تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر البحرين وأعمالها

وهي بلاد واسعة شرقيها ساحل البحر وغربيها متّصل باليمامة وشمالها متّصل بالبصرة وجنوبها متّصل ببلاد عمان. وهي بلاد سهلة كثيرة الأنهار من العيون

عذبة الماء، ينبطون الماء على القامة والقامتين، والحنّاء والقطن على شطوط أنهارها بمنزلة السّوسن، وهي كثيرة النخل والفواكه، ولهم ثمر يسمّى المانجي إذا نبذ وشرب اصفرّت الثياب من عرقه، وبساتينهم على نحو ميل منها لا يأتونها إلّا غدوا ورواحا لإفراط حرّ الرمضى، وإنّ حوافر الدوابّ تسقط فيها إذا احتدمت. وهي مخصوصة بعظم الطحال، ولذلك قال بعض الشعراء:

ومن يسكن البحرين يعظم طحالهويغبط بما في بطنه وهو جائع

ولها سبع مدن وعلى ساحلها منها: القطيف والزرادة والعقيد وأوال، وهي جزيرة بينها وبين الساحل مجرى يوم، وهي كثيرة النخل والموز والجوز والأترج والزرع والأشجار والأنهار. وممّا يلي أوال جبل في البحر أسود يسمّى الحازم يقيم به الغوّاصون الأشهر.

وأوال جزيرة طويلة مسيرة ستّة عشر يوما، وكانت هذه الجزيرة حبسا لكسرى، وأكثر أهلها من أهل اليمامة، (وإليها نجا من أفلت من أهل هجر عند محنتهم مع القرمطي لعنه الله، وإليها فرّ منه) أهل اليمامة والبحرين. وبينها وبين الهجر اثنا عشر فرسخا في البرّ وعشر فراسخ في البحر.

ولها متباعدة عن الساحل إلى ناحية اليمامة دبلة والأحساء وحوارين بينها وبين الساحل مسيرة يوم وأكثر.

وبلاد البحرين منها الكثبان، جارية الرمال حتّى يسكرونه بسعف النخل، وربّما غلب عليهم في منازلهم، فإذا أعياهم حملوا النقوض وتحوّلوا.

وفي البحر جزائر على مسيرة يوم ويومين وثلاثة فيها آثار وخرائب، وبها جزيرة

خارك وهي على أربعة فراسخ من جنّابا في البحر، وليس بها الآن من البناء إلّا صومعة راهب، وبها جدر عظيم يقطع بالقدوم لغلظه. وميرة البحرين يجلب إليها من فارس ويجلب إلى فارس منها التمر والدبس.

وفي القطيف من بلاد البحرين قام القرمطي بدعوته (وهناك دعا الناس إلى علمه). وكان ابتداء أمر القرامطة أنّ رجلا قدم من سواد الكوفة من ناحية خوزستان، فأقام بموضع يعرف بالنهرين يظهر الزهد والتقشّف ويأكل من كسبه ويكثر الصلاة، وكان يبتاع كلّ ليلة من بقّال (رطل تمر) من عمل يده فيفطر عليه. وكان إذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدّين وزهّده في الدنيا (ورغبه في الآخرة) وأعلمه أنّ المفروض على الناس خمسون صلاة في كلّ يوم وليلة حتّى فشا ذلك، وأعلمهم أنّه يدعو إلى إمام عادل من أهل بيت الرّسول ﷺ. فلم يزل على ذلك، فقصده الجماعة بعد الجماعة والفوج من الناس بعد الفوج، فيخبرهم بما تعلّق في قلوبهم.

وإنّما غلب عليه اسم القرمطي لأنّه اعتلّ عند ذلك البقّال الّذي كان يبتاع منه (الأرطال من) التمر. فكان في القرية رجل يحمل للناس على أثوار له يقال له ذو العينين، وكان أهل القرية يسمّونه كرميتة معناه بالنبطية ذو العينين، فكلّم البقّال كرميتة في حمل العليل إلى منزله، فحمله

على أثواره وأقام عنده فمرّضه حتّى برأ. فلمّا خاف على نفسه على حسب ما نورده وصار إلى الشّام تسمّى باسم كرميتة الّذي كان عنده، فخفّفه الناس فقيل له قرمط، فلذلك عرفوا بالقرامطة.

فلم يزل على ما كان عليه إلى أن جاءته أكثر أهل تلك الناحية وما والاها، واتّخذ منهم اثني عشر نقيبا أمرهم أن يدعوا الناس إلى دينه وقال: أنتم كحواريّي عيسى. فاشتغل أكثر أهل ذلك الصقع عن أعمالهم (بما رسم لهم به) من الصلوات الخمسين. وكانت للهيصم في تلك الناحية ضياع أنكر تقصير الأكرة في عمارتها، فسأل عن ذلك فأخبر الرجل وبما شغلهم من الصلاة عن أعمالهم، فوجّه الهيصم في طلبه فأتي به فسأله عن أمره فأخبره بمذهبه. (فعزم على قتله ثمّ أمر بحبسه في بيت من بيوت داره) ووضع المفتاح تحت وسادته فتشاغل بشراب. وكانت جارية من جواريه سمعت يمينه لقتله فرقّت له، فلمّا نام الهيصم أخذت المفتاح ففتحت عنه القفل وأرسلته، ثمّ (سدّت الباب كما كان فجعلت) المفتاح تحت الوسادة. فلمّا أصبح الهيصم أخذ المفتاح ففتح الباب فلم يجد أحدا، فشاع أمر القرمطي وازداد أهل تلك الناحية به فتنة وزعموا أنّه رفع، وظهر في مكان آخر ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم وزعم أنّ أحدا لا يقدر عليه بسوء، فعظم ذلك في أعينهم.

ثمّ خاف على نفسه فخرج إلى الشّام وتسمّى كرميتة على ما قدّمناه.

وقال أحمد بن أبي الطاهر: كان ابتداء أمر القرامطة أنّ رجلا كان يعرف بيحيى بن المعلّى صدر من ناحية الكوفة إلى القطيف، فنزل على رجل يعرف بعلي بن المعلّى بن حمدان وكان يترفّض، وأظهر يحيى أنّه رسول المهدي المنتظر، وذلك سنة إحدى وثمانين ومائتين، وذكر أنّه خرج بتبع شيعته في

البلاد ويدعوهم إلى المشارعة إلى أمره وأنّ خروجه قد قرب، وأظهر في ذلك كتابا زعم أنّه من المهدي. فجمع علي ابن المعلّى من علم أنّه يترفّض من أهل القطيف، وأقرأهم ذلك الكتاب فأجابوه، وأرسل إلى من يترفّض من قرى البحرين فأجابوه، وكانوا نحوا من الثمانمائة. وكان ممّن أجابه أبو سعيد الجنّابي من جزيرة جنّابا كان يبيع الطعام بالزرادة ويحسب لهم حسابهم ولا يعرف من كتاب الله ولا من سنّة رسوله ﷺ ولا من العلوم شيئا، وكان قبيحا قميئا.

ثمّ غاب يحيى مدّة ورجع (ومعه كتاب) من المهدي إلى شيعته (يذكر فيه): قد عرّفني رسولي بمشارعتكم إلى أمري، فإذا وصلكم كتابي هذا فيدفع إليه كلّ رجل منكم ستّة دنانير وثلثي دينار. فسارعوا إلى ذلك فأخذها وغاب مدّة، ورجع ومعه كتاب آخر يذكر فيه: إنّ رسولي عرّفني بمشارعتكم ووصّل إليّ المال، والّذي يجب عليكم في أموالكم الخمس لأنّها غنائم، والله ﷿ (قد قال في القرآن): وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ

الآية. فدفعوا إليه الخمس من أموالهم، ثمّ غاب مدّة طويلة (ورجع ومعه كتاب آخر يذكر فيه): إنّي قد عزمت على الخروج، فادفعوا لصاحبي ما يستعين به على قتال الفسّاق.

وأمرهم يحيى بالخروج من أموالهم، فأخذوا في بيع عقارهم فباعوا ما يساوي ألف دينار ومائة دينار.

وكان بالزرادة رجل يعرف بإبراهيم الصّائغ، وكان داعية لهم وجّهوه غير ما مرّة إلى ناحية فارس والأهواز لدعاء الناس. قال ابن أبي الطاهر: فجاءني يوما وقال لي: اعلم أنّ هؤلاء القوم على ضلال، كنت أمس مع أبي سعيد الجنّابي وقد قدم عليه رجل من أهل جنّابا يقال له يحيى بن علي، فأكلنا عنده، فلمّا فرغ قام فأخرج امرأته، ثمّ أدخلها مع يحيى في بيت وقال لها: إن أرادك الولي فلا تمنعيه نفسك، فإنّه أحقّ بك منّي.

قال أبو علي عريب بن سعد في تاريخه: ذكر محمّد بن داود بن الجرّاح أنّ قرمط رجل من سواد الكوفة كان يحمل غلّات السّواد على أثوار له يسمّى حمدان ويلقّب بالقرمطي. قال: وذكر أنّ القرامطة جاؤوا بكتاب فيه:

باسم الله الرحمن الرحيم، يقول الفرج بن عثمان، وهو من قرية يقال لها نصرانة داعية المسيح، وهو المهدي، وهو الكلمة، وهو (أحمد بن) محمّد بن الحنفية وهو جبريل. وقد ذكر أنّ المسيح تصوّر له في جسم إنسان وقال له: إنّك الداعية وإنّك الحجّة وإنّك روح القدس وإنّك يحيى بن زكريا. وعرّفه أنّ الصلاة أربع ركعات ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان قبل غروبها، وأثبت في الآذان: وأشهد أنّ موسى رسول الله وأشهد أنّ عيسى رسول الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله وأشهد أنّ [أحمد بن] محمّد بن الحنفيّة رسول الله، وأن يقرأ في كلّ ركعة بسورة الاستفتاح، وهي من السور المنزّلة بزعمهم على أحمد بن محمّد، وهي:

الحمد لله بكلمته المستحمد إلى أوليائه اتّقون يا أولي الألباب، أنا الّذي لا أسأل عن ما أفعل وأنا العليم الحكيم في كلام كثير ووعد ووعيد. ومن شرائعه أنّ يوم الاثنين ويوم الجمعة لا يعمل فيه عمل وأنّ الصوم يومان في السنة:

يوم المهرجان ويوم النيروز، وأنّ النبيذ حرام وأنّ الخمر حلال، وأنّ الغسل من الجناية بوضوء كوضوء الصلاة، وأن لا يؤكل كلّ ذي ناب (من السباع) ولا كلّ ذي مخلب.

قال أبو علي عريب: وقيام القرامطة كان سنة سبع وثمانين ومائتين، وفي يوم الجمعة في النصف من شعبان سنة تسعين ومائتين قتل يحيى بن زكرويه القرمطي الملقّب بالشّيخ، قتله المصريّون على باب دمشق. وكان يركب جملا لم يركبه قطّ غيره، وكان يأمر أصحابه ألّا يقاتلوا حتّى يبتعث الجمل من قبل نفسه وأنّهم إذا فعلوا ذلك لم يهزموا. وزعموا أنّه كان إذا أشار بيده إلى ناحية من تلك النواحي الّتي فيها محاربوه انهزمت أهل تلك الناحية واستغوى بذلك الأعراب، وكان يتعمّم عمامة أعرابية ويلبس ثيابا واسعة.

وكان القرمطي صاحب الشّامة يكتب إلى أجناده وعمّاله: باسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله محمّد بن عبد الله المهدي المنصور بالله الناصر لدين الله القائم بأمر الله الحاكم بحكم الله (الدّاعي إلى كتاب الله) الذابّ عن

حرم الله المختار من ولد رسول الله، أمير المؤمنين وإمام المسلمين ومذلّ المنافقين، وخليفة ربّ العالمين وحاصر الظالمين وقامع المعتدين وسراج المستبصرين وضياء المستضئين، صلّى الله عليه وعلى آله الطيّبين كثيرا. إلى فلان سلام عليك، فإنّي أحمد الله الّذي لا إله إلّا هو وأسأله أن يصلّي على محمّد جدّي رسول الله. أمّا بعد، ثمّ يختم: إن شاء الله سبحانك اللهمّ وبحمدك، وتحيّتهم فيها سلام، وآخر دعواهم إنّ الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد جدّي، رسول الله وسلّم.

قال عبد الله بن أبي الطاهر: ورد الخبر في سنة سبع وثمانين ومائتين بدخول أبي سعيد القرمطي هجر، وذلك بعد حصار أربع سنين، فوصلوا إلى قوم هلكوا جوعا وهزلا وبعد أن كان الوباء قد نزل فيهم، فمات منهم خلق كثير. فقتل منهم القرمطي ثلاثمائة ألف وطرحهم أحياء في النار، فنجا منهم خلق قليل إلى جزيرة أوال. قال: وبلغني أنّه لم يبق من أهل هجر يومئذ إلّا عشرون رجلا. فسار جماعة من أصحاب الجنّابي إلى حصن يقال له الفلج بينه وبين هجر ستّة أيّام، وبين هذا الحصن وبين مكّة تسعة أيّام. وقال قتادة إنّ أصحاب الرّسّ الّذين ذكرهم الله ﷿ في كتابه كانوا أهل فلج.

فأمّا الطّريق من البحرين إلى عمان فقد كان في البرّ، ثمّ ركبه الرمل، فالطريق بينهما اليوم في البحر بين جبلين يسمّيان كسير وعوير، وهو موضع

كثيرا ما تعطّب فيه السفن، حتّى تنتهي إلى موضع من البحر يسمّى دردور، ثمّ إلى موضع يقال له حرثان من ساحل عمان.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.