تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

القاهرة المعزية

وأما القاهرة المعزية فالأصل في بنائها جوهر الصقلي، قائد المعز صاحب المغرب ومصر، وهو أول من ملكها من الفاطميين، وذلك لما مات كافور الإخشيدي صاحب مصر جهز المعز القائد جوهر إليها بعسكر عظيم، ومعه ألف حمل من السلاح ومن الخيل ما لا يوصف، فلما انتظم حاله وملك مصر ضاقت

بالجند والرعية، فاختطّ سور القاهرة وبنى بها القصور وسَمّاها المنصورة وذلك في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، فلما قدم المعز من القيروان سمّاها القاهرة، والسبب في ذلك أن القائد جوهر لما قصد إقامة السور جمع المنجمين، وأمرهم أن يختاروا طالعاً لحفر الأساس وطالعاً لرمي الحجارة، فجعلوا قوائم من خشب وبين القائمتين حبل فيه أجراس، وأفهموا العمال أنه ساعة تحريك الأجراس يرمون ما بأيديهم من الطين والحجارة، ووقف المنجمون لتحرير هذه الساعة وأخذ الطالع، فاتفق وقوع غراب على خشبة فتحركت الأجراس، فألقى العمال ما بأيديهم فصاح المنجمون: لا، القاهر في الطالع. وخانهم ما قصدوه وكان قصدهم أن يختاروا طالعاً فلا يخرج الملك عن نسلهم، فوقع أن المريخ كان في الطالع ويسمى عندهم القاهر، فعلموا أن الأتراك لا تزال هذه البلدة في أيديهم وأنهم لا بد أن يملكوا هذه الأقاليم، فلما قدم المعز أخبروه بذلك فوافقهم على أنها تؤول للأتراك، وسَمّاها القاهرة، فكان كما قيل وملكها الترك إلى يومنا هذا، انتهى. من السكَّردان. وفي ذلك يقول:

نبكي على مصر وسكانهامذ خربت أركانها العامره
وأصبحت للروم مقهورةمن بعد ما كانت هي القاهره

حكى المقريزي أن قاهرة المعز رابع موضع انتقل إليه سرير السلطنة من أرض مصر في الدولة الإسلامية، ويشتمل على القصرين دارَيْ الخلافة، وهما القصر الكبير الشرقي، وهو منزل سكنى الخليفة ومحل حريمه، والآخر الغربي ويتحوّل إليه الخليفة أيام النيل للنزهة على الخليج والمتنزهات الغربية وهما متقابلان.

وللفقيه عمارة يرثي العاضد وهو آخر الفواطم:

يا عاذلي في هوى أبناء فاطمةلكَ الملامةُ إن قصرت في عذلي
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «رميت يا دهر كف المجد بالشلل»
تالله زر ساحة القصرين وابكِ معيعليهما لا على صفين والجملِ

وأما معاملة مصر فقال في المسالك: الدراهم ثلثاها فضة وثلثها نحاس، والدرهم ثمانية عشر حبّة خروب وهي ثلاث قمحات، والمثقال أربعة وعشرون خروبة، والدرهم قيمته ثمانية وأربعون فلساً، والدينار الحبشي ثلاث وعشرون درهماً.

(وأما الكيل) فالإردب ست ويبات، والويبة أربعة أرباع، والربع أربعة أقداح، والقدح مائتان واثنان وثلاثون درهماً، ويختلف الكيل في أريافها، والرطل اثنا عشر أوقية، وهي اثنا عشر درهماً. كذا في المحاضرة. ولله در القائل:

لا ترقب النجم في أمر تحاولهُفالله يفعل لا جَدْيٌ ولا حملُ
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «دعوا الوشاة وما قالوا وما نقلوا»
مع السعادة ما للنجم من أثرِولا يضرك مريخ ولا زحل
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «دعوا الوشاة وما قالوا وما نقلوا»

وعلى ذكر الدراهم لبعضهم:

إن الدراهم شأنهاألمٌ يشقُّ على الكرامِ
الضرب أول أمرهاوالحبس في أيدي اللئامِ
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «إن الدراهم مسها»

وقال يزيد بن حاتم:

إنا إذا اجتمعت يوماً دراهمناظلت إلى طرق المعروف تستبقُ
لا يألف الدرهم المضروب صرّتنالكن يمرُّ عليها وهو منطلقُ

وقال آخر ملغزاً فيه:

يا فاضلاً فاق في المعانيوهو بإحكامها خبير
ما اسم إذا المرء لم يصبهأصابه نصفه الأخير

وحكى الواقع من قال:

النار آخر دينار نطقت بهوالهم آخر هذا الدرهم الجاري
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «النار آخر دينار نطقت به»
والمرء ما دام مشغوفاً بحبهامكبل القلب بين الهمِّ والنار

وعارضه من قال:

الدين أوّل دينار نطقت بهوالدرءُ للهم فيّ الدرهم الساري
كالقلب ذا وضياء العين ذا وهماكم يصلحان أمور الدين والدارِ

حكى المقريزي أن مصر ذكرت في القرآن بضعاً وعشرين موضعاً كناية وتصريحاً.

قال السيوطي: بل أكثر من ثلاثين موضعاً، وقال: عدة من دخلها من الأنبياء وفاقاً وخلافاً، اثنان وثلاثون، غير النسوة الأربع، وهن: مريم، وسارة، وآسية، وأمّ موسى واسمها يوحانذ، وأسماء أم موسى ألفاظ يتصرّف بتلاوتها. وقد نظمت في ذلك أبياتاً مشهورة، فقلت:

قد دخلتْ مصر فيما قد رُويَ زمرٌمن النبيين زادوا مصر تأنيسا
فهاك يوسف والأسباط اخوتهيوحانذا وخليل الله إدريسا
لوطاً وأيوب ذا القرنين خضر سليمان أرميا يُشع هارون مع موسا
شيثاً ونوحاً وإسماعيل قد ذكروالازال من أجلهم ذا المصر مأنوسا
وبعده سارة لقمان آسيةودانيال وشعيا مريماً عيسى

وحُكي أن يوسف الصديق ﵇، لما دخل مصر وأقام بها قال: اللهم إني غريب فحببها إليّ وإلى كلّ غريب، فلا يدخلها غريب إلا أحب المقام بها.

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «رحلة الشتاء والصيف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.