من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الطريق من مكّة إلى عمان
يخرج من مكّة نحوا من عشرين يوما في طريق معتدل الهواء بري ذي رمل وحصى ينبط فيه كلّه المياه بأدنى شيء وبالبحث عليه باليد، ومراحل الناس في (المنازل الّتي بها) الغنم والبقر حتّى يفضي إلى مدينة نجران، وهي من بلاد همدان. (ثمّ تسير في بلاد همدان) بين قرى ومدائن وعمائر (حتّى تفضي إلى قرى صنعاء، وهذا الطريق أبعد الطرق إلّا أنّها أعدلها هواء وأقلّها وباء).
وطريق آخر يعرف بطريق تهامة، (وهو رساتيق متّصلة ومخاليف غير منفصلة، وهو أحرّ هواء من الأوّل وأكثر وباء). تخرج من مكّة فتسير أربعة فراسخ في أرض ذات حصى، وعن يمين السّاحل جبال متّصلة حتّى تأتي منزلا ذات نخل وبساتين، ويحيط بهذه المنزلة جبل أسود كالحلقة، ثمّ ترتحل فترقى ذلك الجبل و (تفضي إلى أرض ذات حصباء وغور وبحر، ثمّ) تفضي إلى أرض شجرها الأراك وكلاؤها الأدخر وماؤها في خفائر قريبة المتناول وبها المنزل. ثمّ تسير في قرية مثل الأولى
حصباء وجبال وأودية نحو ثلاثة فراسخ إلى يلملم، وهي قريبة من قرى مكّة، وهي منهل أهل اليمن ماؤها آبار عذبة وعيون. ومن أحبّ أخذ منها في بريّة رمليّة شجرها الآراك وكلاؤها الأدخر وفيها سوائم المال وورعاته.
ويفضي الثالث إلى مدينة السّرين، وهي مدينة عظيمة فيها أسواق ومسجد جامع على ساحل البحر، وسورها في البحر وأكثر بنائها من الخشب والحشيش، فلا يستعمل فيها وقود بل يسخن الماء خارجا منها ويغتسل به داخلها، وسقيها ومشاربها من ماء السماء. وهي من عمل مكّة، وفيها مزارع وأكثر زروعهم الدرّة والسمسم والميرة تجلب إليها من غزّ وجردة، وغزّ منها على مسيرة عشرة أيّام بسير الرّاكب، وجردة من ثغور الحبشة وهي منهم على مسيرة خمسة عشر يوما.
فمن أراد منها صنعاء (على البحر ركبه) إلى جردة، وهي من تهامة، ومن أراد أن يركب البرّية إلى صنعاء فإنّه يسير من السّرين في قرى لبني كنانة نحو ستّة فراسخ، وفي تلك الناحية مدينة جلي، وهي مدينة كانت من عمل أبي المغيرة الّذي حارب الحاجّ أيّام الموسم واقتلع الذهب من باب البيت. وقد كانت هذه المدينة فيما سلف من عمل مكّة وأقام فيها سنة اثنتي عشرة وأربعمائة رجل من بني جذام وخالف صاحب اليمن ودعا إلى نفسه، فحشد إليه أبو الفتوح الحسن بن جعفر الحسني صاحب مكّة قبائل العرب، فحاربه وأخذها وجلب الجذامي مع نفسه وتملّك جلي، ثمّ ردّها إلى صاحب صنعاء.
وهي مدينة ضخمة رملية بناؤها من الخشب والحشيش ذات قرى ومساكن ودساكر، وماؤهم من الآبار والأمطار.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع