تجاوز إلى المحتوى

من «المطالع البدرية في المنازل الرومية» لبدر الدين الغزي (ت ٩٨٤هـ)

ذكر الرجوع الى الوطن والأوبة بعد طول مدة هذه الغيبة (٢)

ثمّ أخذنا نسير، ونجدّ في المسير، إلى أن وصلنا إلى الرَّسْتَن، وقد اختفى النهار وأكمن، وتستّر حسب ما أمكن، ونادى منادي العشاء وأعلن، وأقمنا بها إلى أن هرول الليل، وشمّر لذهابه الذيل، فأعملنا الركاب، وأخذنا في الذهاب، وشرعنا في أسباب الإياب، وذلك ليلة الثلاثاء رابع عشرين الحجّة إلى أن بان وجه المحجّة، وأقام بوجود الفجر الحُجّة، ثم بدت الشمس من المَشرق، وانجلى وجه بِشرها المُشرق، فمررنا على مدينة حِمْص مصبحين، ونزلنا بظاهرها في ذلك الحين، ثم جدّدنا عهداً بمعاهدها، وزرنا بظاهرها قبر خالدها، وافتقدنا بها من سراة الناس الشيخ عبد القادر بن الدَّعاس، فأُخْبرنا بسكناه الأرْمَاس، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم العزيز الحكيم. وهذا حال الدنيا لم تزل بأهلها لاعبة،

ولنفوسهم ونفائسهم بيد منونها سالبة، وخيل مناياها ما فتئت راكضة، بين ذاهب وذاهبة:

فأولها وأوسطها عناءبلا فصل وآخرها فناء

ومع هذا فالغبطة بها شديدة، والآمال فيها مع العلم بأنها دار البلى جديدة، حتّى كان حقيقة ما يعلم من استحالتها ارتياب، والرحلة عنها إليها إياب، لقد حُقَّ أن يرفضها البصير، ويستعدّ لما إليه يصير. ونسأل الله في هدايتنا فنعم المولى ونعم النصير، ألهمنا الله طريق إرشادنا، وأعاننا على الاستعداد لمعادنا، وقضى في العاجل والآجل بإسعادنا، إنّه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

فأقمنا بتلك المدينة ذلك النهار بتمامة، ثم ليلة الأربعاء إلى أن كشف القمر عن لثامه، ومدّ نوره على خراب ذلك المكان وأكامه، وبلغ من اعتلائه أقصى غاية مرامه، فأخذنا في التّرحال، وشدّدنا الأحمال على تلك الجمال، فبلغ السير وقت الضحى وانتهى إلى قرية حَسْية وقيلنا بها. ثمّ سرنا قاصدين بلدة قارا، وقطعنا فيافي وقفارا، وبراري وصحارى، إلى أن مال النهار كل الميل، وأقبل الليل إقبال السيل، ومدّ خيامه وسرادقه، وزين بالزهر مغاربه ومشارقه، فوصلنا حينئذٍ تلك المدينة، وحصل بها الاستقرار والطمأنينة، وهذه المدينة مدينة قديمة (البنيان، واسعة الأركان) بها آثار مقيمة، وبعض عمائر عظيمة. سامية الأرجاء، واسعة الفناء، موضوعة على نسبة حسنة في الاعتدال والاستواء، رائقة الموضوع، بديعة المجموع، كوكبها يقظان، وجوها عريان، وروضها فريج، ونسيمها أريج، ما شئت من منظر عجيب، وجانب رحيب، وبسيط خصيب، يزهو بالحسن المحض، والنور

الغضّ، وناهيك ببلاد الشَّام شامة الأرض، كما قال عَرْقَلَة الدَّمَشْقيّ:

هذا هو الزمن الربيع المؤنقُوالعيشة الرَّغدُ التي هي تُعْشَقُ
فعلام تصحو والحَمامُ كأنَّهاسَكرى تُغنّي تارةً وتُصَفِّقُ
للشاعر عَرقَلَةِ الكَلبِيّ، اقرأ القصيدة
وتلوم في حُبِّ الدِّيار جَهالةًهيهات يسلوها فؤادٌ شَيِّقُ
للشاعر عَرقَلَةِ الكَلبِيّ، اقرأ القصيدة
والشَّامُ شامةٌ وجنة الدُّنْيَا كماإنسانُ مقلتِها الغضيضةِ جِلقُ
للشاعر عَرقَلَةِ الكَلبِيّ، اقرأ القصيدة
من آسِها لكَ جنَّةٌ لا تنقضيومن الشَّقيقِ جَهَنَّمُ لا تَحرِقُ
للشاعر عَرقَلَةِ الكَلبِيّ، اقرأ القصيدة
في نَيْرَبٍ ضَحكَتْ ثغور أَقاحِهلمّا بكاها العَارضُ المتدفِقُ
للشاعر عَرقَلَةِ الكَلبِيّ، اقرأ القصيدة

فأرحنا بها تعب الأبدان، وتلقّانا بها جماعة من الأعيان، وقدموا ما حضر من ميسورهم، وسألونا في النزول بدورهم، فاعتذرنا عن ذلك، ولم نزل هنالك في ذلك المجلس النفيس، إلى أن ولّى يوم الخميس، فعَنَّ لنا المسرى في الليلة الغرّاء، فأخذنا نجوب تلك الصحراء، إلى أن وصلنا إلى بلدة النَّبْك فجرا، فبادرناها

بصلاة الفجر، واغتنمنا بتعجيلها للأجر، ثمّ هدأنا هدأة الوصيب، ووسنا سنة النصيب، فلم نفق إلاّ والشمس قد طلعت، وارتقت لذُروتها وارتفعت، فحللنا بحلال، فأصلحنا الأحوال، وتجهّزنا للارتحال، فوصلنا إلى القُطَيِّفَة وقت الزوال، وهي قرية عامرة، ذات خيرات وافرة، وغلال متكاثرة. فيحاء الضواحي، جميلة النواحي، مخضرّة الأرجاء، فضيّة الأنحاء، وهي من وقف المرحوم السعيد وليّ الله تعالى الملك العادل نور الدِّين الشهيد من جملة أوقافه على المرستان، وهي الآن في ذخيرة السُّلْطَان، فأنخنا بها من عَطَن، وقد أشرفنا بحمد الله على الوطن. وأقمنا بها إلى العصر، وقد زال العناء والحصر، وحصل الجبر والنصر، ثمّ سرنا قافلين عن أوطارٍ بحمد الله مقضيّة، ومساعٍ بفضل الله مرضيّة.

ولم نزل نجوب في تلك البريّة، إلى أن وصلنا إلى قرية القُصَير عشية، فنزلنا بها واليوم في سن الاكتهال، وأيدينا مرتفعة بالشكر لله تعالى والابتهال، وهي قرية حسنة، ودمنة مستحسنة، طيبة الهواء، مشرقة الأضواء. جَمَّة الخيرات، طيبة النبات، كاملة الأذوات، فهي بغية النفس، وغاية الأنس، ومنية الطَرف، ومسرح الطِرف، وسلوة الخاطر، ونزهة الناظر، من حيث استقبلتها أشرقت وكيف ما

لمحت أساريرها برقت:

بلادٌ بها الحَصْبَاءُ دُرٌّ وتُرْبُهاعبيرٌ وأنفاسُ الرياح شَمولُ
تَسَلْسَلَ فيها ماؤها وهو مُطْلَقٌوصَحّ نسيمُ الرَّوضِ وهو عليلُ
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «حنين إلى الأوطان ليس يزول»

فبتنا بها ليلتنا، ونقعنا فيها غلتنا، وأبدلنا فيها علّتنا، وقد اشتدّ الشوق والهُيَام، وتضاعف التلهف والغرام، وطرد عن أعيننا تلك الليلة المنام:

وأبرح ما يكون الشوق يوماًإذا دنت الخيام من الخيام

وكلّما قيل غداً تدنو الدار، ويقرب المزار، طربتُ على السماع، وانتشيت برقبى الاجتماع، وكفكفت العبرات، وتمثلّت بهذه الأبيات:

قالوا غداً تدنو فواحسرتالو أن بالعمر غداً يُشْتَرى
يا ليلة قد بقيت هل أرىأحمد في صبح دجاها السرى
أسمع بالقرب ولكننيلا تنطفىء ناري حتّى أرى
للشاعر الشهاب (محمود بن سلمان)، من قصيدة «لا تسأمي يا ناق طول السري»

ولم أزل أرقب النجم أنّى سار، تارةً عن اليمين وأخرى عن اليسار، وطوراً في ارتفاع وحيناً في انحدار:

أرأيت ما قد قال لي نجم الدجىلما رأى طرفي يديم شهودا
حتام ترمقني بطرف ساهرأقصر فلست حبيبك المبعودا

واستمريت أرقب مواقع النُّجُوم، وأترصد ثواقب الرُّجُوم، وأنتظر ابتسام الليل بعد الوجوم، وهو لا يزداد إلاّ تمادياً، وكلّما استعجلته في السرى أراني تباطئاً، وكلّما رآني نشطاً ازداد توانياً:

فمن كان يحمد ليلاً في تقاصرهفإن ليلي لا يرجى له سحر
لا تسألوني إلاّ عن أوائلهفإنّ آخر ليلي ما له خبر

فلم أزل أسارقه عقله، وأحاول منه غفلة، إلى أن مال ميلة، فاغتلته غيلة، وأبخسته كيله، ولم أعطه نيله (وجلت عليه جولة، ولم أبق له حيلة) فحينئذٍ أسرَجَ

خيله وشمّر للفرار ذيله:

وولت نجوم للثريّا كأنهاخواتيم تبدو في بنان يد تخفى
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا»
ومرَّ على آثارها وبراتهاكصاحب وردٍ أكمنت خيله خلفا
وأقبلت الشعرى العبور بلبهبمرزمها اليعبوب تجنبه طرفا
كأنّ بني نعش ونعشاً عطائلبوجره قد أظلوا في مهمة خشفاً
كأنّ سهيلاً في مطالع أفقهمفارق ألف لم يجد بعده الفا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا»
كأنّ سهاها عاشق بين عودفآونة يبدو وآونة يخفى
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا»
كأنّ الهزيع الأبنوسي وهنةسرى بالنسج الخسرواني ملتفا
كأنّ ظلام الليل إذ مال ميلةًصريع مدام بات يشربها صرفا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا»
كأنّ السِّماكين اللّذين تظاهراعلى لِبْدَتَيْهِ ضَامِنَان له الحَتْفَا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا»
كأنّ فعل قطبها فارس له لواءانمركوزان قد كره الزحفا

تشبيه آخر:

كأنّ الدجى لمّا تولت نجومهمدبر حرب قد هزمنا له صفا
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
كأنّ عليه للهجيرة روضةمفتّحة الأنوار أو نثره زعفا
كأنّا وقد ألقى إلينا هلالهسلبناه جاماً أو قصمنا له وقفا
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
كأنّ السهى إنسان عين غريقةمن الدمع تبدو كلما ذرفت ذرفا
كأن سهيلا فارس عاين الوغىففر ولم يشهد طراداً ولا زحفا
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
كأنّ سنا المريخ شعلة قابستخطفها عجلان يقذفها قذفا
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
كأنّ أفول البيد طرق تعلقتبه سنة ما هبّ فيها ولا أغفى

فلمّا بقي من الليل القليل، أخذنا في التحميل، وسألنا من الله التيسير والتسهيل، ثمّ شرعنا نسير في تلك الهضاب، ونجول في هاتيك الشعاب، إلى أن تمزّق من الليل الجِلْبَاب، وتقشّع ظلامه وانجاب، وظهر الفجر من الحجاب، ومدّ من سرادق

ضيائه على الوجود الأَطْنَاب، (وافترّ ثغر الضوء في وجه ذلك الجوّ)، وأقبل الصبح مبشراً بالاجتماع، كما كان منذراً بالفراق في حالة الوداع، فشكرت سعيه إذ ذاك، وأنشدت وأنا باك:

شكرت سعي الصباح لمّاوافا بشيراً بالاجتماع
وقلت غُفْراً لما جنتهيداك في حالة الوداع

فلمّا لاح ابن ذُكّاء والتحف الجوّ بالضياء هبّ علينا نسيم تلك الديار، وقابلنا وجهها بالاستبشار، فطار القلب كل مطار، وجادت العين بالدمع المدرار، وأنشدت في تلك الأقطار والدمع يستوقف القُطَار:

هبت سحراً فنبهت وسواسينشوى خطرت عليلة الأنفاسِ
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، اقرأ القصيدة
أهدت أرج الرجاء بعد اليأسما أحسن بعد وحشتي إيناسي
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، من قصيدة «أحاط بورد وجنته الجني»

وما برحنا نلتحف من تلك البقاع برودا، ونقابل من هضابها نهودا، ومن رباها أعيناً وخدودا، ونلتمس منها معاهد وعهودا، وقد برز إلى الملتقى سائر الأصحاب والأصدقاء، ولم يزالوا يتواردون إليّ، ويطيلون التسليم عليَّ، وقد استطارت صدوع كبدي من الحنين إلى ولدي، فلم يكن بأسرع من إقبال المبشر بقدومه، ثمّ اجتلاء طلعته مع تسليمه، فأرسلت الدموع تترى، وحمدت الله تعالى شكرا، وأنشدت لبعضهم شعرا:

عينيّ دمعت مسرةً بالجمعقالوا مهلاً ما في البكاء من نفعِ
دع عينك تستغنم منهم نظراًماذا زمن تشغلها بالدّمعِ

وكان من جملة الملتقين إلى ذلك المكان من الأصحاب والأصدقاء والخلاّن، الشيخ الإمام الأوحد، والحبر الهُمَام الأمجد فخر السُّنَّة والملّة، وإمام الأئمة الجلّة، ولي الله الكريم عليه، المنقطع إليه، المنتفع بالقراءة والتلاوة بين يديه. أجلّ العلماء العابدين، وأنبل الأولياء الزاهدين، وأحفل الفقهاء الماجدين، الشيخ أبو العبّاس أحمد

شهاب الدِّين العريقي الأصيلي المعروف نسبه بالميلي.

والشيخ الفقيه العالم النبيه الحبر الأوّاه الخاشع لله، العالم العَلاَّمة والحافظ الفَهَّامة، خير الأخيار وحبر الأحبار، ذو الفضل المتين، والعقل الرصين، الشيخ محمد شمس الدِّين العَجْلُونيّ الريمونيّ. والشيخ الأفضل الأوحد الأكمل، عين الأصحاب، ورأس الأحباب، ذو الحكم الظاهرة، والشيم الطاهرة، والنباهة الحاضرة، والنزاهة التي أذعنت لها الدنيا وتُرجى لها الآخرة، ذو الفضل المبين، والعقل المتين، الشيخ أبو المحاسن يوسف جمال الدِّين بن خضر الشَّافِعيّ الصُّوفيّ القادريّ.

(والشاب الفاضل العالم الكامل، ذو الأعراق الزكية، والأخلاق المرضية، الكثير المحاسن، القليل المساوىء، الشَّمس محمد بن الحمزاويّ).

والشيخ الفاضل والعالم العامل المهذب الأخلاق، الطيّب الأعراق، ذو المحبّة الصادقة، والأخلاق الموافقة، ذو المحل الأسمى، المطابق منه الاسم المسمّى،

خير التلاميذ، ورأس الأسانيد، اللابس من التقوى خير لباس، المحبّ ابن الزَّرْخوني القوّاس.

والشيخ العَلاَّمة الإمام الفَهَّامة، الحبر المجيد، الباحث المفيد، الأوحد الفريد، ذو الفضل البارع، والذكاء الصادع، الطيّب الموارد والمشارع. الآتي من ذكائه بما تقضى منه العجب، الشيخ زين الدِّين الحَمَويّ المسمّى برجب.

والشيخ العالم الإمام الأوحد الأمجد الهُمَّام، المرتقي بفضله إلى أعلى مقام، المفنّن في العلوم، والمتبحّر في المنطوق والمفهوم، ذو الخلق المعتدل والطبع المستوي، الشيخ علاء الدِّين ابن أبي سعيد الحموي.

والشيخ العالم المُحَقِّق، الفاضل البارع المدقّق، البعيد الهمم، الزكي الشيم، الراسخ القدم، ذو الذهن الثاقب، والفكر الصائب، المتقدّم على أكثر من يدرس ويفتي، الشيخ شمس الدِّين محمد الجبرتي.

والشيخ الفاضل، والعالم العامل، الأوحد الكامل، الأصيل الجليل، الحسيب النبيل، الرئيس النفيس الكامل المروة والتام الفتوّة، ذو المناقب التي يحدّها ذكاء، والفعال التي في غيرها قطع الشركا، والأصول التي من فروعها سرى الحسب والزكا العضيدي الذخري، الشيخ بدر الدِّين البَكْريّ.

والشيخ الصَّالح الكامل العابد الزاهد العَامِل المحبّ الصادق، والخلّ الموافق، ذو الإخلاص والصفاء، والصدق والوفاء، اللاهي بربه عن الملاهي، الشيخ الصُّوفيّ عبد الكريم الأمياهيّ.

والشيخ الفاضل البارع الكامل العَالم العَامِل، ذو المناقب والشمائل، الحافظ اللافظ، المذكّر الواعظ، الحسن السمت، الطيّب النعت ذو الدِّين الثخين، والعقل المتين، والفضل المبين، قرّة عين المحب وسخنة عين العادي، الشيخ أبو الحسن علاء الدِّين ابن البَغْدَاديّ، وغيرهم من المحبين والأصحاب المتوددين، والتلامذة المترددين ولم يزالوا يفدون زُمَراً ويردون نَفَرَاً فنفرا.

فلمّا كثر المترددون والمنتابون، وقد وصلنا إلى محلّة القَابُون، نزلت من المَحارَة في رأس تلك الحارة، وامتطيت صهوة جوادي، وقد قوى فؤادي عند مشاهدة بلادي، وظَهَرَتْ للصحة إن شاء الله بوادي. فيا له من طرف أشهب، قد اختصر من بالَغَ في وصفه وأسهب، مريع رائق، لاحق سابق، مطلق الجرائد، قيد الأوابد، يلوح كالصباح، ويسابق الطَرف ويباري الرماح، ويمرح بين اختيال وارتياح، وارتجاج وارتجاح. تستوقف اللحظات في حضرته برقة حسنه وكمال خلقته. ذي نخوة شمخت به عن نده، وشهامة طمحت به عن ضده، فهو الأشْمَط الذي حقه

لا يُغمط. أكرم به من مرتاضٍ سالك، ومجتهد على غايات السابقين الأولين متهالك، وأشْهَب يروي مني عن مالك. قد لبس وقار المشيب في ريعان العمر القَشيْب، وأنصتت الآذان من صهيله المطيل المطيب، لمّا ارتدى بالبياض إلى نغمة

الخطيب، فسار بي الفرس المذكور سير المهيب الوقور بين تلك الأصحاب والأصدقاء والأحباب، فشاهدتُ نوراً خلاف العادة إشراقة، وعزَّ على ضوء النيرين لحاقه. عرفته البصائر قبل الأبصار، وأنكرته النواظر لعلو جوهر نوره على الأنوار، فأيقنت أنّ لله في أرضه المقدّسة من الأسرار، ما لا يظهر عليه من عباده إلاّ الأخيار، ولم نزل نسير بوقار وسكينة إلى أن دخلنا بحمد الله المدينة:

هي الدار لا أصحو بها من علاقةلأمرٍ لنا بين الجوانح مضمر
فجاد على أرجائها الغيث أنهامنازل جيرانٍ كرامٍ ومعشر

ثمّ وصلت إلى منزل الأحباب، ومنزه الألباب ووفدت على تلك الأعتاب، (واستفتحت تلك الأبواب):

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزلوعدت إلى تصحيح أول منزلِ
ونادت بي الأشواق مهلاً فهذهمنازل من تهوى رويدك فانزلِ

فنزلت بذلك الجناب، وتلقيت أولئك الأحباب، فجمع الله تعالى الشمل، وله سبحانه المنّة والفضل، بالوالدة والأولاد وبقيّة الأهل، فتلقتني والدتي دامعة العين، تناديني بقُرَّة العين، وتشكوني بالانقطاع والبَين، وتحمد الله على رؤيتي قبل حين الحين، وكذلك بقيّة الأولاد والأخوات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصَّالحات:

وألقتْ عصاها واستقَرَّت بها النَّوىكما قَرَّ عَيْناً بالإيابِ المسافِرُ
للشاعر معقر بن حمار البارقي، اقرأ القصيدة

فيا لله هنالك من صلة رحم، وشمل منتظم، وصدع ملتئم، وقلب منجبرٍ غير منقسم. وطَلَعَ نجم السعد، ويسر الله تعالى بإنجاز ذلك الوعد، وحللنا حلول الحياة بالجسم، والإعراب في آخر الاسم، فاتّقد سِرَاج الأنس في ليل ذلك التوهّم، وأومض برق التبسّم في وجه ذلك التجهّم، ومضى لنا من ذهول الألباب، ومحادثة الأحباب، ومجاذبة أهداب الآداب:

يومٌ كأنَّ نَسيمَه من عنبَرِوتخالُ أنَّ أديمَه من جوهرِ
للشاعر عبد الكريم البَسطي، اقرأ القصيدة
لو باعتِ الأيّامُ آخَرَ مثلهبالعُمْر أجمع كنتُ أوَّل مُشْتَري

وقد قالوا ليس يعدل ساعة الفراق إلاّ ساعة التلاق:

فلولا البعد ما حمد التدانيولولا البَين ما طاب التلاقي

ولم أزل بالوطن أتلافا ما فرط، وأستبدل الراحة بالعناء والرضى بالسخط، إلى أن انصلحت الأحوال، وحسُنَت في الحال والمال إن شاء الله تعالى، ونسأل الله المحسن المجمل المنعم المفضّل أن يختم لنا بالحُسنى ويُبَوَّأنا من رضاه المحل الأشرف الأسنى، وأن يرزقنا في سائر أحوالنا من أمنه أمنا، إنه سبحانه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين.

انتهت الرحلة المباركة الملقّبة بالمطالع البدريّة في المنازل الرُّوميّة (على يد منشئها فقير عفو الله تعالى وغفرانه، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله ابن بدر مفرج بن بدر بن عثمان بن جابر العَامريّ الشهير بابن الغَزِّيّ الشَّافِعيّ، غفر الله له ولهم ولسائر المسلمين، في ليلة يسفر صباحها عن يوم الأربعاء المبارك سادس عشرين ذي الحجّة سنة أربعين وتسعمائة، أحسن الله ختامها وقدّر في خير تمامها بمنّه وكرمه، آمين وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم، وحسبنا الله ونعم الوكيل).

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المطالع البدرية في المنازل الرومية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.