من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
لثغة واصل بن عطاء وأخباره
ولما علم واصل بن عطاء أنه ألثغ فاحش اللثغ، وإن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه إذا كان داعية مقالة، ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، وأنه لا بد له من مقارعة الأبطال، ومن الخطب الطوال وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج وجهارة المنطق، وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وإن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة، كحاجته إلى الجزالة والفخامة، وإن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب، وتثنى به الأعناق، وتزين به المعاني، وعلم واصل أنه ليس معه ما ينوب عن البيان التام، واللسان
المتمكن والقوة المتصرفة، كنحو ما أعطى الله ﵎ نبيه موسى ﵇ من التوفيق والتسديد، مع لباس التقوى وطابع النبوة، ومع المحنة والاتساع في المعرفة، ومع هدي النبيين وسمت المرسلين، وما يغشيهم الله به من القبول والمهابة. ولذلك قال بعض شعراء النبي صلّى الله عليه وآله:
لو لم تكن فيه آيات مبينةكانت بداهته تنبيك بالخبر
ومع ما أعطى الله ﵎ موسى، ﵇، من الحجة البالغة، ومن العلامات الظاهرة، والبرهانات الواضحة، إلى أن حل الله تلك العقدة وأطلق تلك الحبسة، وأسقط تلك المحنة. ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان، وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة- رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله ويساجله، ويتأتى لستره والراحة من هجنته، حتى انتظم له ما حاول، واتسق له ما أمل.
ولولا استفاضة هذا الخبر وظهور هذه الحال حتى صار لغرابته مثلا، ولطرافته معلما، لما استجزنا الإقرار به، والتأكيد له. ولست أعني خطبه المحفوظة ورسائله المخلدة، لأن ذلك يحتمل الصنعة، وإنما عنيت محاجة الخصوم ومناقلة الأكفاء، ومفاوضة الإخوان.
واللثغة في الراء تكون بالغين والذال والياء، والغين أقلها قبحا، وأوجدها في كبار الناس وبلغائهم وأشرافهم وعلمائهم.
وكانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم، بالغين، فإذا حمل على نفسه وقوم لسانه أخرج الراء. وقد ذكره في ذلك أبو الطروق الضبي فقال:
عليم بإبدال الحروف وقامعلكل خطيب يغلب الحق باطله
وكان واصل بن عطاء قبيح اللثغة شنيعها، وكان طويل العنق جدا، ولذلك قال بشار الأعمى:
ما لي أشايع غزالا له عنقكنقنق الدوّ إن ولى وإن مثلا
عنق الزرافة ما بالي وبالكمأتكفرون رجالا أكفروا رجلا
فلما هجا واصلا وصوب رأي إبليس في تقديم النار على الطين، وقال:
الأرض مظلمة والنار مشرقةوالنار معبودة مذ كانت النار
وجعل واصل بن عطاء غزالا، وزعم أن جميع المسلمين كفروا بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله، فقيل له: وعلي أيضا؟ فأنشد:
وما شر الثلاثة أم عمروبصاحبك الذي لا تصبحينا
قال واصل بن عطاء عند ذلك: «أما لهذا الأعمى الملحد المشنف المكني بأبي معاذ من يقتله. أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ويقتله في جوف منزله وفي يوم حفله، ثم كان لا يتولى ذلك منه إلا عقيلي أو سدوسي».
قال إسماعيل بن محمد الأنصاري، وعبد الكريم بن روح الغفاري: قال أبو حفص عمر بن أبي عثمان الشمري: ألا تريان كيف تجنب الراء في كلامه هذا وأنتما للذي تريان من سلامته وقلة ظهور التكلف فيه لا تظنان به التكلف، مع امتناعه من حرف كثير الدوران في الكلام. ألا تريان أنه حين لم يستطع أن يقول بشار، وابن برد، والمرعث، جعل المشنف بدلا من المرعث، والملحد بدلا من الكافر، وقال: لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية، ولم يذكر المنصورية ولا المغيرية، لمكان الراء، وقال: لبعثت إليه من يبعج بطنه، ولم يقل: لأرسلت إليه، وقال: على مضجعه، ولم يقل: على فراشه.
وكان إذا أراد أن يذكر البر قال: القمح أو الحنطة. والحنطة لغة كوفية والقمح لغة شامية. هذا وهو يعلم أن لغة من قال بر، أفصح من لغة من قال قمح أو حنطة. وقال أبو ذؤيب الهذلي:
لا درّ دري إن أطعمت نازلهمقرف الحتيّ وعندي البر مكنوز
وقال أمية بن أبي الصلت في مديح عبد الله بن جدعان:
له داع بمكة مشمعلوآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشيزي عليهالباب البر يلبك بالشهاد
وقال بعض القرشيين يذكر قيس بن معديكرب ومقدمه مكة في كلمة له:
قيس أبو الأشعث بطريق اليمنلا يسأل السائل عنه ابن من
أشبع آل الله من بر عدن
وقال عمر بن الخطاب ﵀: «أترون أني لا أعرف رقيق العيش؟
لباب البر بصغار المعزى».
وسمع الحسن رجلا يعيب الفالوذق، فقال: «لباب البر، بلعاب النحل، بخالص السمن، ما عاب هذا مسلم!».
وقالت عائشة: «ما شبع رسول الله صلّى الله عليه وآله من هذه البرة السمراء حتى فارق الدنيا».
وأهل الأمصار إنما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب، ولذلك تجد الاختلاف في ألفاظ من ألفاظ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر.
حدثني أبو سعيد عبد الكريم بن روح قال: قال أهل مكة لمحمد بن المناذر الشاعر: ليست لكم معاشر أهل البصرة لغة فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة. فقال ابن المناذر: أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن، وأكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم. أنتم تسمون القدر برمة وتجمعون البرمة على برام، ونحن نقول قدر ونجمعها على قدور، وقال الله ﷿:
وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
. وأنتم تسمون البيت إذا كان فوق البيت علية، وتجمعون هذا الاسم على علالي، ونحن نسميه غرفة ونجمعها على غرفات وغرف. وقال الله ﵎: غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ
وقال: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ
. وأنتم تسمون الطلع الكافور والا غريض ونحن نسميه الطلع. وقال الله ﵎: وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ
. فعد عشر كلمات لم أحفظ أنا منها إلا هذا. ألا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم، ولذلك يسمون البطيخ الخربز، ويسمون السميط الرزدق، ويسمون المصوص المزور، ويسمون الشطرنج الاشترنج، في غير ذلك من الأسماء وكذلك أهل الكوفة، فإنهم يسمون المسحاة بال، وبال بالفارسية.
ولو علق ذلك لغة أهل البصرة إذ نزلوا بأدنى بلاد فارس وأقصى بلاد العرب كان ذلك أشبه، إذ كان أهل الكوفة قد نزلوا بأدنى بلاد النبط وأقصى بلاد العرب.
ويسمي أهل الكوفة الحوك الباذروج، والباذروج بالفارسية، والحوك كلمة عربية. وأهل البصرة إذ التقت أربع طرق يسمونها مربعة، ويسميها أهل الكوفة الجهار سوك، والجهار سوك بالفارسية. ويسمون السوق والسويقة
«وازار»، والوازار بالفارسية. ويسمون القثاء خيارا، والخيار بالفارسية. ويسمون المجدوم ويذي، بالفارسية.
وقد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها. ألا ترى أن الله ﵎ لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر. والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة. وكذلك ذكر المطر، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام. والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث. ولفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سموات لم يقل الأرضين. ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين، ولا السمع أسماعا. والجاري على أفواه العامة غير ذلك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال. وقد زعم بعض القراء أنه لم يجد ذكر لفظ النكاح في القرآن إلا في موضع التزويج.
والعامة ربما استخفت أقل اللغتين وأضعفهما، وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالا وتدع ما هو أظهر وأكثر، ولذلك صرنا نجد البيت من الشعر قد سار ولم يسر ما هو أجود منه، وكذلك المثل السائر.
وقد يبلغ الفارس والجواد الغاية في الشهرة ولا يرزق ذلك الذكر والتنويه بعض من هو أولى بذلك منه. ألا ترى العامة أن ابن القرية عندها أشهر في الخطابة من سحبان وائل. وعبيد الله بن الحر أذكر عندهم في الفروسية من زهير بن ذؤيب. وكذلك مذهبهم في عنترة بن شداد، وعتيبة بن الحارث
ابن شهاب. وهم يضربون المثل بعمرو بن معديكرب، ولا يعرفون بسطام بن قيس.
وفي القرآن معان لا تكاد تفترق، مثل الصلاة والزكاة، والجوع والخوف، والجنة والنار، والرغبة والرهبة، والمهاجرين والأنصار، والجن والإنس.
قال قطرب: أنشدني ضرار بن عمرو قول الشاعر في واصل بن عطاء:
ويجعل البر قمحا في تصرفهوجانب الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرا والقول يعجلهفعاذ بالغيث إشفاقا من المطر
قال وسألت عثمان البري: كيف كان واصل يصنع في العدد، وكيف كان يصنع بعشرة وعشرين وأربعين، وكيف كان يصنع بالقمر والبدر ويوم الأربعاء وشهر رمضان، وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الآخرة ورجب؟ فقال: ما لي فيه قول إلا ما قال صفوان:
ملقن ملهم فيما يحاولهجم خواطره جواب آفاق
وأنشدني ديسم قال: أنشدني أبو محمد اليزيدي:
وخلة اللفظ في الياءات إن ذكرتكخلة اللفظ في اللامات والألف
وخصلة الراء فيها غير خافيةفاعرف مواقعها في القول والصحف
يزعم أن هذه الحروف أكثر تردادا من غيرها، والحاجة إليها أشد. واعتبر ذلك بأن تأخذ عدة رسائل وعدة خطب من جملة خطب الناس ورسائلهم، فإنك متى حصلت جميع حروفها، وعددت كل شكل على حدة، علمت أن هذه الحروف الحاجة إليها أشد.
قال أبو عثمان: فمن ذلك ما خبرنا به الأصمعي قال: أنشدني المعتمر ابن سليمان لإسحاق بن سويد العدوي:
برئت من الخوارج لست منهممن الغزال منهم وابن باب
ومن قوم إذا ذكروا عليايردون السلام على السحاب
ولكني أحب بكل قلبيوأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصديق حبابه أرجو غدا حسن الثواب
وفي مثل ذلك قال بشار:
ما لي أشايع غزالا له عنقكنقنق الدو إن ولى وإن مثلا
ومن ذلك قول معدان الشميطي:
يوم تشفى النفوس من يعصر اللؤم ويثني بسامة الرحّال
وعدي وتيمها وثقيفوأميّ وتغلب وهلال
لا حرورا ولا النواصب تنجولا ولا صحب واصل الغزال
وكان بشار كثير المدح لواصل بن عطاء قبل أن يدين بشار بالرجعة، ويكفر جميع الأمة. وكان قد قال في تفضيله على خالد بن صفوان وشبيب ابن شيبة، والفضل بن عيسى، يوم خطبوا عند عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي العراق:
أبا حذيفة قد أوتيت معجبةفي خطبة بدهت من غير تقدير
وإن قولا يروق الخالدين معالمسكت مخرس عن كل تحبير
لأنه كان مع ارتجاله الخطبة التي نزع منها الراء، كانت مع ذلك أطول من خطبهم. وقال بشار:
تكلفوا القول والأقوام قد حفلواوحبروا خطبا ناهيك من خطب
فقام مرتجلا تغلي بداهتهكمرجل القين لما حف باللهب
وجانب الراء لم يشعر بها أحدقبل التصفح والإغراق في الطلب
وقال في كلمة له يعني تلك الخطبة:
فهذا بديه لا كتحبير قائلإذا ما أراد القول زوره شهرا
فلما انقلب عليهم بشار ومقاتله لهم بادية، هجوه ونفوه، فما زال غائبا حتى مات عمرو بن عبيد. وقال صفوان الأنصاري:
متى كان غزال له ابن حوشبغلام كعمرو أو كعيسى بن حاضر
أما كان عثمان الطويل ابن خالدأو القرم حفص نهية للمخاطر
له خلف شعب الصين في كل ثغرةإلى سوسها الأقصى وخلف البرابر
رجال دعاة لا يفلّ عزيمهمتهكم جبار ولا كيد ماكر
إذا قال مروا في الشتاء تطوعواوإن كان صيف لم يخف شهر ناجر
بهجرة أوطان وبذل وكلفةوشدة أخطار وكد المسافر
فأنجح مسعاهم وأثقب زندهموأورى بفلج للمخاصم قاهر
وأوتاد أرض الله في كل بلدةوموضع فتياها وعلم التشاجر
وما كان سحبان يشق غبارهمولا الشدق من حيي هلال بن عامر
ولا الناطق النخار والشيخ دغفلإذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر
ولا القالة الأعلون رهط مكحّلإذا نطقوا في الصلح بين العشائر
بجمع من الجفين راض وساخطوقد زحفت بدّاؤهم للمحاضر
- الجفان: بكر وتميم. والروقان: بكر وتغلب. والغاران: الأزد وتميم. ويقال ذلك لكل عمارة من الناس، وهي الجمع، وهم العمائر أيضا:
غار. والجف أيضا: قشر الطلعة-.
تلقب بالغزال واحد عصرهفمن لليتامى والقبيل المكائر
ومن لحروري وآخر رافضوآخر مرجي وآخر جائر
وأمر بمعروف وإنكار منكروتحصين دين الله من كل كافر
يصيبون فصل القول في كل موطنكما طبّقت في العظم مدية جازر
تراهم كأن الطير فوق رؤوسهمعلى عمة معروفة في المعاشر
وسيماهم معروفة في وجوههموفي المشي حجاجا وفوق الأباعر
وفي ركعة تأتي على الليل كلهوظاهر قول في مثال الضمائر
وفي قص هداب واحفاء شاربوكور على شيب يضيء لناظر
وعنفقة مصلومة ولنعلهقبالان في ردن رحيب الخواصر
فتلك علامات تحيط بوصفهموليس جهول القوم في علم خابر
وفي واصل يقول صفوان:
فما مس دينارا ولا صر درهماولا عرف الثوب الذي هو قاطعه
وفيه يقول أسباط بن واصل الشيباني:
وأشهد أن الله سماك واصلاوأنك محمود النقيبة والشيم
ولما قام بشار بعذر إبليس في أن النار خير من الأرض، وذكر واصلا بما ذكره به صفوان:
زعمت بأن النار أكرم عنصراوفي الأرض تحيا بالحجارة والزند
وتخلق في أرحامها وأرومهاأعاجيب لا تحصى بخط ولا عقد
وفي القعر من لج البحار منافعمن اللؤلؤ المكنون والعنبر الورد
كذلك سر الأرض في البحر كلهوفي الغيضة الغناء والجبل الصلد
ولا بد من أرض لكل مطيروكل سبوح في الغمائر من جد
كذاك وما ينساح في الأرض ماشياعلى بطنه مشي المجانب للقصد
ويسري على جلد يقيم حزوزهتعمج ماء السيل في صبب حرد
وفي قلل الأجبال خلف مقطمزبرجد أملاك الورى ساعة الحشد
وفي الحرة الرجلاء تلفى معادنلهن مغارات تبجس بالنقد
من الذهب الإبريز والفضة التيتروق وتصبي ذا القناعة والزهد
وكل فلز من نحاس وآنكومن زئبق حي ونو شاذر يسدي
وفيها زرانيخ ومكر ومرتكومن مرقشيشا غير كاب ولا مكدي
وفيها ضروب القار والشب والمهاوأصناف كبريت مطاولة الوقد
ترى العرق منها في المقاطع لائحاكما قدّت الحسناء حاشية البرد
ومن إثمد جون وكلس وفضةومن توتياء في معادنه هندي
وفي كل أغوار البلاد معادنوفي ظاهر البيداء من مستو نجد
وكل يواقيت الأنام وحليهامن الأرض والأحجار فاخرة المجد
وفيها مقام الخل والركن والصفاومستلم الحجاج من جنة الخلد
وفي صخرة الخضر التي عند حوتهاوفي الحجر الممهي لموسى على عمد
وفي الصخرة الصماء تصدع آيةلام فصيل ذي رغاء وذي وخد
مفاخر للطين الذي كان أصلناونحن بنوه غير شك ولا جحد
فذلك تدبير ونفع وحكمةوأوضح برهان على الواحد الفرد
أتجعل عمرا والنطاسي واصلاكأتباع ديصان وهم قمش المد
وتفخر بالميلاء والعلج عاصموتضحك من جيد الرئيس أبي الجعد
وتحكي لذى الأقوام شنعة رأيهلتصرف أهواء النفوس إلى الرد
وسميته الغزال في الشعر مطنباومولاك عند الظلم قصته مردي
- يقول: إن مولاك ملاح، لأن الملاحين إذا تظلموا رفعوا المرادي-.
فيا ابن حليف الطين واللؤم والعمىوأبعد خلق الله من طرق الرشد
أتهجو أبا بكر وتخلع بعدهعليا وتعزو كل ذاك إلى برد
كأنك غضبان على الدين كلهوطالب ذحل لا يبيت على حقد
رجعت إلى الأمصار من بعد واصلوكنت شريدا في التهائم والنجد
أتجعل ليلى الناعظية نحلةوكل عريق في التناسخ والرد
عليك بدعد والصدوف وفرتنيوحاضنتي كسف وزاملتي هند
تواثب أقمارا وأنت مشوهوأقرب خلق الله من شبه القرد
ولذلك قال فيه حماد عجرد بعد ذلك:
ويا أقبح من قردإذا ما عمي القرد
ويقال إنه لم يجزع بشار من شيء قط جزعه من هذا البيت.
وذكر الشاعر وذكر أخويه لأمه فقال:
لقد ولدت أم الأكيمه أعرجاوآخر مقطوع القفا ناقص العضد
وكانوا ثلاثة مختلفي الآباء والأم واحدة، وكلهم ولد زمنا. ولذلك قال بعض من يهجوه:
إذا دعاه الخال أقعى ونكصوهجنة الأقراف فيه بالحصص»
وقال الشاعر:
لا تشهدنّ بخارجي مطرفحتى ترى من نجله أفراسا
وقال صفوان الأنصاري في بشار وأخويه، وكان يخاطب أمهم:
ولدت خلدا وذيخا في تشتمهوبعده خززا يشتد في الصعد
ثلاثة من ثلاث فرقوا فرقافاعرف بذلك عرق الخال في الولد
الخلد: ضرب من الجرذان يولد أعمى. والذيخ: ذكر الضباع، وهو أعرج. والخزز: ذكر الأرانب، وهو قصير اليدين لا يلحقه الكلب في الصعد.
وقال بعد ذلك سليمان الأعمى، أخو مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر، في اعتذار بشار لإبليس وهو يخبر عن كرم خصال الأرض:
لا بد للأرض إن طابت وإن خبثتمن أن تحيل إليها كل مغروس
وتربة الأرض إن جيدت وإن قحطتفحملها أبدا في أثر منفوس
وبطنها بفلّز الأرض ذو خبربكل ذي جوهر في الأرض مرموس
- الفلّز: جوهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس والآنك وغير ذلك-.
وكل آنية عمت مرافقهاوكل منتقد فيها وملبوس
وكل ماعونها كالملح مرفقةوكلها مضحك من قول إبليس
وقال بعض خلعاء بغداد:
عجبت من إبليس في كبرهوقبح ما أظهر من نيّته
تاه على آدم في سجدةوصار قوادا لذريته
وذكره بهذا المعنى سليمان الأعمى، اخو مسلم الأنصاري، فقال:
يأبى السجود له من فرط نخوتهوقد تحول في مسلاخ قواد
وقال صفوان في شأن واصل وبشار، وفي شأن النار والطين في كلمة له:
وفي جوفها للعبد أستر منزلوفي ظهرها يقضي فرائضه العبد
تمج لفاظ الملح مجا وتصطفيسبائك لا تصدا وإن قدم العهد
وليس بمحص كنه ما في بطونهاحساب ولا خط وإن بلغ الجهد
فسائل بعبد الله في يوم حفلهوذاك مقام لا يشاهده وغد
أقام شبيب وابن صفوان قبلهبقول خطيب لا يجانبه القصد
وقام ابن عيسى ثم قفاه واصلفأبدع قولا ما له في الورى ند
فما نقصته الراء إذ كان قادراعلى تركها واللفظ مطرد سرد
ففضل عبد الله خطبة واصلوضوعف في قسم الصلات له الشكد
فأقنع كلّ القوم شكر حبائهموقلل ذاك الضعف في عينه الزهد
قد كتبنا احتجاج من زعم أن واصل بن عطاء كان غزالا، واحتجاج من دفع ذلك عنه، ويزعم هؤلاء أن قول الناس واصل الغزال، كما يقولون خالد الحذّاء، وكما يقولون هشام الدستوائي. وإنما قيل ذلك لأن الإباضية كانت تبعث إليه من صدقاتها ثيابا دستوائية، فكان يكسوها الأعراب الذين يكونون بالجناب، فأجابوه إلى قول الاباضية، وكانوا قبل ذلك لا يزوجون الهجناء، فأجابوه إلى التسوية وزوجوا هجينا، فقال الهجين في ذلك:
إنا وجدنا الدستوائييناالصائمين المتعبدينا
أفضل منكم حسبا وديناأخزى الإله المتكبرينا
أفيكم من ينكح الهجينا
وقال: إنما قيل ذلك لواصل لأنه كان يكثر الجلوس في سوق الغزالين، إلى أبي عبد الله مولى قطن الهلالي، وكذلك كانت حال خالد الحذّاء الفقيه
وكما قالوا: أبو مسعود البدري، لأنه كان نازلا على ذلك الماء. وكما قالوا:
أبو مالك السدي، لأنه كان يبيع الخمر في سدة المسجد.
وهذا الباب مستقصى في كتاب «الأسماء والكنى»، وقد ذكرنا جملة منه في كتاب «أبناء السراري والمهيرات».
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع