تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الثاني (٦)

وما معنى قوله تعالى " إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم " الزخرف: والصفح: العفو، وكيف يعفو عن قوم لا يؤمنون؟ وإن

كان مأموراً بالعفو عنهم وهو المبعوث إنه لأولى بالعفو وهو الباعث، والباعث إله معبود، والمبعوث عبد عابد، فانتظر جواب هذه أيضاً، فما خلص من هذا النمط إلا بهجر الرقاد، ومسح البلاد، ولقاء الجهابذة النقاد.

وما معنى قوله ﷿ " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " الأنفال: فقد رأيت ناساً عرض لهم من ظاهر هذا الكلام ما ينافي المعنى، ولم يصح لهم التأويل الصحيح، وكانوا طوال الأيدي في العلم، حذاق الخواطر في الجدل، فصحاء الألسنة لدى الحجاج وتحكم التشكيك، وانتهوا إلى الترادع والتلاوم، ولو لم يعجبوا بما عرفوا لوضعوا الحد في تعرف ما لم يعرفوا، وفوق كل ذي علم عليم.

وما وجه قوله ﷿ " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " الأنعام: وإذا ضممته إلى قوله " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " القيامة: فإنك إن حملت أحد القولين على الآخر لم تبرأ من تعسف أو تكلف، فقفنا على المعنى الموقوف به فيهما، وعرفنا مراد الله ﷿ منا بهما، فالخطب قد أعضل من أجل هاتين الآيتين حتى صار الباحثون عن الحق فيهما إلى الاختلاف الشديد، والشتات العتيد، واستحل فيه الدم، وعق بسببه الوالد، وهجر الوطن، وأطلق التكفير، وهذه مصائب الدين الذي ندين به، ونعتصم بحبله، وندعو إلى الإذعان له، والإقرار به، وقد عاد غريباً كما بدأ غريباً، وحق قول الرسول الحق حين قال: إن الأسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء.

ولن تجد في القرآن معنى قول علي بن أبي طالب ﵇: المرء مخبوء تحت لسانه، ولن تجد معنى قول الناس: لكل مقام مقال، وأين ترى فيه الفرق بين الضياء والنور، وما يدل على شرف أحدهما عند الآخر؟ ولن تجد فيه معنى الجواسيس؛ فقد قيل لسفيان بن عيينة، وكان عجيب الانتزاع عن إلهام: أين الجواسيس في القرآن؟ فأجاب وأصاب. وأين معنى قوله ﵇: من آذى جاره أورثه الله داره، فقد أصاب أيضاً سفيان بن عيينة، وقد مر في الجزء الأول إن كنت قد حفظته.

وعرفني موضع الدلالة من قول معتزلي لمجبر: أليس الباطل بين السماء والأرض؟ قال: بلى، قال: فأعلم أن الله ما خلقه لأنه قال: " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً " ص: فانقطع الخصم، فأين وجه التأويل على حقيقته؟ وهل ما عرض لهذا المعتزلي حق؟ وبين أيضاً صحة قول من تأول قول الله ﷿ " وجعلنا لهم لسان صدق عليا " مريم: أن المراد به علي بن أبي طالب ﵇؛ والقائل بهذا مقدم في النحو على طبقته في العلم، وهو ابن المراغي.

وحدثني عن قول آخر، لا يجوز أن تقرأ " ووجدك ضالاً فهدى " الضحى: وإنما هو ضال، والوجدان لا يتم في الضمير؛ وهذا

الرجل من النظارين وأهل الجدل على طريق الإمامية.

هذا طرف مما تصرف فيه المحصلون الذين قالوا على بصيرة في المذهب، وبيان من المقالة، وتعقب لما اختاروه ودانوا به، وأما هواجس الجهال، وتسرع الناقصين فمما لا اعتداد به، ولا اعتماد عليه. أنا سمعت أبا الفرج البغدادي الصوفي، وكان ذا لسان ومنظر وهيبة، وقد سئل عن قوله تعالى " ولا تنيا في ذكرى " طه: فقال: هذا سهل، هذا أريد به النأي، هكذا قال، فصار خطاؤه موشحاً، لأن النأي ليس بشيء، إنما يقال نأى إذا وقع الخبر عن التنائي الذي هو البعد، فاما تنيا فليس من النأي، ولا من نأى، لا من الاسم ولا من الفعل، إنما هو ونى يني، ونى وونياً، ومنه التواني والتقصير، والأمر منه: نه.

وأبو الفرج هذا أشرف على قوم وهم يتازعون بينهم: هل يقال فلان لغوي أو لغوي، وقد انتهب الكلام انتهاباً، وذهب بالصواب عنهم ذهاباً، فقال أحدهم: هذا أبو الفرج سلوه، فأقبلوا عليه وسألوا فقال: ما أبين الجواب وأظهر الحق!! أما سمعتم قول الله ﷿ لموسى " إنك لغوي مبين " القصص:، فتحول المجلس ضحكاً ولعباً.

وسمعت رجلاً يذهب مذهباً في الباطن يقول: والله ما أعجب إلا من قوم يعتقدون أن الجنة واحدة، والله ﷿ يقول " وجنات ألفافا

ً " النبأ، قلت: فكم هي عندك؟ قالك كما قال الله تعالى: ألف ألف، لعلك، من العامة أو أشباه العامة؟! قلت: لا والله أنا بريء منهم.

وكان المقراضي الصوفي يقول: أنا دهقان، والله تعالى وكلني، ومن شك في قولي تلوت عليه من محكم الكتاب ما يسقط بغيه وينفي وهمه.

وقال لي مرة: لم يذكر الله تعالى أبا بكر الصديق في ظاهر الكتاب، وأبو بكر أبو بكر، لا يساجل فضلاً، ولا يباري سبقاً، وذكر المغيرة وهو لا يدخل في زمرته ولا يوجد قريباً من كعبه، قلت: ما أدري وما اعرف للمغيرة ذكراً في الكتاب، قال: بلى ولكنك قليل العناية بالتلاوة، ثم قرأ " فالمغيرات صبحاً " العاديات:، وأنشأ يقص، فذهب عقلي تعجباً.

هذا - أيدك الله - ونظراؤه أزاغوا أصل العلم، ونقضوا عرى الحق، ومحوا محاسن الدين.

وما محصول قول سهل بن عبد الله، وهو عند أصحابه العالم الرباني والعالم الإلهي، حين قال: لقد وجدت إبليس أذأمهم، وذاك أنه تراءى لي فعذلته على إبائه السجود لآدم ﵇ وتركه ما أمر الله ﷿ به، فقال لي: أمثلك يقول هذا؟ أما تعلم أنه أرادني بعلمه ولم يردني بأمره، لأن علمه حتم، وليس أمره حتم، في حكاية طويلة لا طائل في ذكرها، وإنما سقت منها عين الحجاج، وعين المراد.

وما الفرق بين قوله ﷿ " إنما أنت منذر من يخشاها " النازعات: وبين قوله " إنما تنذر من اتبع الذكر " يس: ؟ وهل قول الزجاج: إنما يقول الله تعالى للشيء كن فيكون، وليس

الشيء بحاضر، لأن ما هو معلوم عنده بمنزلة الحاضر، صحيح من المعارضة. سليم عن المناقضة؟! وما معنى قول من قال: قال الله ﷿ " والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء " يونس هو عموم في باب الدعاء، وخصوص في باب الهداية؟ وهل يصح هذا الإطلاق؟ فإن العموم والخصوص معنيان يتبعان جوهر الكلام وعين الخطاب.

وكيف ترى اعتراض آخر حين قال وقد أقبل على جماعة يتناظرون في القرآن: أبطله رسول الله ﷺ بقوله: المراء في القرآن كفر؟ فكيف الانفصال من هذا الظاهر، وكيف المخلص؟ فإن خذا متى استمر لزم الإمساك عن البحث، والتفرد للنظر، والإيجاب للسؤال والتكلف، وغير القرآن محمول على القرآن، وهو مخصوص بتعظيم الشان والأمر له والإذعان.

وافسح بالك للسماع والتحصيل والفهم والإدراك حتى أسألك عن مسائل لطيفة: عرفني ما السبب في إطباق الناس على أن التكلف مكروه، وعلى ان المتكلف معنوت عليه، ممقوت فيما اختاره، ومردود إليه ما أتاه وإن كان حسناً وبالغاً، وما عري من التكلف وخلا منه محبوب ملتذ مقبول، وإن كان دون التكلف؟ وقد قال الله ﷿ " وما انا من المتكلفين " ص: في صفة رسول الله ﷺ، وقال النبي ﷺ: أنا ومن اتبعني براء من التكلف.

وعرفني معنى الاستطاعة، وما سرها؟ وهل هي على حد ما ذهبت إليه المعتزلة، او على سبيل ما قالته المجبرة، وما حيثيتها وما مثالها؟ وعرفني أيضاً معنى التوفيق فإنه لطيف، ولا أحد إلا وهو يسأل الله وبه التوفيق. الناس - أيدك الله - يلتقون في هذا المعنى على خيط الوفاق،

من زعم انه مزاح العلة، ومن زعم أنه محتاج إلى المادة. وهل التوفيق لطيفة من الله ﷿، متى جاد بها وساق عبده إليها تم الصلاح، وعم النجاح، ونيل المراد، وسقط التمني؟ وإن كان لطيفة فكيف منعها عبده والعبد محتاج بإحواجه، وهو غني بنفسه، وليس هناك بخل، ولا بينه وبين عباده دخل - هذا وانت لا بد من أن تقول: قد فعل فعل الصلاح او الأصلح، ولا تجنح في الجواب إلى انه علم من عبده أنه متى جاد عليه بتلك اللطيفة فسد، ومتى أسبغ عليه النعمة جحد، فقد جحده الجاحد، وكفر به الكافر، ولم يهلك على الله إلا هالك. على أن علمه وبما يكون وبما لا يكون، لو كان كذا وكذا، علم لا يوجب عليه فعلاً دون فعل، ولا أمراً دون أمر. وقد رأيت من يجعل علمه علة لكل شيء، وسبباً في كل شيء، وهذا هو العجز والجهل والتمويه والاحتيال. الحق أنور من ذلك.

وعرفني ما معنى قول أبي يزيد البسطامي: ليس إلا الأنس بالجهل، والتعلل بالتعلم، والرضى بالتافه، والمصير إلى حد مجهول؟ وأبو يزيد هذا من نوادر الرجال، وهو معدود في طبقة الأفاضل، ومضاف إلى ذوي الإشارة.

وعرفني معنى الاتحاد، والمواصلة في حقيقة الانفراد، فقد كبر الخطب في هذا الباب من أرباب هذه العبارات حتى لم يخلص ما ذهبت إليه، ورهنت نفوسها عليه. وكان بعض الناس لا يفرق بين ما يقوله النصاري في الاتحاد وبين ما يقوله هؤلاء في حقيقة الانفراد، والفصل بينهما مبين، والقول فيهما قوي متين.

وعرفني ما به نتشابك ونتشارك، وأين ذلك مما يختلف ويتباين،

ويتعادى ويتواصل، وإن كان ذلك محصوراً بعدد فاذكره إلى آخره حتى ننظر إلى كثرة ما به نختلف، وقلة ما به نأتلف، فإن صح هذا بيننا عرفنا ما بيننا وبين الحق لنا.

وعرفني ما الحاجة إليه أشد، والعائد معه أمد، والقول فيه أسد، والنفع منه أرد: ما تأثير العقل، وما حكمه، وما غاية ما يناله، وما هو أولاً، وما حده وحقيقته من المحجوج به، وهل يستقل بنفسه، وما حكم من عدمه، وما مزية من منحه وأنعم عليه به، وما عوض من حرمه واقتطع عنه، وإلى أين يبلغ في البحث والعرفان، وهل له في الأزل استقلال، وهل له في الآخر استقرار، وما سبب تموجه واضطرابه، وشبهه وانقلابه، ومن أين مادته، وبأي شيء زيادته، وأين أفقه، وما غائلته، ومن أين فساده وما يمر به وعاقبته، وما نسبته إلى العدد، وما تعلقه بالحقن وأين يصيب التكليف به، وكيف اطرد الثواب والعقاب على صاحبه، والمدح والذم على الموسوم به؟ فإن الكلام في هذا الباب عظيم الجدوى، غزير النفع، جم الفوائد، حلو الثمرة، محمود العاقبة. ولو لم يكن في استنباط هذا المعنى، واستخرج هذا المغزى، إلا فساد التقليد، ومفارقة الجهل، ومواصلة الطلب، لكان فيه ما يجعل التعب فيه راحة، والمشقة فيه تنعماً، فكيف وقد قيل عن الله ﷿ إنه لما خلقه قال: بك آخذ وبك أعطي؟ وحدثني بعد هذا عن المحبة، وهل تتصف، وهل يكون الله تعالى محباً للعبد، وإن كان فعلى أي وجه، وأين مكان محبته للعبد من محبة العبد له، ومتى كان للمحبة حقيقة بطل فيها الفصل واستحال عليها التباين.

وأخبرني عن المعرفة - معرفة الله تعالى - وما هي أولاً حقيقتها؟

فقد قال شيخ من شيوخ المتكلمين في صدر كتابه، اعلم أن أول ما يجب على المكلف النظر المؤدي إلى معرفة الله. وكان القاضي أبو حامد المروروذي يقول: قد اعترض على هذا الكلام ناس، وذلك ان هذا الرجل ذكر الوجوب والأول وهذا لا يعرفان إلا بدلائل أخر، وإن من لم يعرف هذه المعرفة لم يعرف الوجوب ولا الأول، ولا الوجوب بأنه مفرد، والعاري من المعارف لا سبيل له إلا التسليم. ثم قال المكلف، والتكليف أيضاً متعلق بمكلف، فمن هذا المكلف؟ أعقله الذي هو حامد شاكر لم يلطخ بالشبه ولا بالمعارض الفاسدة، ولا بالأقوال المتناقضة، ولا بالعادة الرديئة، ولا بالمنشأ المكروه، ولا بدواعي السوء، إنما هو على نور من واهبه، وفطره من فاطره، أو لبه الذي هو في طريق عرفانه؟ ثم قال: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى فخص هذا النوع من النظر دون سائر أنواع النظر، وأني لهذا المبتدئ هذا النظر وهذه القوة وهذا البيان؟ وهل تصفح فنون النظر، ووقف على أصناف المعارف حتى يستخلص النظر المؤدي من سائر النظر الذي لا يؤدي؟! وقال أيضاً أبو حامد المروروذي اعتراضاً على صاحب الكتاب: لولا تجوز أرباب هذا الشأن لما أقدموا هذا الإقدام، لأن معرفة الله تعالى ليست من جنس المعارف؛ ألا ترى أنك تقصد في نفي الإثبات نفس جمع الصفات - أعني الصفات التي تجد عليها جميع الموجودات - فتقول: ليس هو جسماً ولا عرضاً، ولا حالاً في شيء، ولا قائماً على شيء، ولا متصلاً بشيء، فحكم ليس هو حرف نفي على موجود، وهو أول كل شيء ثابت.

وكان إذا امتد نفسه في هذا الباب وما أشبهه، قيل له: كيف الوصول إلى المحصول؟ فيقول: ليس إلا الاستعانة بالله والإقبال عليه، واقتباس النور من لدنه، فما رام العبد قط مراماً فتم إلا به، ولا توجه إلا إليه؛ وكان يشير إلى

الله، أن الله يلهم المحتصين، ويمد قلوبهم بدواعي الخير وخواطر الحق، وكان لا يسيغ هذا النمط، وإنما خرج إلي بذات صدره للأنس الذي كنت معه عليه. وكان أصحابنا المتكلمين لا يرون له وزناً في الكلام، ولا يعدونه في طبقة أهل التمام، ويقولون: الفقه مسلم إليه، والسير موقوفة عليه، فأما ما عداهما فهو ظالم فيه إن تكلم، ومقصر إن توهم.

وقال صاحب الكتاب: فأما من استدل على وجوب المعرفة بأن الله تعالى لو لم يوجبها لكان قد أباح الجهل به، فليس يتم، لأن الجهل قبيح، وكون الشيء مباحاً يفيد حسنه. وزعم أن بعض الناس قال: الدلالة على أنها - يعني المعرفة - من أول الفرائض يعني أن الطاعة لا تصح لمن لا يعرف.

قال - وهذا تقريب -: ألا يرى أن، الطاعة إنما كانت طاعة لموافقتها الإرادة، وقد يصح أن يوافق الفعل إرادة الله وإن كان الفاعل لا يعرفه، بأن ينصر مظلوماً أو يغيث ملهوفاً، وإن ذلك يقع حسناً طاعة لله ﷿ مع الجهل به. فقد بان لك أن ما قاله تقريب.

وهذا أيضاً - أيدك الله - كلام طريف، لأن إغاثته الملهوف، ونصرته المظلوم، متى وقعتا موافقتين لإرادة الله، والله إنما أراد وقوعهما منه على صفة معروفة، وهو أن يكون عارفاً بالله غير جاهل به، ومتى لم يوجد على هذه الصفة، كان فعله حسناً وطاعة إذا أضيف إليه لا إلى الله ﷿، ووقعت عليه لا على الله ﷿، لأن الفعل لا يصح ان يكون طاعة إلا والفاعل مطيع، والفاعل لا يكون مطيعاً إلا وهناك مطاع، ومتى أجيز لنا المطاع عن معرفة لم نعتد بطاعته، ولم نطمئن إلى حسنه، لأن، ذلك حسن ما دام ظاهره مشاركاً لظاهر العارفين، فأما وباطنه مناف لباطن العارفين فليس فعله بحسن ولا طاعة.

وقال صاحب الكتاب: ليس يجوز أن يكون العلم الواقع عقيب النظر من فعل الله، لأن ذلك كان يقتضي أن لا يعترضه الشك، وأن يجري مجرى سائر العلوم الضرورية التي يفعلها الله ﷿. قال: وإذا لم يكن فعلاً لله ﷿ فيجب أن يكون فعلاً للإنسان، ويجب أن يكون متولداً عن النظر، لا تقع عين المنظور فيه دون غيره من سائر الوجوه التي يجوز للناظر دون المنظور فيه علمها؛ وهذا أيضاً فيه هضم شديد، وظلم بين؛ متى كان هذا الإنسان فاعلاً هذا العالم مع جهله بموضعه ومقداره ومكانه ومخرجه ومورده؟ وإنما هو كالهدف للخواطر، والمقنص للأفكار، فما لاءم طباعه وشاكه مزاجه ثبت، وما نافر نفسه ونافى جنسه ذهب، فكيف يكون فاعلاً لهذا النظر الذي لو وقع غيره موقعه لما فصل بينه وبينه؟ هيهات! البينة في معرفة الله تعالى عادلة، والشهادة قاطعة، والريبة زائلة، والهمة ساقطه، والمعارضة مرتفعة، والحق فيها ممدود، والسرادق مضروب الأطناب، مغشي المحل، والفطرة بها ناطقة، وإليها داعية، وإنما سنح ما سنح على وجه التطهير، وعلى سبيل التمحيص للنفس، وإلا فمن ذا الذي عبد غير الله فاطمأن مع معبوده؟ ومن هذا الذي نفاه فلم يستوحش؟ أم من هذا الذي اعترض عليه فلم يستوهل؟ أم من هذا الذي ميل فلم يمل إلى إثباته أكثر مما يميل إلى نفيه.

إن معرفتك بالله تابعة لمعرفته بك، وقد عرفك وعرفته، وإنما بقي عليك منك ما حجبك عنه بك، ومتى نقيت من أدرانك ومدانسك بمفارقة شهواتك، ومزابلة شبهاتك، وصفوت من كدرك بطهارة أسرارك، ومخالفة إرادتك، لاح لك المكون مجرياً للكون، وبدا لك الحق جارياً في كل عين، وغنيت في فقرك، واطمأننت في اضطرابك، وعززت في ذلك، وحرست في

نفسك، فإنها أسرع أعدائك إليك، وأغمضهم مدرجاً عليك. ولا تعرين هذا الفن من الألفاظ، فقد نقحت تنقيحاً يهدي إليك الإشارة وإن لم تصقل العبارة.

ما أخوفني - أيدك الله - أنك قد مللت هذا الفن وعفته، وأصبته كريهاً في نفسك، وبعيد الملحظ بعينك.

واعلم أن العلم لا يبدو إليك، والفضل لا ينجلي لك، والمجد لا يكلف بك، والصيت لا يعظم عليك، نعم والعمل لا ينقاد لك، والفاقة لا تنفى عنك، ورضا الله لا يجاد به لك، وناره لا ترد برداً عليك، وجنته لا تزدلف إليك، حتى تقف همتك على العلم، وتصرف نهمتك إليه، وتجعله ملهاة لطربك، ومسلاة لحربك، ومنتجعاً لعقلك، ومستمداً لفضلك، وحتى ترى أن ختامك في الموت عليه، واستراحتك في التعب به، حتى تؤثره على ثوبك الناعم، وبدنك الممتع، ومشربك الروي، ومطعمك الشهي، وجاريتك الحسناء، ودارك القوراء، وابنة عمك الموافقة، وعقارك المغل، وصنيعتك الرائعة، وفرسك الجواد، ودرتك اليتيمة، وحديقتك المنورة.

فاستعن الله في خافي أمرك وباديه، وفي فروعه وأواخيه، فإنه مالك الأمور، ومقلب القلوب، والجالب لكل خير، والصارف لكل شر، بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون.

وقد بقيت طائفة كبيرة من المسائل، وكان تقديري أنها تتم في هذا الجزء، لكنها شرست علي والتبست، وبان عجزي بها، واختلط تدبري فيها، والمعذرة إليك إن تفضلت بالقبول، وأحسنت التأويل، أو قاربت في التقريع والتأنيب، فعرضي عرضك، وما أطرد على اطرد عليك، ولو انفردت بالإساءة

صبرت على التعيير، ولكني أتصل بك، وأنتسب إليك، وشديد علي أن تؤتى من جهتي، كما أنه عزيز علي أن أوتى من جهتك، ومتى سقط التنافس وقع التوانس، وزال العتب، وذهب القبيح، وثبت الحسن، وقد قيل: الطويل وعين الرضا عن كل عيب كليلة حبب الله إليك الطاعة، ورزقك منها الإخلاص، ووهب لك النجاة، إنه عزيز حكيم.

قال زياد على المنبر: أما بعد، فإنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي ملكنا، ونذب عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم حق الطاعة فيما أمرنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا بطاعتكم، وصفو مودتنا بمناصحتكم، مع أني مهما قصرت في شيء فلست مقصراً في ثلاث: لست محتجباً عن طالب حاجة منكم، ولو أتاني طارقاً بليل ولا مجمراً لكم بعثاً ولا حابساً عنكم عطاء، فادعوا الله لأئمتكم بالصلاح، فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهافكم التي إليها تأوون، ومتى يهلكوا تهلكوا، ولا تشعروا قلوبكم بغضاءهم فيطول غيظكم ثم لا تظفروا بحاجتكم؛ نسأل الله أن يعين كلا على كل.

تعجب - حرسك الله - من هذا الكلام، فإنه أسلس من العذب الزلال، وألين من الهواء المنبسط، وأحلى من الشهد المشتار. ولئن كان القوم مع هذا الكلام الدال على ما وراءه من الفعل الرصين آثروا الدنيا على الآخرة، إن العجب

ليشتد منهم، والغيظ يكبر عليهم، وإن كانوا نالوا الآخرة مع ما نالوا من الدنيا، إن القوم لصفوة الله وأبرار عباده: نسأل الله أن يجعل حظنا من الآخرة فوق حظنا من الدنيا، فالخاسر من أراد حرث العاجلة دون حرث الآجلة.

قيل لأعرابي: صف لنا أفضل الخيل فقال: المقبلات كالقنا، المعرضات كالدبا، المترصات كالنوى، المدبرات كالفرا.

شاعر:

وما هي إلا ليلة بعد ليلةوحول إلى حول وشهر إلى شهر
مطايا يقربن البعيد من الردىويذهبن أشلاء الأنام إلى القبر
ويتركن أزواج الغيور لغيرهويقسمن ما يحوي الشحيح من الوافر
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

قال المدائني: قدم أعرابي من بني هلال يكنى أبا الرغيف من أخوال عبد الله بن عباس البصرة، وعبد الله بها وال، فكان يكرمه ويدنيه فقال له يوماً: هل تتخمون في بلادكم؟ قال: وما التخم أصلح الله الأمير؟ قال: الطسأ، قال: لاها الله إذن ما نطسأ، قال عبد الله: مم ذاك؟ قال: من أنا لا نخلي المعدة فترق، ولا نكظها فتحق، وأنا نأدم الأكل بشيء من الذوب ولا نستكمل التكاة. قال: فهل تلوون؟ قال: وما اللوي؟ قال: المدخر قال: لا، قال: ولم ذاك؟ قال: لأنا إذا طبخنا اللحم هرتناه، وإذا شويناه أنضجناه، وإذا مضغناه فتتناه، قال: هذا إذن من هذا. قال: فهل تتعرون؟

فتضاحك ثم قال: وأنى لنا بالتعري أصلح الله الأمير، في أجسادنا ربل.

قال ثعلب، قيل لأعرابي: ما تطعم الخرء؟ قال: أذقته؟! كتب بشار بن برد المرعث يعزي أخاً له: أما بعد، فإن أحق ما اغتنمنا حلوه، وصبرنا على مره، واستدمنا مكروهه، ونافسنا فيه أهله، وأحق ما أغلقنا أبوابه، وصرمنا أسبابه، وزهدنا في وده، ومللنا فجائعه، الدنيا التي لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجائعها. وقد خبر الله تعالى عنها وكفى به خبيراً فقال " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح " الكهف: فكتاب الله موعظتنا، ورسول الله ﷺ أسوتنا، فأي موعظة بعد كتاب الله، وأي أسوة بعد رسول الله، وقد قال الله تعالى " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " الأحزاب: ثم دعا للميت بالثواب والمغفرة، وللمعزى بإلهام الصبر، وتعويض الأجر.

هذا آخر الثاني، والثالث على أثره إن صرفت عني عتبك في جميع ما غرض من النفس، ودل على العجز، وأغلق باب العذر، والله أسأل معونة تكفي مؤونة، وهداية تنفي ضلالة، وإزاحة تكسب راحة، وحالاً تحمد عاقبة، إنه ولي الخير، ومالك الأمر، لا إله إلا هو سبحانه عما يصفه الظالمون.

انتهى الجزء الثاني من كتاب البصائر والذخائر فرغت من تعليقه يوم الخميس سادس وعشرين جمادى الآخرة من سنة ثمان وعشرين وستمائة والحمد لله كثيراً وصلى الله على سيد المرسلين محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وعترته المكرمين أجمعين حسبي الله ونعم الوكيل.

//بسم الله الرحمن الرحيم

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.