الأرض من تلك الأساطين مثل ما فوقها، وغلظ كلّ أسطوانة منها لا يحضنه أربعة نفر، وفيها سوق ومسجد والمنزل بها. ثمّ يخرج منها ويقطع عرض الوادي فيدخل جنّة اليمنى

الّتي ذكرها الله ﷿ ليس فيها من الأشجار إلّا الإثل والأراك، وتبذر فيها الدرّة. ثمّ إلى سويقة يقال لها نمرة يباع فيها الملح والدرّة، ثمّ في صحار ورمال إلى ماء يقال له سنجار، وهو وادي النخل. ثمّ تسير في رمال ومواضع مخوّفة يقطع فيها بنو الحارث بن كعب حتّى تنتهي إلى مدينة شنوة، وهي أوّل مدائن حضر موت يباع فيها حمل تمر بدرهم. ثمّ تسير في قرى متّصلة حتّى تأتي الجريمة، وهي (أكثر مدائن حضر موت خيرا و) فيها بساتين ومياههم سبخ، ثمّ تسير ثلاث مراحل في رمال يسكنها قوم من مهرة، وإليهم تنسب الإبل المهرية، حتّى تصل إلى مدينة يقال لها الأشفاء، وهي من مدائن الشحر حدّ عمان، وهي على ساحل البحر. ثمّ إلى موضع يقال له رسوب، وهو جبل الأحقاف، وهو متّصل بأرض الأحقاف، وهو بلد واسع غلبت عليه الرمال بسوافي الرّياح فعفا أثره، وهو الّذي ذكره الله ﷿. والبحر يضرب بسفح هذا الجبل ويركب منه في البحر إلى جزيرتين ينزلهما قوم من مهرة بأغنامهم (طولها وعرضها اثنا عشر فرسخا)، الواحدة سقطيرة والأخرى المضيرة، فيها مغاصّ اللؤلؤ ومياه عذبة. ثمّ يركب منها البحر إلى سوق على ساحل البحر يقال له طيرى، ثمّ يركب منها البحر إلى مسقط، وهو مجتمع المراكب الّتي تخرج من صحار، وصحار سوق عمان.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.