تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الثالث (٢)

قال أعرابي: ليس الرديف في العشيرة كالصليبة، ولا الهجين كالصريح، ولا التابع كالمتبوع. كل هذا من كتاب الرتب.

قال يزيد بن ضبة الثقفي:

تواعد للبين الخليط لينبتواوقالوا لراعي الذود موعدك السبت
للشاعر النميري، اقرأ القصيدة
وفي النفس حاجات إليهم كثيرةلإبانها في الحي لو أخر الوقت
ولم أك فيما كان قبل احتمالهمعلى بينهم بالأمس نفسي وطنت
ولكنهم بانوا ولم أدر بغتةوأفظع شيء حين يفجؤك البغت

وقال أبو دهبل:

تبيت النشاوى من أمية نوماًوبالطف قتلى ما ينام حميمها
وما أهلك الإسلام إلا قبيلةتأمر نوكاها فدام نعيمها
وصارت قناة الدين في يد ظالمإذا مال منها جانب لا يقيمها

وقال تميم بن مقبل:

فأتلف وأخلف إنما المال عارةوكله مع الدهر الذي هو آكله
فأيسر مفقود وأهون هالكعلى الحي من لا يبلغ الحي نائله

وقال حميد بن ثور يصف الذئب:

ترى طرفيه يعسلان كلاهماكما اهتز عود الساسم المتتايع
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
ينام بإحدى مقلتيه ويتقيبأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

قال المبرد، قال محمد بن حرب الهلالي: حاجب الرجل نصفه،

وكاتبه كله. وينبغي لصاحب الشرطة أن يطيل الجلوس، ويديم العبوس، ويستخف بالشفاعات.

قال العتبي: سمعت أعرابياً يقول: الحمد لله حمداً لا يبلى جديده، ولا يحصى عديده، ولا تبلغ حدوده.

قال أعرابي: اللهم إني أسألك الغفيرة، يوم كل نفس إليك فقيرة، فإن النعمة فيه كثيرة.

قال صوفي، وذكر الدنيا: ما أدري كيف أعجب منها، أمن قبح منظرها، أم من سوء مخبرها، أم من عشق الناس لها، وتناحرهم عليها؟! وأنشد:

تهاع وتستعدي إذا الضر مسهاوتقسو قسواً حين ينعم بالها

كان حماد عجرد ينادم أبا حنيفة، فلما تنسك أبو حنيفة وطلب الرأي قطعه وكان يعيبه، فكتب حماد:

إن كان نسكك لا يتم بغير سبي وآنتقاصي
فاقعد وقم بي كيف شئت مع الأداني والأقاصي
فلطالما زكيتنيوأنا المقيم على المعاصي
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
أيام نأخذها ونعطي في أباريق الرصاص

يقال: جاءنا بأفكوهة، وأعجوبة، وأملوحة، وأضحوكة، وأحدوثة، وألعوبة؛ كذا كلام العرب إذا جاء بما يضحك منه ويستملح ويتعجب منه ويتحدث به.

قال العتبي: سمعت أعرابياً يقول: ما طلع على الإنسان طالع أبغض إليه من الشيب.

قال أبو حاتم: سأل رجل أبا عبيدة عن اسم رجل فقال: ما أعرف أسمه، فقال كيسان: أنا أعرف الناس به، هو خراش أو خداش أو رياش أو شيء آخر، فقال أبو عبيدة: ما أحسن ما عرفته، فقال: إي والله وهو قرشي أيضاً، قال: وما يدريك؟ قال: أو ما ترى احتواءه على الشين من كل جانب؟! قال الأصمعي: كان عثمان البتي يتمثل دائماً:

وفي الممشى إليك علي عارولكن الهوى منع الفرارا

قيل لصوفي: كيف أصبحت؟ قال: آسفاً على أمسي، كارهاً ليومي، متهماً لغدي.

قال ابن الكلبي: رأيت قاتل الحسين بن علي ﵉ قد أدخل على الحجاج وعنده عنبسة بن سعيد فقال: أأنت قتلت حسيناً؟ قال: نعم، قال: كيف؟ قال: دسرته بالرمح دسراً، وهبرته بالسيف هبراً، ووكلت رأسه إلى امرىء غير وكل، فقال الحجاج: والله لا تجتمعان في الجنة أبداً، فخرج أهل العراق يقولون: والله لا يجتمع ابن رسول الله ﷺ وقاتله في الجنة أبداً، وخرج أهل الشام يقولون: صدق الأمير لا يجتمع من شق عصا المسلمين وخالف أمير المؤمنين وقاتله في طاعة الله في الجنة أبداً.

أنشد ابن الأعرابي:

ما سبعة كلهم إخوانليس يموتون وهم شبان

لم يرهم في موضع إنسان

وأنشد:

فما خضراء في ورق وظلوأفنان تدب لها عروق
مضت في ذاك حيناً ثم صارتلها لحم يرى ودم وريق

وأنشد ثعلب:

عينان عينان ما فاضت دموعهمافي كل عين من العينين نونان
نونان نونان لم يخططهما قلمفي كل نون من النونين عينان

قال أبو محلم: كان أعرابي باليمامة والياً على الماء، فإذا اختصم إليه اثنان وأشكل عليه القضاء حبسهما حتى يصطلحا ويقول: دواء اللبس الحبس.

وأنشد أبو محلم:

لعمري لقد قاسيت نفساً ضعيفةقليلاً لأيام الممات احتمالها

قال أبو العيناء: كتب رجل إلى صديق له: عافانا الله وإياك من الشر كله، فقرأه من الشوكلة ثم كتب إليه: ما أعرف الشوكلة في العلل فعرفني.

قال المبرد: شكا الفضل بن إسحاق جاريته إلى إبراهيم بن عبد الله الحراني فقال إبراهيم: أرأيت وجهك في المرآة؟ قال: نعم، قال: أفرضيته لنفسك؟ قال: لا، قال: يا عاض بظر أمه، فكيف سمتها أن تحب ما لم تحبه لنفسك؟!

قال المبرد: حدثني الجاحظ أن جعفر بن سليمان لما اشترى الزرقاء جارية ابن رامين قال لها: هل قبلك أحد قط؟ قالت: نعم، يزيد بن عون قبلني ومج في فمي درة بعتها بثلاثين ألف درهم، فطلبه حتى ظفر به فضربه بالسياط حتى قتله.

هذا من جعفر لؤم، ومن الجارية رعونة، ومن يزيد بن عون عشق، وما استحق القتل، ولكن الجهل يعمل أكثر من هذا.

قال أبو صالح المصيصي: سمعت الأصمعي يقول: قدم أعرابي البصرة ومعه متاع فسرق، فدخل الجامع فنظر إلى حلقة فيها شيخ يحدث، فوقف وقال: يا هؤلاء، إني قد توسمت فيكم الخير، ورجوت بركة دعائكم، وإنه كان معي متاع فسرق، فاسألوا الله أن يرده علي، فقال الشيخ: يا هؤلاء، سلوا الذي لم يرد أن يسرق متاع الأعرابي أن يرد متاعه عليه، فقال الأعرابي: كما لم يرد أن يسرق متاعي فسرق، يريد أن يرد فلا يرد.

قال إسحاق الموصلي: جاريت أبا الضحاك الربيع بن عبد الله الشيباني فقال في كلامه: هذا الأمر لا يحصى ولا يقصى، أي لا يبلغ أقصاه.

كان الرشيد يلعب بالصوالج فقال ليزيد بن مزيد الشيباني: كن

مع عيسى، فأبى فقال: أتأنف ويحك أن تكون معه؟ قال: يا أمير المؤمنين، إني حلفت يميناً لا أكون على أمير المؤمنين في جد ولا هزل.

قيل لأعرابي: كيف ترى الدهر؟ قال: خدوعاً خلوباً، وثوباً غلوباً.

قال رجل لمتكلم: ما الدليل على صانع العالم؟ قال: شعرة أمك، فإنها تحلقها فتنبت وتعلم أن لها منبتاً، فقال الرجل: إن كان هذا دليلاً على إثبات الصانع فإن بظر أمك يدل على نفي الصانع، لأنها إذا قطعته لم ينبت؛ فانقطع المتكلم.

والسفه في المتكلمين فاش، وسوء الأدب عندهم من أجود سلاح، والمكابرة من أكبر عدة، ولهذا يجتمعون فلا ينفع الله باجتماعهم وبتعاطيهم وبأهوائهم. وما زال هذا الدين بهي المنظر مهيب المخبر، عذب المورد محمود المصدر، حتى تكلم هؤلاء القوم فأثاروا الشبه، وأقاموا الحجج، وطرحوا في القلوب العار، وحملوا الألسنة على الإنكار؛ كفى الله المسلمين شرهم، إنه نعم الكافي والمعين.

قال أبو عبيدة: السحاب فحل الأرض.

قال المدائني: كان فروخ العلج موسراً، فزوج إلى بعض أشراف

البصرة، فكان إذا سمع الأقيشر الأسدي ينشد يقول: ما أجوده، وكان لا يعرف شيئاً؛ فأنشده الأقيشر يوماً شعراً يصف فيه نفسه فقال:

ولقد أروح بمشرف يافوخهعتر المهزة ماؤه يتفصد
مرح يطير من المراح لعابهويكاد جلد إهابه يتقدد
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة
يتنزع الشيطان في إعراضهويصيح
حتى علوت به مشق ثنيةطوراً أغور به وطوراً أنجد
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة

فقال له: كيف ترى هذا الفرس؟ قال، بخ! قال: أكنت تركبه؟ قال: نعم، وألين عريكته، فضحك به، وبلغ ذلك الشريف الذي كان زوجه، فأخرج الأقيشر عن البصرة.

وقال خلف بن خليفة:

قد أصبحت سعدة مزورةلما رأت شدة إملاقي
وزادها وجداً على وجدهاما أبصرت من لين مخراقي

أنشد الرياشي:

تقنعت برداء الحسن وآشتملتعلى لطائف من ظرف وتقويم
أهدت لنا الشمس شطراً من محاسنهافالوجه للشمس والعينان للريم

قيل لصوفي: لم تعتزل الدنيا؟ قال: لأني أمنع من صافيها، وأمتنع من كدرها.

قيل لعبد الملك بن صالح الهاشمي: إن أخاك عبد الله بن صالح ذكر أنك حقود، فقال متمثلاً:

إذا ما امرؤ لم يحقد الحقد لم يكنلديه لذي النعمى جزاء ولا شكر

وهذا كقول الآخر:

إذا أنا بالمعروف لم أثن دائباًولم أشتم الجبس اللئيم المذمما
ففيم عرفت الخير والشر باسمهوشق لي الله المسامع والفما
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة

مر خالد بن صفوان على سليمان بن علي وهو منظرة له بالمربد وخالد على حمار، فقال له سليمان: فأين الخيل والنجائب؟ قال: أصلح الله الأمير، الخيل للقتال، والإبل للأحمال، والركائب للجمال، والبغال للأثقال، والحمير للإمهال.

قال الغلابي: سئل عبيد الله بن محمد التيمي عن قول عمر بن

الخطاب ﵁ يوم السقيفة كنت زورت في نفسي كلاماً، فقال: معناه كنت أصلحت زوره حتى استقام؛ قال: ومنه قول أبي وجزة:

يزور الأمر حتى يستقيم لهفما ترى أبداً في أمره زورا

قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: أعوذ بالله من الأسد الأسود، والذنب الأعقد، ومن الشيطان والسلطان، ومن عمل ينكس برأس المسلم، ويغري به لئام الناس.

أنشد عمر بن شبة قال، أنشدنا السهمي:

خالل خليل أخيك وأحو إخاءهوأعلم بأن أخا أخيك أخوكا
وبنيك ثم بني بنيك فكن بهمبراً فإن بني بنيك بنوكا
وارفق بجدك رحمة وتعطفاًترحم فإن أبا أبيك أبوكا

وأنشد ابن الأعرابي:

فتى لا يراعي جاره هفواتهولا حمله في النائبات غريب
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
فتى يملأ الشيزى ويهتز للندىكما اهتز عضب باليمين قضيب
فتى لا يبالي أن يكون بجسمهإذا سد خلات الكرام شحوب
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة

قال العتبي: دخل الوليد بن يزيد على هشام، وعلى الوليد عمامة وشي، فقال هشام: بكم أخذت عمامتك؟ قال: بألف درهم، فقال هشام: بألف؟! - يستكثرها - فقال الوليد: يا أمير المؤمنين، إنها لأكرم أطرافي، وقد اشتريت أنت جارية بعشرين ألفاً لأخس أطرافك.

قال المأمون لإبراهيم بن المهدي بعد اعتذاره: قد مات حقدي بحياة عذرك، وقد عفوت عنك، وأعظم من عفوي ويدي عندك أني لم أجرعك مرارة امتنان الشافعين.

قال المبرد: رجع بعض القرشيين إلى امرأة قرشية وقد حلقت شعرها، وكانت أحسن الناس شعراً، فقال لها: ما خطبك؟ قالت: أردت أن أغلق الباب فلمحني رجل ورأسي مكشوف، وما كنت لأدع علي شعراً رآه من ليس لي بمحرم.

قيل لأعرابي: ما أطيب الروائح؟ قال: بدن تحبه، وولد تربه.

أبو العمثيل:

وبيضاء مكسال لعوب خريدةلذيذ لدى ليل التمام شمامها
للشاعر السمهري العلكي، من قصيدة «ألا حي ليلى إذ ألم لمامها»
كأن وميض البرق بيني وبينهاإذ حان من بعض البيوت أبتسامها
للشاعر أبو العميثل الأعرابي، اقرأ القصيدة

قال مروان بن أبي حفصة لبشار: أنت باز والشعراء غرانيق.

قال ابن سلام: ذكر عند الأحنف الحضين بن المنذر بن الحارث فقالوا: ساد وهو حدث لم تتصل لحيته، فقال الأحنف: السؤدد مع السواد.

قال المبرد: كان سلم بن نوفل الدئلي سيد بني كنانة، فوثب رجل من أهله على ابنه فجرحه، فجيء به فقال له: ما أمنك مني وجرأك علي، أما خشيت عقابي؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: لأنا سودناك لتكظم الغيظ

وتحلم عن الجاهل، فخلى سبيله، وفيه يقول الشاعر:

يسود أقوام وليسوا بسادةبل السيد المعروف سلم بن نوفل

قيل لصوفي: لم تركت الدنيا؟ قال: لأنها بخلت علي بكثيرها، وظلفت نفسي عن قليلها، ورأتني أمقتها فهجرتني.

أنشد بشر الحافي:

قرير العين لا ولد يموتولا حذر يبادر ما يفوت
رخي البال ليس له عيالخلي من حربت ومن دهيت

قضى وطر الصبا وأفاد علماًفغايتهالتفرد والسكوت

وصف للإسكندر حسن بنات دارا وجمالهن فقال: من القبيح أن نكون قد غلبنا رجال قوم وتغلبنا نساؤهم.

شاعر:

فما أشرف الأعلام إلا صبابةولا أضرب الأمثال إلا تداويا

سمعت ابن القصاب الصوفي يقول: اسمع وأسكت، وانظر وأعجب ابن المعتز:

مل سقامي عودهوخان دمعي مسعده
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «مل سقامي عوده»
وضاع من ليلي غدهطوبى لعين تجده
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «مل سقامي عوده»
غلت من الدهر يدهقتالة من تلده
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «مل سقامي عوده»
يفنى فيبقى أبدهوالموت ضار أسده
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «مل سقامي عوده»
يا من عناني حسدهيقيمه ويقعده
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «مل سقامي عوده»
فإنه في حلقهشجاً ولا يزدرده
سهرت ليلاً يرقدهحظ الحسود كمده
قالوا قليل عددهمن عار قل ولده

نقلت هذا من خط ابن المعتز.

قال ابن عائشة، قال عمرو بن العاص لمسلمة: إني أعلم أنك تعلم أنك كاذب.

أنشد ليزيد بن معاوية:

قصر الجديد إلى بلىوالوصل في الدنيا انقطاعه
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «قصر الجديد إلى بلى»
أي اجتماع لم يصلبتفرق منه أجتماعه
أم أي شعب ذي التئام لم يبدده انصداعه
أم أي منتفع بشيىء ثم تم له انتفاعه
يا بؤس للدهر الذيما زال مختلفاً طباعه
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «قصر الجديد إلى بلى»
قد قيل في مثل خلايكفيك من شر سماعه

قال ابن عائشة: كان يقال: مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلوب صدأها، ومجالسة ذوي المروءات تدل على مكارم الأخلاق، ومجالسة العلماء تزكي النفوس.

قال النبي ﷺ: أخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء، قالوا: وكيف يا رسول الله؟ قال: إذا لبسن ريط الشام، وحلل العراق، وعصب اليمن، وملن كما تميل أسنمة النجب، فإذا فعلن ذاك كلفن المعسر ما ليس عنده.

هكذا نقلت من خط ابن المعتز وكأنه كان مسودته، وكان زعم أنه يريد أن يكتب كتاباً في حديث النساء وآفاتهن.

عرض على بلال بن أبي بردة الجند، فمر به رجل من بني نمير ومعه رمح قصير، فقال له: يا أخا بني نمير، ما أنت كما قال الشاعر:

لعمرك ما رماح بني نميربطائشة الصدور ولا قصار

فقال: أصلح الله الأمير، ما هو لي إنما استعرته من رجل من الأشعريين.

قال يعقوب بن إسحاق الكندي: الغناء شيء يخص النفس دون الجسم فيشغلها عن مصالح الجسم، كما أن لذة المأكول والمشروب تشغل الجسم دون النفس.

قال، وأنشدني إسماعيل بن الغمر لنفسه:

رأيتك عند حضور الخوانقليل النشاط كثير الصياح
تلاحظ عينك كف النديمفترمقه من جميع النواحي
وتشغله باستماع الحديثطوراً وطوراً بعظم المزاح

فعال امرىء بخلت نفسهبشيء يؤول إلى المستراح

وذم رجل آخر فقال: دعواته ولائم، وأقداحه محاجم، وكؤؤوسه محابر، وبوارده نوادر.

وأنشد لإبراهيم بن العباس:

فأنت منى النفس من بينهموأنت الحبيب وأنت المطاع
ولا منك إن بعدوا وحدةولا منهم إن بعدت اجتماع

وأنشد لكاتب من أرجوزة:

ثلاثة أصفيتهم إخائيكأنهم كواكب الجوزاء
عطارديون يرون رائيكأنما أهواؤهم أهوائي

وأنشد كشاجم لأخر:

خلان لي أمرهما عجيبكل لكل منهما حبيب
ما لي في دعواهما نصيبكأنني بينهما رقيب

قال: ومر بعض الندماء بجدي سمين فقال: ليت شعري لغلمان

من أنت؟ فسئل عن معنى ذلك فقال: يؤخر أصحابنا الجدي فلا يصل إلينا وفينا فضل، ويفوز به الغلمان.

وقال أديب: المودة روح والزيارة شخصها.

ويقال: ثلاثة تضني: سراج لا يضيء، ورسول بطيء، ومائدة ينتظر عليها من يجيء.

قال: وسمعت بعض الأغنياء يعتذر من ترك الاحتفال بعذر ما أحسن الأعتذار قط إلا من مثله، قال: ما يمنعني من الأحتفال إلا الأستظهار، قلت: وكيف ذاك؟ قال: أكره أن أحتفل فيتأخر عني من أدعوه، إما من عمد وإما عن عائق، فتكون قد تكلفت ما لا تنتفع به.

وحكي عن بعض السفلة أنه قال لصديق له: اعمل أنك تصطبح غداً عندي على ماء خصر.

قال كشاجم: بلغ عبد الله بن طاهر أن بعض ندمائه خانه في بعض غلمانه، فتجافى عن ذلك ولم يظهر في إنكاره، ثم أخبر أن بعض الغلمان وجد على بعض الرؤساء، فقام من ذلك وقعد وقال: نحتمل إخواننا في فضيحة غلماننا، ولا نحتمل غلماننا في فضيحة إخواننا.

قال يعقوب الكندي: الجواهر خاصة للجوهر اللازمة له دون المعولات الذي قوامه بذاته، أعني أنه الذي لا يحتاج في قوامه إلى غيره وهو وحده

حامل بعينه للأختلاف، غير متبدل في عينه في قبوله للأختلاف.

قال كشاجم، قيل للعتابي: ما المروءة؟ قال: ترك اللذة، قيل: فما اللذة؟ قال: ترك المروءة.

وأنشد:

رب حسناء كالمهاة تهادىقد دعتني لنفسها فأبيت
لم يكن لي تحرج غير أنيكنت ندمان زوجها فاستحيت

وأنشد لكاتب:

تعالوا إلى الخل الذي لم يزل بكميصول على ريب الزمان ويشمخ
فقد حصلت عندي لكم فتعجلواثلاث دجاجات سمان وأفرخ
وراح وريحان ومسك وعنبرنبحر أحياناً به ونضمخ
ومسمعة كالبدر تشدو بصارختهاوى القلوب نحوه حين يصرخ
وها أنا ذا طباخكم ولربمارأيت ظريف القوم يشدو ويطبخ
سوى أنه لا يقطع اللحم كفهولا هو إن لم تشعل النار ينفخ
وإني لأستخذي لأهل مودتيوأزهو على أهل المعالي وأبذخ

وأنشد أيضاً:

وبيض نضيرات الوجوه كأنماتأزرن دون الريط من رمل عالج
خدال الشوى لا تحتشي غير خلقهاإذا الرسح لم يصبرن دون المنافج
يذرن مروط الخز ميلاً كأنهاقصار وإن طالت بأيدي النواسج

وقال آخر:

يمشين مشي قطا البطاح تأوداًخمص البطون رواجح الأكفال
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «هلا سألت معالم الأطلال»
يمشين بين حجالهنكما مشتبزل الجمال دلجن بالأثقال

وقال آخر:

أبت الروادف والثدي لقمصهامس البطون وأن تمس ظهورا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت الروادف والثدي لقمصها»
وإذا الرياح مع العشي تناوحتنبهن حاسدة وهجن غيورا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت الروادف والثدي لقمصها»

قيل لمخنث: ألا تستحي تناك في آستك؟ فقال: ذوقوا ولوموا.

ونظر مخنث في حمام إلى رجل قصير الأير طويل الخصيتين فقال: سخنت عينك، الغلالة أطول من القميص؟! تزوجت أم مخنث بالمدينة، فلما كان ليلة دخول زوجها إليها جاء

ابنها فاطلع من شق الباب وقال لها: يا أمي، تأكلين وحدك؟ لا هناك الله.

خاصم شاعر مخنثاً فقال: والله لأهجونك، فقال المخنث: والله لئن هجوتني لأخرجن حر أمك في الحكاية.

قال الشاعر فيما نقله كشاجم في كتاب النديم، ونقلت محاسنه:

أشرعت في تفصيل شلو شوائهفكأنني أشرعت في أعضائه
أحلى الرجال فكاهة وأبشهمبالزور إلا عند وقت غدائه

وقال آخر:

تأبى خلائق خالد وفعالهإلا تجنب كل أمر عائب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تأبى خلائق خالد وفعاله»
وإذا حضرنا الباب عند غدائهأذن الغداء لنا برغم الحاجب
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

أبلج بين حاجبيه نورهإذا تغدى رفعت ستوره

وقال آخر في كريم:

إن كنت تأمل حظوةومكانة عند الأمير
فإذا دعا لغدائهبخوانه الرحب الكبير
فاسبق إليه مسارعاًلا بالتهور ولا الحصور
وآبدأ بأفخاذ الدجاج وثن منها بالصدور
وآقصد لإلحاق الصحيح من الجراذق بالكسير
وآستنطف الحلواء وآستأثر بأصناف التمور
وأجل يديك كما يجول الطرف بالبطل المغير
إن الأمير يحب ذاك من المواكل والعشير

وقال: حكي عن زياد بن أبيه أنه قال لحاجبه: لا تحضروا طعامنا إلا جائعاً. وآستسقى أعرابي على مائدته، وكان بحيث يراه، ومقبل مولاه على رأسه، فقال زياد: اسقه ما أحب من الشراب، وكان يسقيهم على طعامه اللبن وسلاف الزبيب والعسل، فقال الأعرابي: اسقني لبناً، فناوله عساً ضخماً، فلم يقو على حمله، فأرعدت يده فأراقه على صدره، فقال له مقبل: آرفق، كالمتجهم، فقال زياد: مهلاً، كل ذا عليك، لأنك ناولته إياه وما يستطيع حمله، ولا أنت أمسكت عن تخجيله.

وقال الأخفش: استهدى إبراهيم بن المدبر المبرد جليساً، فندبني

لذلك، وكتب معي إليه: قد أنفذت إليك - أيدك الله - فلاناً، وجملة أمره أنه كما قال الشاعر:

إذا زرت الملوك فإن حسبيشفيعاً عندهم أن يعرفوني

غنى مخنث عند أمير، فلما أراد الأنصراف قال: يا سيدي، أنصرف بلا شيء؟ قال: يا غلام، أعطه مائة درهم يدخلها في حر أمه، قال: يا سيدي، مائة أخرى أدخلها في أستها، فضحك وأمر له بمائة أخرى.

نظر مخنث إلى امرأة من منظرة تتحرك فتعجب، وتأمل فإذا فوقها رجل يدفع فيها، فقال: لا عجب من أمر الله، أنا لما رأيت الهرة تتحرك علمت أن التبرم في أصلها.

عبث رجل بمخنث، فقال له المخنث: بالله من أين أنت؟ فقال: من بغداد، قال: عز ربي وجل، عهدي بالقردة تجلب من اليمن، صارت تجلب من بغداد؟! فخجل الرجل.

قال مخنث لرجل طويل اللحية كبير السبال: لا تكلمني من وراء حجاب فإني لا أفهم ما تقول، نح المخلاة من وجهك حتى أفهم.

قيل لمخنث: ما أقبح آستك، قال: يا ابن البغيضة، تراها لا تصلح للخرا؟!

قال أبو حامد المروروذي: كان بالشام قاص يقص ويقول:

اللهم أهلك أبا حسان الدقاق فإنه تربص بالمسلمين وفعل السوءى بهم، ومنزله أول باب في الدرب على يسارك.

قال الهيثم بن عدي: كان يقال: لا يوجد العجول محموداً، ولا الغضوب مسروراً، ولا الكريم حسوداً ولا الشره غنياً، ولا الملول ذا إخوان.

أنشد لعمران بن حطان:

حتى متى تسقى النفوس بكأسهاريب المنون وأنت لاه ترتع
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
أفقد رضيت بأن تعلل بالمنىوإلى المنية كل يوم تدفع
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
أحلام نوم أو كظل زائلإن اللبيب بمثله لا يخدع
للشاعر ابن أبي حصينة، اقرأ القصيدة

قيل لأعرابي: أين الجد من الأدب؟ قال: هذا مشرق وهذا مغرب.

قال عبد الله بن قيس في بني عمارة بن عقبة بن أبي معيط، وكانوا أكرموه:

ما إن رأيت بني أبفي الناس مثل بني عماره
أوفى بموعود وأكرم في العطية والنذاره
الجود منهم شيمةفي العسر يعرف واليساره
لا الفحش في ناديهميخشى الجليس ولا الشراره
وإذا لجأت إليهمفلك المناعة والخفاره
من نسل قرم ماجدجمع الحلاوة والمراره
يعطي ليحمد مالهويراه من خير التجاره
فأفخر بقوم سادةأهل الجمارة والصباره

النذارة: النذير، والصبارة: الكفالة، والصبير والكفيل واحد.

قال الرشيد في جعفر بن يحيى وهو يصفه: جعفر بحر لا ينزح، وجبل لا يزحزح.

شاعر:

حلو الشمائل مأمون الغوائل مأمول النوافل محض زنده وار
الله ألبسه في عود مغرسهثياب حمد نقيات من العار
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «يا عين جودي بدمع منك مدرار»
دفاع معضلة حمال مثقلةدراك وتر ودفاع لأوتار
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «يا عين جودي بدمع منك مدرار»

كاتب: ولئن أوحشني المصاب به، لقد آنسني الثواب عليه، فصار صبري على حادث الرزية به شكراً لله على متقدم العطية فيه.

مر في مذكرات أبي معشر، وكانت بخط القومسي قال، قال

أبو معشر، أخبرني محمد بن موسى الجليس - وليس بالخوارزمي - قال، حدثني يحيى بن أبي منصور قال: دخلت وجماعة من المنجمين إلى المأمون وعنده إنسان قد تنبأ ونحن لا نعلم، وقد دعا بالقضاة ولم يحضروا بعد، فقال لي ولمن حضر من المنجمين: اذهبوا فخذوا لي طالعاً لدعوى هذا الرجل في الذي يدعيه، وعرفوني ما يدل عليه الفلك من صدقه وكذبه، ولم يعلمنا المأمون أنه متنبىء؛ فجئنا إلى بعض تلك الحصون، فأحكمنا الطالع وصورناه، فوقع الشمس والقمر في دقيقة واحدة، وسهم السعادة وسهم الغيب في دقيقة الطالع، والطالع الجدي، والمشتري في السنبلة ينظر إليه، والزهرة وعطارد في في العقرب ينظران إليه، فقال كل من حضر غيري: كل ما يدعيه صحيح، وقلت: أنا في طلب تصحيحه، وله حجة عطاردية زهرية، وتصحيح الذي تطلبه لا يتم ولا ينتظم، إنما هو ضرب من التحسين والرونق يتعجب منه، فقال لي: أحسنت لله درك، ثم قال: أتدرون من الرجل؟ قلت: لا، قال: إنه يزعم أنه نبي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أفمعه شيء يحتج به؟ فلنسأله، فقال: نعم، معي خاتم ذو فصين، ألبسه فلا يتغير مني شيء، ويلبسه غيري فيضحك ولا يتمالك من الضحك حتى يدعه؛ ومعي قلم شامي آخذه فأكتب به، ويأخذه غيري فلا

تنطلق به إصبعه، فقلت: أيا سيدي، هذه للزهرة وعطارد، قد عملا عملهما، فأمره المأمون أن يفعل ما قاله، ففعل، وعلم أنه من علاج الطلسمات. فما زال المأمون به أياماً كثيرة حتى تبرأ من دعوى النبوة، ووصف الحيل التي احتالها في الخاتم والقلم، فوهب له ألف درهم، ثم لقيناه بعد ذلك فإذا أعلم الناس بالنجوم؛ قال أبو معشر: هو الذي عمل طلسم الخنافس في دور كثيرة من دور بغداد.

قال شاذان: كان أبو معشر على علمه وفهمه وتقديمه في الصناعة يصيبه الصرع عند امتلاء القمر في كل شهر مرة، وكان لا يعرف لنفسه مولداً، ولكنه كان قد عمل مسألة عن عمره وأحواله وسأل عنها الزيادي المنجم لتكون أصح دلالة إذا اجتمع عليها طبيعتان: طبيعة السائل وطبيعة المسؤول، فخرج طالع تلك المسألة السنبلة، والقمر في العقرب في مقابلة الشمس، والمريخ ناظر إلى القمر من الدلو، وهذه الصورة توجب الصرع.

قال فيلسوف: نصحك من أسخطك بالحق، وغشك من أرضاك بالباطل.

قال المدائني: رأيت رجلاً من باهلة يطوف بين الصفا والمروة على بغلة، ثم رأيته بعد ذلك راجلاً في سفرة، فقلت: أراجل في هذا الموضع؟ قال: نعم، إني ركبت حيث يمشي الناس، فكان حقاً على الله أن يرجلني حيث يركب الناس.

قال العباس بن الأحنف:

أنا لم أرزق مودتهمإنما للعبد ما رزقا
كان لي قلب أعيشبه فأصطلى بالحب فاحترقا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «نام من أهدى لي الأرقا»

قال أبو الغريب: قد علمت كل شيء حتى علمت أن القرطم من الطلع، والخردل من التين، والبلوط من الحطب، خلا القطائف، لا أدري من أين هو.

وقرىء في مذاكرات أبي معشر قال: حضرت وشيلمة والزيادي والهاشمي والشابشتي عند الموفق، وكان الزيادي أستاذ زمانه في النجوم، فأضمر الموفق ضميراً، فقال الزيادي: أضمر الأمير رئاسة وسلطاناً، فقال: كذبت، وقال شيلمة: أضمر الأمير عقد أمر جليل رفيع، فقال: كذبت، فقال الهاشمي: لست أعرف غير ما قالا، الرأس في وسط السماء، وصاحب الطالع ناظر إليه، والكواكب ساقطة، فقال له: وأنت أيضاً كذبت، ثم قال لي: هات ما عندك يا شابشتي، فقلت: أضمر الأمير الله ﷿، فقال: أحسنت والله، ويلك، أنى لك هذا؟ قلت: الرأس يرى فعله ولا يرى نفسه، وكان في أرفع درجة في الفلك في الضمير، ولم أعرف له مثلاً إلا الله ﷿، لأن الله تعالى يرى فعله ولا يرى هو، وهو فوق كل رفعة سلطان ليس فوقه - جل ربنا وعز.

وضاح اليمن:

قالت ألا لا تلجن دارناإن أبانا رجل غائر
للشاعر وضاح اليمن، من قصيدة «يا روض جيرانكم الباكر»
نعم وإن القصر من دونناقلت فإني فوقه طائر
قالت فإن البحر من دونناقلت فإني سابح ماهر
للشاعر وضاح اليمن، من قصيدة «يا روض جيرانكم الباكر»
قالت فإن الليث من دونناقلت فسيفي مرهف باتر
قالت أليس الله من فوقناقلت فربي قادر غافر
قالت فإما كنت أعييتنافأت إذا ما هجع السامر
وأسقط علينا كسقوط الندىليلة لا واش ولا زاجر

قال أبو علقمة لخياط: يا خياط، أقطع لي هذه السراويل، وارتق فتقها وافتق رتقها، فقال الخياط: يأخذك والله القولنج قبل أن تفسو في هذه السراويل.

وقع بين أبي علقمة وبين سالم بن أحوز كلام، وكان لسالم مولى نداف يعزى إليه، فقال له: لو وضعت يمين رجليك على حراء ويسراها على بئر

زمزم ثم تناولت قوس قزح فندفت ما كنت إلا كلباً.

أصاب أعرابي درهماً في كناسة الكوفة فقال: أبشر أيها الدرهم وقر قرارك، فطالما خضت فيك الغمار، وقطعت فيك الأسفار، وتعرضت فيك للنار.

شاعر:

كل امرىء يعطيك منأخلاقه ما كان عنده
ولقد يكون الشيء شكل الشيء ثم يصير ضده
والعلم ليس يحدهمن كان يبغي أن يحده
ولقد جعلت اليأس بين جوانحي فوجدت برده
وإذا جرى قدر بمايقضي فما تسطيع رده
والمرء يولد وحدهفيعيش ثم يموت وحده

قال ابن الأعرابي: كان عمر بن الخطاب يطوف بالبيت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إن علياً لطمني، فوقف عمر إلى أن وافى علي فقال له عمر: يا أبا الحسن، ألطمت هذا؟ قال: نعم، قال: ولم؟ قال: لأنني رأيته نظر إلى حرم المسلمين في الطواف، فقال: أحسنت، ثم أقبل على الملطوم فقال: وقعت عليك عين من عيون الله.

قال ثعلب: سألت ابن الأعرابي عن هذا فقال: خاصة من خواص الله.

سأل أبو عروة الزبيري مصعباً الزبيري حاجة فلم يقضها له،

فقال: علم الله تعالى أن لكل قوم شيخاً يفزعون إليه، وإنا نفزع منك.

قيل لأبي عروة هذا: أيسرك أنك قائد؟ فقال: أي والله، ولو قائد عميان.

يقال: أول من اتخذ المنابر في المساجد عمر بن عبد العزيز ﵀، وأول من دعي له على المنابر عبد الملك بن مروان.

ابن السماك: اللهم إنا نحب طاعتك وإن قصرنا عنها، ونكره معصيتك وإن ركبناها، اللهم فتفضل علينا بالجنة وإن لم نكن لها أهلاً، وخلصنا من النار وإن كنا استوجبناها، اللهم إنا نخاف أن يضطرنا المعاش إلى ما نكره من الأعمال فسلمنا من فتنته وعوارض بلائه.

قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس في شيء ما فالأمر ما عليه أهل الثغور، لأن الله تعالى يقول: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " العنكبوب:.

من أمثال العرب: إذا كان لك أكثري فتجاف عن أقلي.

كاتب: أنت أجل قدراً، وأعلى محلاً، وأفسح تفضلاً، من أن يترك عندك مع بلوغ الأمنية، ودرك البغية، ووجوب الأمل، غرضاً لريب الزمان، تصميه أسهمه، وتطوحه صروفه، وتعصف به رياحه، بانقباض يده، وقصور رزقه عن كفايته، وعجزه عن الوفاء بمؤونته

كاتب: إن رأيت أن يدعى عندك يانع إحسانك، وجنية من ثمار عيدانك، فتورده شريعة آمتنانك، فقد أنحت عليه الخلة، واستمرت الإضاقة، وبلغت المدية محزها منه، فعلت إن شاء الله.

سمعت أبا سليمان يقول: كنا نحفظ ونحن صغار: احذروا حقد أهل سجستان، وحسد أهل هراة، وبخل أهل مرو، وشعث أهل نيسابور، ورعونة أهل بلخ، وحماقة أهل بخارى.

كان البادي الشاعر وقع إل أذربيجان في نقلته، وكان قبيح الزي، فأتى باب النيرماني الكاتب وآستأذن، فازدراه الحاجب وأهانه وهزل به وقال: لا آذن لك حتى أزبطرك، فصبر له، ثم لم يف الحاجب، وإنما كان نوى به اللهو، فتوصل إلى أن أسمع النيرماني هذه الأبيات، وهي:

مدحت الأمير أبا قاسمونفسي لجدواه مستمطره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
بشعر كوجه نسيم الرياضغلسه الطل أو بكره
وقالوا أمير جزيل العطاءكريم الأيادي والمأثره
فلما وصلت إلى بابهجزيت على مدحه زبطره
ومكنت من وجهي الحادثاتوأيقنت أني قتيل الشره
فبك على الفضل والمكرماتوناد بهن من المقبره
فقد أسخن الله عين امرىءيقال له اليوم ما أشعره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
فهل يا محمد من نائليبل اللهاة أو الحنجره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
فمن يفعل الخير خيراً يرهومن يفعل الشر شراً يره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة

فأمر من أخذ جميع مال الحاجب ودفعه إلى الشاعر ووصله من عنده.

وقفت أعرابية على قبر أخيها فقالت: نعم السيد كنت لعشيرتك، كنت والله مناخ الضيفان، وحوض الظمآن، وسم الفرسان، لقد كنت عند الغضب حليماً، وعند الله كريماً.

قال الفضيل بن عياض: من أكثر من قول الحمد لله كثر الداعي له، قيل: ومن أين قلت هذا؟ قال: لأن كل من يصلي يقول: سمع الله لمن حمده.

قال البقطري: ما في الأرض مطلوب إليه ألأم من أير، دنا الأصمعي من جارية وقد كبر فلم يتحرك ما عنده فقال: سبحان الذي خلق خلقاً فأماته في حياته.

قال الزيدي: العرب تقول: هو أنكح من ابن ألغز وهو عروة بن أشيم الضبي، وهو القائل:

ألا ربما أنعظت حتى إخالهسينقد للإنعاظ أو يتمزق
فأعلمه حتى إذا قلت قد ونىأبى وتمطى جامحاً يتمطق

قال الأصمعي: لما أخذ أبو بيهس الخارجي، قطعت يداه ورجلاه ثم ترك يتمرغ في التراب، فلما أصبح قال: هل أحد يفرغ علي دلوين فإني أحتلمت في هذه الليلة. كتبنا هذا للعجب.

وصف معبد امرأة فقال: كأن ركبها دارة القمر، وكأن شفرها أير حمار مثني.

وقال آخر:

أنعت نعتاً من حر لم أخبرهرأيته وليس شيء يستره

مثل سنام طارعنه وبره

وقال عقبة الأسدي لما تزوج عبيد الله بن زياد بنت أسماء بن خارجة:

جزاك الله يا أسماء خيراًلقد أرضيت فيشلة الأمير
بذي صدع يفوح المسك منهعظيم مثل كركرة البعير
لقد أهديتها بيضاء روداًشديداً رهزها فوق السرير
إذا أخذ الأمير بمنكبيهاسمعت لها أنيناً كالصرير

تساب صبيتان من الأعراب، أم إحداهما رسحاء وأم الأخرى عجزاء ليست بذاك، فقالت ابنة العجزاء لصاحبتها: يا ابنة الرسحاء، فقالت الأخرى: ويحك، إن أمي تأخذ الجلوة بوجهها قبل أن تحظى أمك بعجزها.

قال النبي ﷺ: أستعيذوا بالله من شرارهن، وكونوا من خيارهن على حذر.

قال الأصمعي: أفرغ من حجام ساباط، لأنه كان يمر بالجيوش فيحجم - من الكساد - نسيئة إلى أن يرجعوا.

قال ابن الأعرابي: كان حجام مطله من حجمه، فكتب إليه:

حجمتك مرة وجززت شعراًفلم تبعث بحق أبي زياد
وإن حديدنا يحتاج صقلاًوصقل القين بالورق الجياد

وقال آخر:

ألم ترني وعمراً حين نغدوإلى الحاجات ليس لنا نظير
أسايره على يمنى يديهوفيما بيننا رجل ضرير

قال علي بن صالح: خرجنا مع المأمون إلى الشام فقال: ابغني مسامراً، فاخترت رجلاً من أهل سلمية فأوصلته إليه فقال: حاجةيا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قال: إنه إذا أهمني من ورائي لم تصف منادمتي، فقال: صدق، يا غلام أعطه بدرة، ثم قال: حاجة يا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قال: ليس من النصفة للنديم أن يكون عليه خلعة دون خلعة صاحبه، فإن ذاك مما يكسر قلبه، قال: صدقت، يا غلام أعطه خلعة، ثم قام فقال: ثالثة يا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قال: إنك ستسقيني ما يحول بيني وبين عقلي، فإن كانت مني هنة أو زلة أحتملها وإلا فأعفني من الشرب، قال: نحتمل ذلك، واستحسن شرائطه.

وكان قاص بالكوفة يقول: اللهم ارزق خضراً النبي وليداً يجعله

منه خلفاً صالحاً، فإني أخاف أن ينقطع نسله.

خاصم رجل امرأته فشتمته، وكانت خلف الباب، فقال لها: مري فو الله لئن دخلت إليك لأشققن حرك، فقالت: لا والله، ولا كل أيرفي بغداد.

كانت عنان جارية الناطفي عندها جماعة من الشعراء وجمين معهم، وحضرت المائدة فأرادوا أن يوسعوا لعنان فقالت: مكانكم! فلو مددت يدي إلى البصرة لنلتها، ومدت يدها فضرطت، فقال جمين: حطي شراعك حتى نتعشى بواسط.

خطبة كتاب الرتب: الحمد لله داحي المدحوات وباري المسموكات، الذي بنعمه تتم الصالحات، وتزكو الحسنات، وتنال الخيرات، وتنشأ الأمم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وجبل النفوس على فطرها، شقيها وسعيدها، وصلى الله على نبي الرحمة، وخير البرية، والهادي إلى الحق، الخاتم لما سبق، والفاتح لما أغلق، والمعلن الحق بالحق، وسلم تسليماً.

شرب أعرابي شربة من لبن فقال: من رزقه الله الشكر من النعمة باللبن فقد ألهمه الشكر على جميع النعم لأنه يجمعها.

قيل لأحيحة بن الجلاح: أي المال أحب إليك؟ قال: ودية ملمة، أونعجة مرمة.

أنشد أبو نصر غلام الأصمعي:

لنا صرم ينحرن في كل شتوةإذا ما سماء الناس قل قطارها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «هل الدهر إلا ليلة ونهارها»
ونحمي بها العرض الكريم ونتقيويروي ظماء المعتفين شعارها

قال أعرابي من أهل اليمامة: عندنا ثمرة تسمى البردي لهي أحسن من العقيان في صدور الفتيان، فإن جعلتها نبيذاً فهي سم الأساود، والقائم فيها ساجد.

وصف أعرابي رجلاً فقال: كان الفهم منه ذا أذنين، والجواب ذا لسانين، لم أر أحداً أرتق لخلل ثأى منه؛ كان بعيد مسافة الرأي ومراد الطرف، إنما يرمي بهمه حيث أشار له الكرم، يتحسى مرار الإخوان ويسقيهم العذب.

أعرابية ترثي:

ألا هلك الجود والنائلومن كان يعتمد السائل
ومن كان يطمع في سيبهغني العشيرة والعائل
فمن قال خيراً وأثنى بهعليه لقد صدق القائل

أعرابي:

لا تنكري أني عريت فربمايعرى لجودة جنسه العضب
إني وإن ضاقت علي معيشتيوعدا علي زماني الصعب
لأصون نفسي أن يدنسهاعيب إذا ما آستدنس الوغب

لبعض بني سليم:

أليلتنا بنيسابور رديعلي الصبح ويحك أو أنيري
كواكبها زواحف لاغباتكأن سماءها بيدي مدير
للشاعر المهلهل بن ربيعة - الزير، من قصيدة «أليلتنا بذي حسم أنيري»
تلوم علىالحوادث أم زيدوهل لك في الحوادث من مجير
حملت كرامتي وصددت عنيإلى أجل من الدنيا قصير
فلو شهد الفوارس من سليمغداة يطاف بالأسد العقير
لنازل حوله قوم كرامفعز الوتر وانقضت الوتور
فقد بقيت كلاب نابحاتوما في الأرض بعدك من زئير

ومن كتاب الرتب:

إني لشداد على الخمص مئزريوإني لأستحيي وأنت تراني
وإني على القرن الكمي مشيعوإني على المولى الضعيف لواني

وقال عمر بن عبد العزيز ﵀:

فتى عرضه عند أعدائهمصون وأمواله تبتذل
وأيامه دول للصديقوأفعاله في الأعادي مثل
فلو كان غيثاً لعم البلادولو كان سيفاً لكان الأجل
ولو كان معطى على قدرهلأغنى النفوس وأفنى الأمل

يقال في الأثر: إن الإبل لحومها وألبانها شفاء.

قال الأصمعي: سمعت أبا عرارة يقول: من أكل سبع موزات وشرب من لبن الأوارك تجشأ بخور الكعبة.

قيل لإبراهيم بن سيار: هل رأيت شيئاً واحداً يشتمل على عامة الطيبات؟ قال: النحلة، والشاة: منها اللبن، والجذا، واللبأ، والزبد، والسلاء، ثم الجبن والمصل والرخفة واللوقة، والأقط والشيراز والكوامخ والمضيرة، والمصلية والكشكية والغربية وغير ذلك، كذا قال الجاحظ عن إبراهيم.

قال ابن الجهم: في محمد بن عبد الملك الزيات:

ما أحوج الناس إلى مطرةتذهب عنهم وضر الزيت

فأجابه محمد:

قيرتم الملك فلم ينقهسواده شيء سوى الزيت

أنشد لأبي دلف:

لست لريحان ولا راحولا على الهجران نواح
بلى إذا أبصرتني قائماًفبين أسياف وأرماح
ترى فتى تحت ظلال القنايقبض أرواحاً بأرواح

كان أشعب عند الحسن بن الحسن ﵉، فدخل عليهما أعرابي أحمر العينين، مختلف الخلقة، متنكب قوسه وكنانته، فازدراه أشعب لسوء منظره، فقال للحسن: بأبي أنت، أتأذن لي أن أسلح عليه، فأخذ الأعرابي سهماً فوضعه في كبد قوسه ثم فوقه نحو أشعب وقال: والله لئن سلحت لتكون آخر سلحة سلحتها، فقال أشعب للحسن: أخذني يا ابن رسول الله القولنج.

شاعر:

وما قارورة ملئت عبيراًوكان المسك بعد لها ختاما
بأطيب من ثنايا أم عمروإذا الأحلام أيقظت النياما

قيل لصوفي: كيف ترى ربك؟ قال: مستوراً عني بعلمه في، ومستصلحاً لي بتفضله علي.

قالت أعرابي: والله ما غمامة بكر، تدلت عليها الرياح في قفر، بأنقع للظمآن من ريق صخر.

قال الأصمعي: سمعت جعفر بن سليمان يسأل أعرابياً: ما بال الأرنب أحب إلى الصقر من الحبارى؟ قال: لأن الحبارى تكلح في وجهه، وتسلح على سبلته.

قيل لأعرابي: فلان يعيبك، قال: ذاك المائل عن المجد رجلاً، المطلي باللؤم وجهاً، ولكن قد ينبح القمر الكلب.

قال أعرابي وذكر شبابه قيل له: ثم مه، قال: ثم مللت راحة الصبا، وسقيت سلوة عن الهوى، وأعلم أن أغنى الناس من كثرت حسناته، وأفقرهم من قل نصيبه منها.

شاعر:

هذا الربيع كأنما أغصانهأبناء فارس في بنات الروم
بسط البسيطة سندساً وتبرقعتقلل المياه بلؤلؤ منظوم
للشاعر البحتري، من قصيدة «هذا الرَّبِيعُ كأَنَّمَا أَنوَارُهُ»
والورد يحكي في ذرى أغصانهقضب الزبرجد نظمت بنجوم

في الأمثال: أنا الغريق فما خوفي من البلل ومنها: إن الدلاء ملاكها الوذم

قال بعض الحكماء: لكل شيء آفة، وآفة العلم النسيان، وآفة الظرف الصلف، وآفة العبادة الفترة، وآفة الحديث الكذب، وآفة الشجاعة البغي، وآفة الحاجة الكبر، وآفة الحسب البطر، وآفة الحلم الذل، وآفة الجود السرف، وآفة القصد البخل، وآفة الحذق العجب، وآفة الجلد الفحش، وآفة المودة إخوان السوء، وآفة العقل الهوى، وآفة العفاف الضيق، وآفة الرأفة الجزع، وآفة الحياء البلادة، وآفة التواضع التصنع، وآفة اللطف الملق، وآفة الأنبساط عادة السوء، وآفة المداراة المداهنة، وآفة السرور البطر، وآفة الحزن التهالك، وآفة الغضب الغيظ، وآفة الإحسان التزكية، وآفة الأنتباه القنوط، وآفة الكسب الكد، وآفة الواعظ العنف، وآفة الموعوظ الملل، وآفة السائل الإلحاف، وآفة المسؤول الشح، وآفة الفقر الضراعة، وآفة الغنى الطغيان، وآفة الرأي الأستبداد، وآفة الأناة التفريط، وآفة السرعة العثرة، وآفة المشورة غش المستشار، وآفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ترك العمل بهما.

قال أعرابي: العاجز هو الشاب القليل الحيلة، الملازم للحليلة.

قال المأمون لعبد العزيز المكي: أليس قال الله تعالى " ما فرطنا في

الكتاب من شيء " الأنعام: قال: بلى، قال: فلقد قرأت القرآن فلم أجد فيه ذكر الجواسيس، فقال عبد العزيز: ألم تسمع قوله تعالى: " يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم " التوبة:، وهؤلاء ينقلون الأحاديث ويرفعون الأخبار.

شاعر:

ألا فأسقني والفجر يلمع في الدجىشراباً له في الدن عهد ثمود
كأن الثريا والصباح يكدهاقناديل رهبان دنت لخمود
كأن حباب الماء في جنباتهاوجوه عذارى في ملاحف سود
وللصبح سلطان على الليل قاهريرحله عنا بغير جنود
للشاعر البحتري، من قصيدة «قم فاسقني والنجم يلمع في الدجى»

من الأمثال:

أبشري أم خالدرب ساع لقاعد

قال عبادة المخنث لرجل كبير الأنف رآه عند المتوكل: يا أمير المؤمنين، لو كان له ملء أنفه دقيقاً لكان يكفيه وعياله سنة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.