تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

الخطباء الشعراء

وقال الأشل الأزرقي- من بعض أخوال عمران بن حطان الصفري القعدي- في زيد بن جندب الإيادي خطيب الأزارقة، وقد اجتمعا في بعض المحافل، فقال بعد ذلك الأشل البكري:

نحنح زيد وسعللما رأى وقع الأسل
للشاعر الأشَل البكري الأزرقي، اقرأ القصيدة
ويل أمه إذا ارتجلثم أطال واحتفل

وقد ذكر الشاعر زيد بن جندب الإيادي، الخطيب الأزرقي، في مرثيته لأبي داود بن حريز الإيادي، حيث ذكره بالخطابة وضرب المثل بخطباء إياد، فقال:

كقس إياد أو لقيط بن معبدوعذرة والمنطيق زيد بن جندب

وزيد بن جندب هو الذي قال في الاختلاف الذي وقع بين الأزارقة:

قل للمحلين قد قرت عيونكمبفرقة القوم والبغضاء والهرب
للشاعر زيد بن جندب الإيادي، اقرأ القصيدة
كنا أناسا على دين ففرقناطول الجدال وخلط الجد باللعب
للشاعر زيد بن جندب الإيادي، اقرأ القصيدة
ما كان أغنى رجالا ضل سعيهمعن الجدال وأغناهم عن الخطب
للشاعر زيد الإيادي، اقرأ القصيدة
إني لأهونكم في الأرض مضطرباما لي سوى فرسي والرمح من نشب
للشاعر زيد بن جندب الإيادي، اقرأ القصيدة

وأما عذرة المذكور في البيت الأول فهو عذرة بن حجيرة الخطيب الإيادي. ويدل على قدره فيهم، وعلى قدره في اللسن وفي الخطب، قول شاعرهم:

وأي فتى صبر على الأين والظماإذ اعتصروا للوح ماء فظاظها
إذا ضرجوها ساعة بدمائهاوحل عن الكوماء عقد شظاظها
فإنك ضحاك إلى كل صاحبوأنطق من قس غداة عكاظها
للشاعر أبو إسحاق النجيرمي، اقرأ القصيدة
إذا شغب المولى مشاغب معشرفعذرة فيها آخذ بكظاظها

فلم يضرب هذا الشاعر الإيادي المثل لهذا الخطيب الإيادي، إلا برجل من خطباء إياد، وهو قس بن ساعدة. ولم يضرب صاحب مرثية أبي داود بن حريز الإيادي المثل إلا بخطباء إياد فقط، ولم يفتقر إلى غيرهم، حيث قال في عذرة بن حجيرة:

كقس إياد أو لقيط بن معبدوعذرة والمنطيق زيد بن جندب

وأول هذه المرثية قوله:

نعى ابن حريز جاهل بمصابهفعمّ نزارا بالبكا والتحوب
نعاه لنا كالليث يحمي عريناوكالبدر يعشي ضوؤه كل كوكب
وأصبر من عود وأهدى إذا سرىمن النجم في داج من الليل غيهب
وأذرب من حد السنان لسانهوأمضى من السيف الحسام المشطب
زعيم نزار كلها وخطيبهاإذا قام طأطأ رأسه كل مشغب
سليل قروم سادة ثم قالةيبذون يوم الجمع أهل المحصب
كقس إياد أو لقيط بن معبدوعذرة والمنطيق زيد بن جندب

في كلمة له طويلة. وإياهم عنى الشاعر بقوله:

يرمون بالخطب الطوال وتارةوحي الملاحظ خيفة الرقباء
للشاعر أبو دؤاد ابن حريز الإيادي، اقرأ القصيدة

قال: أخبرني محمد بن عباد بن كاسب، كاتب زهير ومولى بجيلة من سبي دابق، وكان شاعرا راوية، وطلابة للعلم علامة، قال: سمعت أبا داود ابن حريز يقول وقد جرى شيء من ذكر الخطب وتحبير الكلام واقتضابه، وصعوبة ذلك المقام وأهواله، فقال: «تلخيص المعاني رفق. والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق من غير أهل البادية بغض، والنظر في عيون الناس عي، ومس اللحية هلك، والخروج مما بني عليه أول الكلام إسهاب».

قال: وسمعته يقول: «رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير الألفاظ. والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه». وأنشدني بيتا له في صفة خطباء إياد:

يرمون بالخطب الطوال وتارةوحي الملاحظ خيفة الرقباء
للشاعر أبو دؤاد ابن حريز الإيادي، اقرأ القصيدة

فذكر المبسوط في موضعه، والمحذوف في موضعه، والموجز، والكناية والوحي باللحظ ودلالة الإشارة. وأنشدني له الثقة في كلمة له معروفة:

الجود أخشن مسا يا بني مطرمن أن تبزّكموه كف مستلب
ما أعلم الناس إن الجود مدفعةللذم لكنه يأتي على النشب
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «الجود أخشن مسا يابني مطر»

قال: ثم لم يحفل بها، فادعاها مسلم بن الوليد الأنصاري، أو ادعيت له. وكان أحد من يجيد قريض الشعر وتحبير الخطب.

وفي الخطباء من يكون شاعرا ويكون إذا تحدث أو وصف أو احتج بليغا مفوها بينا، وربما كان خطيبا فقط وبيّن اللسان فقط.

فمن الخطباء الشعراء، الأبيناء الحكماء: قس بن ساعدة الإيادي.

والخطباء كثر، والشعراء أكثر منهم، ومن يجمع الشعر والخطابة قليل.

ومنهم: عمرو بن الأهتم المنقري، وهو المكحل، قالوا: كأن شعره في مجالس الملوك حلل منشورة. قيل لعمر بن الخطاب ﵀: «قيل للأوسية أي منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر»، فأنشد عند ذلك عمر بن الخطاب، بيت عدي بن زيد العبادي:

كدمى العاج في المحاريب أو كالبيض في الروض زهره مستنير
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

قال: فقال قسامة بن زهير: «كلام عمرو بن الأهتم آنق، وشعره أحسن». هذا، وقسامة أحد أبيناء العرب.

ومن الخطباء الشعراء: البعيث المجاشعي، واسمه خداش بن بشر بن بيبة.

ومن الخطباء الشعراء: الكميت بن زيد الأسدي، وكنيته أبو المستهل.

ومن الخطباء الشعراء: الطرماح بن حكيم الطائي، وكنيته أبو نفر. قال

القاسم بن معن: قال محمد بن سهل راوية الكميت: أنشدت الكميت قول الطرماح:

إذا قبضت نفس الطرماح أخلقتعرى المجد واسترخى عنان القصائد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «إذا قبضت نفس الطرماح أخلقت»

قال: فقال الكميت: أي والله، وعنان الخطابة والرواية.

قال أبو عثمان الجاحظ: ولم ير الناس أعجب حالا من الكميت والطرماح. وكان الكميت عدنانيا عصبيا، وكان الطرماح قحطانيا عصبيا. وكان الكميت شيعيا من الغالية، وكان الطرماح خارجيا من الصفرية. وكان الكميت يتعصب لأهل الكوفة، وكان الطرماح يتعصب لأهل الشام. وبينهما مع ذلك من الخاصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط، ثم لم يجر بينهما صرم ولا جفوة ولا إعراض، ولا شيء مما تدعو هذه الخصال إليه. ولم ير الناس مثلهما إلا ما ذكروا من حال عبد الله بن يزيد الإباضي، وهشام بن الحكم الرافضي، فإنهما صارا إلى المشاركة بعد الخلطة والمصاحبة.

وقد كانت الحال بين خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة، الحال التي تدعو إلى المفارقة بعد المنافسة والمحاسدة، للذي اجتمع فيهما من اتفاق الصناعة والقرابة والمجاورة، فكان يقال: لولا أنهما أحكم تميم لتباينا تباين الأسد والنمر. وكذلك كانت حال هشام بن الحكم الرافضي، وعبد الله بن يزيد الإباضي، إلا أنهما أفضلا على سائر المتضادين، بما صارا إليه من الشركة في جميع تجارتهما. وذكر خالد بن صفوان شبيب بن شيبة فقال: «ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية»، فلم يعارضه شبيب. وتدل كلمة خالد هذه على أنه يحسن أن يسب سب الأشراف.

ومن الشعراء الخطباء: عمران بن حطان، وكنيته أبو شهاب، أحد بني عمرو بن شيبان أخوة سدوس.

فمن بني عمرو بن شيبان مع قلتهم من الخطباء والعلماء والشعراء عمران ابن حطان رئيس القعد من الصفرية، وصاحب فتياهم، ومفزعهم عند اختلافهم.

ومنهم: دغفل بن حنظلة النسابة، الخطيب العلامة. ومنهم القعقاع بن شور. وسنذكر شأنهم إذا انتهينا إلى موضع ذكرهم إن شاء الله.

ومن الخطباء الشعراء: نصر بن سيار، أحد بني ليث بن بكر، صاحب خراسان، وهو يعد في أصحاب الولايات والحروب، في التدبير، وفي العقل وشدة الرأي.

ومن الخطباء الشعراء العلماء: زيد بن جندب الإيادي، وقد ذكرنا شأنه.

ومن الخطباء الشعراء: عجلان بن سحبان الباهلي، وسحبان هذا هو سحبان وائل، وهو خطيب العرب.

ومن الخطباء الشعراء العلماء، وممن قد تنافر إليه الأشراف: أعشى همدان.

ومن الشعراء الخطباء: عمران بن عصام العنزي، هو الذي أشار على عبد الملك بخلع عبد العزيز أخيه، والبيعة للوليد بن عبد الملك، في خطبته المشهورة وقصيدته المذكورة. وهو الذي لما بلغ عبد الملك بن مروان قتل الحجاج له قال: ولم قتله، ويله؟ ألا رعى له قوله فيه:

وبعثت من ولد الأغر معتبصقرا يلوذ حمامه بالعرفج
للشاعر عمران بن عصام العنزي، اقرأ القصيدة
فإذا طبخت بناره أنضجتهاوإذا طبخت بغيرها لم تنضج
للشاعر عمران بن عصام العنزي، اقرأ القصيدة
وهو الهزبر إذا أراد فريسةلم ينجها منه صياح مهجهج
للشاعر عمران بن عصام العنزي، اقرأ القصيدة

ومن خطباء الأمصار وشعرائهم والمولدين منهم: بشار الأعمى، وهو

بشار بن برد، وكنيته أبو معاذ، وكان من أحد موالي بني عقيل. فإن كان مولى أم الظباء على ما يقول بنو سدوس، وعلى ما ذكره حماد عجرد، فهو من موالي بني سدوس. ويقال إنه من أهل خراسان نازلا في بني عقيل. وله مديح كثير في فرسان أهل خراسان ورجالاتهم. وهو الذي يقول:

من خراسان وبيتي في الذرىولدى المسعاة فرعي قد بسق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «من خراسان وبيتي في الذرى»

وقال:

وإني لمن قوم خراسان دارهمكرام وفرعي فيهم ناضر بسق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وإني لمن قوم خراسان دارهم»

وكان شاعرا راجزا، وسجاعا خطيبا، وصاحب منثور ومزدوج. وله رسائل معروفة.

وأنشد عقبة بن رؤبة، عقبة بن سلم، رجزا يمتدحه به، وبشار حاضر، فأظهر بشار استحسان الأرجوزة، فقال له عقبة بن رؤبة هذا طراز يا أبا معاذ لا تحسنه. فقال بشار: ألمثلي يقال هذا الكلام؟ أنا والله أرجز منك ومن أبيك ومن جدك. ثم غدا على عقبة بن سلم بأرجوزته التي أولها:

يا طلل الحيّ بذات الصمدبالله خبّر كيف كنت بعدي

وفيها يقول:

اسلم وحييت أبا الملدلله أيامك في معدّ

وفيها يقول:

الحر يلحى والعصا للعبدوليس للملحف مثل الرد

وفيها يقول:

وصاحب كالدمل الممدحملته في رقعة من جلدي

وما درى ما رغبتي من زهدي

أي لم أره زهدا فيه ولا رغبة. ذهب إلى قول الأغر الشاعر:

لقد كنت في قوم عليك أشحةبنفسك، لولا أن من طاح طائح
يودون لو خاطوا عليك جلودهموهل يدفع الموت النفوس الشحائح

والمطبوعون على الشعر من المولدين بشار العقيلي، والسيد الحميري، وأبو العتاهية، وابن أبي عيينة. وقد ذكر الناس في هذا الباب يحيى بن نوفل وسلما الخاسر، وخلف بن خليفة. وأبان بن عبد الحميد اللاحقي أولى بالطبع من هؤلاء، وبشار أطبعهم كلهم.

ومن الخطباء الشعراء ومن يؤلف الكلام الجيد، ويصنع المناقلات الحسان ويؤلف الشعر والقصائد الشريفة، مع بيان عجيب ورواية كثيرة، وحسن دل وإشارة: عيسى بن يزيد بن دأب، أحد بني ليث بن بكر، وكنيته أبو الوليد.

ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن: كلثوم بن عمرو العتابي، وكنيته أبو عمرو، وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله في البديع يقول جميع من يتكلف مثل ذلك من شعراء المولدين كنحو منصور النمري، ومسلم بن الوليد الأنصاري وأشباههما.

وكان العتابي يحتذي حذو بشار في البديع. ولم يكن في المولدين أصوب بديعا من بشار، وابن هرمة.

والعتابي من ولد عمرو بن كلثوم، ولذلك قال:

إني امرؤ هدم الإقتار مأثرتيواجتاح ما بنت الأيام من خطري
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
أيام عمرو بن كلثوم يسوّدهحيا ربيعة والأفناء من مضر
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
أرومة عطلتني من مكارمهاكالقوس عطلها الرامي من الوتر
للشاعر هرم بن عمير التغلبي، اقرأ القصيدة

ودل في هذه القصيدة على أنه كان قصيرا بقوله:

نهى ظراف الغواني عن مواصلتيما يفجأ العين من شيبي ومن قصري
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

ومن الخطباء الشعراء الذين قد جمعوا الشعر والخطب، والرسائل الطوال والقصار، والكتب الكبار المخلدة، والسير الحسان المدونة، والأخبار المولدة: سهل بن هارون بن راهيوني الكاتب، صاحب كتاب ثعلة وعفرة، في معارضة كتاب كليلة ودمنة، وكتاب الإخوان وكتاب المسائل، وكتاب المخزومي والهذلية، وغير ذلك من الكتب.

ومن الخطباء الشعراء علي بن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة، ويكنى أبا الحسن وسنذكر كلام قس بن ساعدة وشأن لقيط بن معبد، وهند بنت الخس، وجمعة بنت حابس، وخطباء إياد، إذا صرنا إلى ذكر خطباء القبائل إن شاء.

الله.

ولإياد وتميم في الخطب خصلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول الله صلّى الله عليه وآله هو الذي روى كلام قس بن ساعدة وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته، وهو الذي رواه لقريش والعرب، وهو الذي عجب من حسنه وأظهر من تصويبه. وهذا إسناد تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه الآمال. وإنما وفق الله ذلك الكلام لقس بن ساعدة لاحتجاجه للتوحيد، ولإظهاره معنى الإخلاص وإيمانه بالبعث. ولذلك كان خطيب العرب قاطبة.

وكذلك ليس لأحد في ذلك مثل الذي لبني تميم، لأن النبي ﵇ لما سأل عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر قال: «مانع لحوزته، مطاع في أدنيه». فقال الزبرقان: «أما إنه قد علم أكثر مما قال، ولكنه حسدني شرفي». فقال عمرو: «أما لئن قال ما قال فو الله ما علمته إلا ضيق الصدر،

زمر المروءة لئيم الخال، حديث الغنى»، فلما رأى أنه خالف قوله الآخر قوله الأول، ورأى الإنكار في عيني رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الآخرة». فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله عند ذلك: «إن من البيان لسحرا».

فهاتان الخصلتان خصت بهما إياد وتميم، دون جميع القبائل.

ودخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان، فأشار له إلى الوساد فقال له: اجلس. فجلس على الأرض، فقال له معاوية: وما منعك يا أحنف من الجلوس على الوساد؟ فقال يا أمير المؤمنين، إن فيما أوصى به قيس بن عاصم المنقري ولده أن قال: «لا تغش السلطان حتى يملك، ولا تقطعه حتى ينساك، ولا تجلس له على فراش ولا وساد، واجعل بينك وبينه مجلس رجل أو رجلين، فإنه عسى أن يأتي من هو أولى بذلك المجلس منك فتقام له، فيكون قيامك زيادة له، ونقصانا عليك». حسبي بهذا المجلس يا أمير المؤمنين، لعله إن يأتي من هو أولى بذلك المجلس مني، فقال معاوية:

«لقد أوتيت تميم الحكمة، مع رقة حواشي الكلم». وأنشأ يقول:

يا أيها السائل عما مضىوعلم هذا الزمن العائب
إن كنت تبغي العلم أو أهلهأو شاهدا يخبر عن غائب
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة
فاعتبر الأرض بسكانهاواعتبر الصاحب بالصاحب

وذهب الشاعر في مرثية أبي دؤاد في قوله:

وأصبر من عود وأهدى إذا سرىمن النجم في داج من الليل غيهب

إلى شبيه بقول جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب، حين وقف على قبر عامر بن الطفيل فقال: «كان والله لا يضل حتى يضل النجم، ولا

يعطش حتى يعطش البعير، ولا يهاب حتى يهاب السيل، وكان والله خير ما يكون حين لا تظن نفس بنفس خيرا».

وكان زيد بن جندب أشغى أفلح ولولا ذلك لكان أخطب العرب قاطبة.

وقال عبيدة بن هلال اليشكري في هجائه له:

أشغى عقبناة وناب ذو عصلوفلح باد وسن قد نصل

وقال عبيدة أيضا فيه:

ولفوك أشنع حين تنطق فاغرامن في قريح قد أصاب بريرا
للشاعر عبيدة اليشكري، اقرأ القصيدة

وقد قال الكميت:

تشبه في الهام آثارهامشافر قرحى أكلن البريرا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «وبيض رقاق خفاف المتون»

وقال النمر بن تولب في شنعة أشداق الجمل:

كم ضربة لك تحكي فاقراسيةمن المصاعب في أشداقه شنع»

القراسية: بعير أضجم. والضجم اعوجاج في الفم، والفقم مثله.

والروق: ركوب السن الشفة.

وفي الخطباء من كان أشغى، ومن كان أشدق، ومن كان أروق، ومن كان أضجم، ومن كان أفقم. وفي كل ذلك قد روينا الشاهد والمثل.

وروى الهيثم بن عدي عن أبي يعقوب الثقفي، عن عبد الملك بن عمير، قال: قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة، مع المصعب بن الزبير، فما رأيت خصلة تذم في رجل إلا وقد رأيتها فيه: كان صعل الرأس أحجن الأنف، أغضف الأذن، متراكب الأسنان، أشدق، مائل الذقن، ناتىء الوجنة، باخق العين، خفيف العارضين، أحنف الرجلين، ولكنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه.

ولو استطاع الهيثم أن يمنعه البيان أيضا لمنعه. ولولا أنه لم يجد بدا من أن يجعل له شيئا على حال لما أقر بأنه إذا تكلم جلى عن نفسه.

وقوله في كلمته هذه كقول هند بنت عتبة، حين أتاها نعي يزيد بن أبي سفيان، فقال لها بعض المعزين: إنا لنرجو أن يكون معاوية خلف من يزيد، فقالت هند: «ومثل معاوية لا يكون خلفا من أحد، فو الله إن لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمي به فيها، لخرج من أي أعراضها شاء». ولكنا نقول:

المثل الأحنف يقال: «إلا أنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه» ؟

ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول فيما يعتري اللسان من ضروب الآفات. قال ابن الأعرابي: طلق أبو رمادة امرأته حين وجدها لثغاء، وخاف أن تجيئه بولد ألثغ، فقال:

لثغاء تأتي بحيفس ألثغتميس في الموشيّ والمصبّغ

الحيفس: الولد القصير الصغير.

وأنشدني ابن الأعرابي كلمة جامعة لكثير من هذه المعاني، وهي قول الشاعر:

اسكت ولا تنطق فأنت حبحابكلّك ذو عيب وأنت عياب
إن صدق القوم فأنت كذابأو نطق القوم فأنت هياب
أو سكت القوم فأنت قبقابأو أقدموا يوما فأنت وجاب

وأنشدني في هذا المعنى أيضا:

ولست بدميجة في الفراش وجابة يحتمي أن يجيبا
ولا ذي قلازم عند الحياضإذا ما الشريب أراب الشريبا

الدميجة: الثقيل عن الحركة. والقلازم: كثرة الصياح. وأنشدني:

رب غريب ناصح الجيبوابن أب متهم الغيب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
ورب عياب له منظرمشتمل الثوب على العيب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

وأنشدني أيضا:

وأجرأ من رأيت بظهر غيبعلى عيب الرجال ذوو العيوب

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.