تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر البيت الحرام وبناؤه والمشهور من أخباره

[قال وهب بن منبّه: لمّا أهبط الله تعالى آدم ﵇ إلى الأرض حزن واشتدّ بكاؤه على الجنّة، فعزّاه الله تعالى بخيمة من خيام الجنّة، فوضعها له بمكّة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة. وكانت الخيمة ياقوتة حمراء من

ياقوت الجنّة فيها قناديل من ذهب، ونزل معها الركن وهو ياقوتة بيضاء، وكان كرسيا لآدم ﵇ يجلس عليه. فلمّا كان الغرق زمن نوح ﵇ رفع ومكثت الكعبة خرابا ألفي سنة حتّى أمر الله إبراهيم ﵇ أن يبني بيته. فبنى هو وإسماعيل ﵉ البيت ولم يجعلا له سقفا، وحرس الله تعالى البيت بالملائكة، والحرم مقام الملائكة يومئذ. وهو أوّل بيت وضع للنّاس].

فولي البيت بعد إبراهيم ابنه إسماعيل، ثمّ ولي بعده ابنه نابت بن إسماعيل، (هكذا قال) ابن إسحاق. وقال (ابن الزبير) وابن الكلبي: نابت بن إسماعيل وأمّه جرهمية. فوليه ما شاء الله، ثمّ مات نابت فوليه جدّه مضاض بن عمرو بن غالب الجرهمي. وفي ذلك يقول مضاض بن عمرو بن الحارث:

وكنّا ولاة البيت من بعد نابتنطوف بذاك البيت والخير ظاهر
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة

وجرهم وقطورا يومئذ أهل مكّة وهم أخوان، ورئيس قطورا السّميدع ورئيس جرهم مضاض، ومنزل جرهم أعلى مكّة قعيقعان [فحاز ذلك]، ومنزل قطورا أسفل مكّة بأجياد (فما حاز ذلك). فكان السّميدع يعشّر من دخل مكّة من أسفلها ومضاض يعشّر من دخلها من أعلاها. ثمّ إنّهما بغى بعضهما على بعض وتنافسا الملك، ومع مضاض بنو إسماعيل وإليه ولاية البيت دون السميدع. فخرج مضاض في كتيبة من

قعيقعان سائرا إلى السميدع، فسمّي قعيقعان بقعقعة السلاح، وخرج السميدع من أجياد ومعه الخيل والرجال، فيقال إنّه ما سمّي أجيادا إلّا لخروج الخيل الجياد مع السّميدع منه. فالتقوا بفاضح فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل السميدع وفضحت قطورا. فقيل: ما سمّي فاضح فاضحا إلّا لذلك. ثمّ إنّ القوم تداعوا إلى الصلح فساروا حتّى نزلوا المطابخ بأعلى مكّة، وهو شعب بني عامر، فاصطلحوا هناك وسلّموا الأمر إلى مضاض، فنحر لهم وأطعمهم، فيقال: ما سمّيت المطابخ مطابخ إلّا لذلك. وبعض أهل العلم يزعم: إنّما سمّيت المطابخ لأنّ طعام تبّع كان يطبخ بها، وكذلك قالوا في أجياد إنّه كان موضع جياده.

فبقيت جرهم ولاة البيت نحو ثلاثمائة سنة، ثمّ إنّهم بغوا بمكّة واستحلّوا (محارمها وظلموا من دخلها وأكلوا مال الكعبة الّذي يهدى إليها ولم يتناهوا حتّى جعل الرجل إذا) لم يجد مكانا يزني فيه دخل الكعبة فزنى فيها.

فزعموا أنّ إسافا ونائلة فجرا في جوف الكعبة فمسخا حجرين، وهو إساف بن سهيل ونائلة بنت عمرو بن ذويب.

وتفرّق أولاد عمرو بن عامر من اليمن، فانخزع منهم بنو حارثة بن عمرو فأوطنوا تهامة، فسمّيت خزاعة. وبعث الله على جرهم الرّعاف والنّمل وأفناهم واجتمعت خزاعة ليخلوا من بقي بمكّة، ورئيس خزاعة عمرو بن

ربيعة، وهو لحيّ بن حارثة بن عمرو بن عامر وأمّه فهيرة بنت عمرو بن الحارث بن مضاض (الجرهمي، وليس بابن مضاض) الأكبر. فلمّا أحسّ عمرو بن الحارث بن مضاض- وهو رئيس جرهم- بخزاعة والهزيمة خرج بعد إلى الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة وهو يقول في ذلك:

لا همّ إنّ جرهما عبادكالناس طرف وهمو تلادك

وهم قديما عمّروا بلادك

(فلم تقبل توبته)، فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم، ثمّ دفنها وخرج فيمن بقي من جرهم إلى أرض جهينة، فجاءهم سيل فذهب بهم.

فقال أميّة بن أبي الصّلت:

جرهم دمنوا تهامة في الدهر فسالت بجرهم إضم

وكان ماء زمزم قد نضب لمّا أحرقت جرهم بمكّة حتّى امتحى مكان البئر ودرس، فأتى مضاض بن عمرو وبعض ولده في ليلة مظلمة، فحفروا في موضع زمزم وأعمق ودفن هناك غزالي الكعبة وحجر الركن وأسيافا قلعية، وانطلق هو ومن معه إلى اليمن. وروى الزبير عن رجاله عن ابن شهاب أنّه قال: لم يبق من جرهم غير حيّ في مكان من كنانة وهم قليل، وآخرون في حكم ابن الهون.

فولي البيت عمرو (بن ربيعة، وهو لحيّ، وقال ابن قصي: بل وليّه عمرو) بن الحارث بن عمرو. أحد بني غسّان بن سليم من بني ملكان بن قصي بن حارثة بن عمرو بن عامر، وهم كلّهم من خزاعة. قالوا:

وهو الّذي يقول:

ونحن ولينا البيت من بعد جرهملنمنعه من كلّ باغ وملحد

وقال أيضا:

واد حرام طيره ووحشهنحن ولاته فلا نغشه
وابن مضاض قائم يهشهيأخذ ما يهدى له يفشّه

وقد كان بنو إسماعيل اعتزلوا حرب جرهم وخزاعة، فجاؤوا خزاعة فسألوهم السكنى معهم، فأذنوا لهم، وقال عمرو بن لحيّ: من وجد منكم جرهميّا قد قارب الحرم فدمه هدر. فنزعت إبل لمضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو من قنونا تريد مكّة، فخرج في تبعها، فوجدها قد دخلت مكّة، فمضى على الجبال من نواحيها حتّى صار على جبل أبي قبيس يتبصّر الإبل في وادي مكّة، فأبصرها تنحر وتؤكل ولا سبيل له إليها، وخاف إن يهبط إلى الوادي أن يقتل، فولّى منصرفا، ثمّ أنشأ يقول:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفاأنيس ولم يسمر بمكّة سامر
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة
نعم نحن كنّا أهلها فأزالناصروف الليالي والجدود العواثر
وكنّا لإسماعيل صهرا وجيرةولما تدر يوما علينا الدوائر
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة
وكنّا ولاة البيت من بعد نابتنطوف بذاك البيت والخير ظاهر
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة
وصاهرنا من أكرم الناس والدافأبناؤه منّا ونحن الأصاهر
وأخرجنا منه المليك بقدرةكذلك يا للناس تجري المقادر
وأبدلنا ربّي بها دار غربةبها الذئب يعوي والعدو المحاصر
أقول إذا نام الخلي ولم أنمأذا العرش لا يبعد سليم وعامر
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة
وبدلت منها أوجها لا أحبّهاقبائل منها حمير ويحابر
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة
وصرنا أحاديثا وكنّا بغبطةبذلك عضتنا السنون الغوامر
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة
فسّحت دموع العيون تبكي لبلدةبها حرم أمن وفيها المشاعر
فبطن منى أمسى كأن لم يكن بهمضاض ومن حيّ عدي عمائر
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة
فهل فرح آت (تمنّى وجودهوهل فزع ينجيك ممّا تحاذر

قال (ابن الزبير):

يا أيّها الناس سيروا إنّ قصدكموأن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
كنّا أناس كما كنتم فغيّرنادهر فأنتم كما كنّا تكونونا
حثّوا المطي وأرخوا من أزمّتهاقبل الممات وقضّوا ما تقضونا
للشاعر عبد المهيمن الحضرمي، اقرأ القصيدة
أحكموا أمر دنياكم فإنّكم كمايموت الأولى أنتم تموتونا
قد مال دهر علينا ثمّ أهلكنابالبغي منه فقد صرنا أفانينا
كنّا زمانا ملوك الناس قبلكموفي بلاد حرام كان يأوينا

فغيّر عمرو بن لحيّ دينه ودين إبراهيم وبدّله وحثّ العرب على عبادة التماثيل كما بيّنّا فيما سلف من هذا الكتاب. وفي هذا يقول رجل من جرهم كان على الحنيفيّة:

يا عمرو لا تظلم بمكّة إنّها بلد حرامسائل بعاد أين هم وكذلك تخترم الأنام

وبني العماليق الّذين لهم بها كان السوام

ولمّا أكثر عمرو بن لحيّ من نصب الأصنام حول الكعبة وغلب على العرب عبادتها وامتحت الحنيفية فيها إلّا لمعا قال شحبة بن خلف الجرهمي:

يا عمرو إنّك قد أحدثت آلهةشتّى بمكّة حول البيت أنصابا
وكان للبيت ربّ واحد أبدافقد جعلت له في النّاس أربابا
لتعرفنّ بأنّ الله في مهلسيصطفي دونكم للبيت حجّابا

وعمّر عمرو بن لحيّ ثلاثمائة سنة وخمسا وأربعين سنة، وكان له من الولد وولد الولد ألف. ثمّ وليت البيت غبشان من خزاعة دون بني بكر بن عبد مناة، وكان الّذي وليه منهم عمرو بن الحارث الغبشاني، وقريش إذ ذاك حلول وصرم وبيوت متفرّقة في قومهم من بني كنانة. واستمرّت ولاية خزاعة البيت كابرا عن كابر حتّى كان آخرهم خليل بن حبشيّة بن كعب بن عمرو الخزاعي، وكانت ابنته زوجة قصّي بن كلاب.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.