من «حماسة الخالديين» للخالديين (ت ٣٧١هـ و٣٨٠هـ)
الجزء الأول (٧)
وإنْ كانَ فحش فيما ذكر فقد أحسن الكناية، وقد ذكرنا بعض قصيدة عبد بني الحسحاس الَّتي سمَّاها المفضَّل الدِّيباج الخسروانيّ وتكلَّمنا على بعض ما أخذه من غيره وأُخذ منه من بعده، وقصيدة الصِّمَّة القشيريّ عندنا أطرف كلاماً منها وأملح ديباجة، ونختار منها ما يستحسن فمن ذلك:
حننْتَ إلى ريَّا ونفسكَ باعدتْمزارَكَ من ريَّا وشَعْباكما معَا
فما حسنٌ أن تأتيَ الأمرَ طائعاًوتجزعَ أن داعي الصَّبابةِ أسمعَا
قِفا ودِّعا نجداً ومن حلَّ بالحمَىوقلَّ لنجدٍ عندنا أن يُودَّعا
ألا ليسَ أيَّام الحمَى برواجعٍعليك ولكن خلِّ عينيكَ تدمَعَا
بكتْ عينيَ اليُسرَى فلمَّا زجرتُهاعن الجهلِ بعد الحلْمِ أسبَلَتا معَا
وأذكُرُ أيَّامَ الحمَى ثمَّ أنْثَنيعلى كبِدِي من خشيةٍ أنْ تصدَّعا
ألا يا خليليَّ اللَّذين تواصَيابلومِيَ إلاَّ أنْ أُطيعَ وأتْبَعا
فإنِّي وجدتُ اللّومَ لا يُذهب الهوَىولكنْ وجدتُ اليأسَ أجدَى وأنْفَعا
وسرب بدتْ لي فبه بِيضٌ نواهِدٌإذا سُمتُهنَّ الوصلَ أمسينَ قُطَّعا
مَشَينَ اطّرادَ السَّيل هوناً كأنَّماتراهنَّ بالأقدامِ إذ مِسْنَ ظُلَّعا
فقلتُ سقَى اللهُ الحمَى دِيَمَ الحَيَافقلنَ سقاكَ الله بالسّمّ منقَعَا
وقلتُ عليكنَّ السَّلامُ فلا أرَىلنفسيَ من دونِ الحمَى اليومَ مَقْنَعا
فقلنَ أراكَ اللهُ إن كنتَ كاذباًبنانكَ مِن يُمنَى ذراعيكَ أقطَعَا
فلم أرَ مثلَ العامريَّة قبلَهاولا مثلَها يومَ ارْتحلْنا مُودَّعا
تُريكَ غداةَ البينِ مقلةَ شادنٍوجيدَ غزالٍ في القلائدِ أتلَعَا
شكوتُ إليها ما أُلاقِي من الهوَىوخشْيةَ شَعب الحيِّ أن يتصدَّعا
فما كلَّمتْنا غيرَ رجعٍ وإنَّماترقرقتِ العينان منها لتَدْمَعا
كأنَّك بدعٌ لم تَرَ البينَ قبلَهاولم تكُ بالألاّف قبلُ مُفجَّعا
فليت جِمالَ الحيِّ يومَ ترحَّلوابذي سلَمٍ أمستْ مَزاحيفَ ظُلَّعا
فيُصبحنَ لا يُحسنَّ مشياً براكبولا السَّيرَ في نجدٍ وإنْ كانَ مَهْيَعا
أتجزعُ والحَّانِ لم يتفرَّقافكيف إذا داعِي التَّفرُّقِ أسمَعَا
تلَفَّتُ نحو الحيِّ حتَّى وجدتُنيتشكَّيتُ للإصغاءِ لِيتاً وأخْدَعا
أما قوله: " حننت " البيت والَّذي بعده فقد أخذه منه جماعة وهو المخترع له، فممَّن أخذه بعضهم فقال:
تطوِي المنازلَ عن حبيبك طائعاًوتظلُّ تَبْكيه بدمعٍ ساجمِ
هلاَّ أقمتَ ولو على جَمْر الغَضَاقُلِّبتَ أو حدِّ الحُسام الصَّارمِ
كَذَبَتْكَ نفسُك لست من أهل الهوَىتشكو الفراقَ وأنتَ عين الظَّالمِ
ومثله آخر:
أترحَلُ عن حبيبك ثمَّ تَبْكيعليه فما دعاك إلى الفراقِ
كأنَّك لن تذُقْ للبَين طعماًفتعلمَ أنَّه مُرُّ المذاقِ
ومثله:
يسُبُّ غرابَ البين ظُلْماً معاشِرٌوهم آثروا بعدَ الحبيب على القُرْبِ
ومثله:
أترحَلُ طوعَ النَّفس عمَّن تحبُّهوتبكي كما يبكي المفارِقُ عن قَهْرِ
أقِمْ لا ترمْ والحزمُ منك بمعزلودمعُك باقٍ في جفونك لا يجري
أعرابيّ وبات عند رجل فلم يحمد ضيافته وقال:
أعوذُ بربِّي أن أبيتَ بليلةٍكلَيلتِنا بالنّعفِ عند بَشيرِ
فلمّا أتيناه استثار رمادَهُبكلب إلى جنب الصِّلاء عقورِ
يشقِّقُ أثوابَ الغريب ببابهويخلِطُ نَبْحاً فاحشاً بهريرِ
أتيناهُ نسْتدعي القِرى فأحالَناعلى شمأل مضْروبةٍ ودَبورِ
مُدِلٌّ على ميْن الطريق بلومهيرى طردَهُ الأضيافَ غيرَ كبير
يريد أنَّ البخيل عندهم ينزل في بطون الأودية وبالبعد عن الطريق مخافة الضيفان كالذي يقول:
إنَّ الَّذي جعل الطّريق لبَيْتهطُنُباً وضنَّ بزاده للَئيمُ
فيقول الأول إن هذا من لؤمه لا يبالي حيث نزل على طريق أو غيره لأنه ليس ممن يفكّر في الذّمّ إذا لم يقْرِ الضيف.
ومثل معناه قول الآخر:
عُبيدة بن غالببئس مناخُ الرّاكبِ
ينبحنا من جانبوكلبه من جانبِ
من شأن كلب الكريم إذا نظر إلى الضيف تركُ النّباح كما ذكرنا في عدة مواضع وكلب البخيل يكثر النّباح على الضيف، والكلبُ الدليلُ للضّيف على كرم الرَّجُل ولؤمه، فلذلك ذكرنا نباح الكلب ها هنا. ومن المعنى الَّذي نحن فيه ما أنشدنا ابن دريد لبعض الأعراب:
لا صبَّح الله أبا المصَبّحإلاَّ بوغْدٍ مثلهِ مُكلّحِ
زُرناه غبَّ عارضٍ مروَحيهطل بالماء إذا لم ينضَحِ
فعاد من خوف القِرى والمسرحبرميهِ النّارَ ودفنِ المقدحِ
وضربهِ الكلبَ إذا لم ينبحِ
مثله:
أتيناهُ أضيافاً فأشلى كلابَهُعلينا فكدْنا بين بيتَيْه نُؤكَلُ
مثله للبحتري:
لا تُجْزَينَّ أبا عبيدةَ صالحاًعن قُبْحِ وقفتِنا بقنَّسْرينا
جُزْنا وما كان الجَوازُ هوًى لنانَصبين من تعب السُّرى لَغبينا
وسرَتْ كلابُك بالنّباح كأنّمايطلُبْن ثأراً قد تقادمَ فينا
متتابعات بالعُواء وراءناحتَّى طرحْنا زادَنا فرضينا
مثله:
قد علَّمَ الكلبَ نُباحَ الضَّيفِوأمَّنَ البُزْلَ بريقَ السَّيفِ
أعرابيّ وسأل قوماً قريبي العهد بالغنى فحرموه فقال:
مدحْتُ عروقاً للنَّدى مصَّتِ الثَّرىقريباً فلم تهمُمْ بأنْ تتزعْزَعا
نقائذَ بُؤس ذاقتِ الفقرَ والغنىوحلَّبتِ الأيّامَ والدَّهرَ أضْرُعا
سقاها إلهُ الناسِ سجلاً على الظَّماوقد كربَتْ أعناقُها أن تقطَّعا
فضمَّتْ بأيديها على فضلَ مائهامن الرَّيِّ لمّا أوشكتْ أنْ تضلَّعا
وزهَّدها أن تفعلَ الخيرَ في الغنىمُقاساتُها من قبله الفقرَ جُوَّعا
هذه الأبيات طريفة المعنى، ومثلها قولُ الآخر:
سألنا أناساً حاجةً بَخِلوا بهاولم يكُ ذا بعدٍ مداه عسيرُ
وهيهاتَ أنْ يأتيكَ بالخير سائلٌبساقَيْه للكلب العَقورِ عقورُ
مثله:
إذا كنتَ لا بدَّ مُستطْعِماًفدعْ عند من كان يستَطْعِمُ
ولا تسأل النَّاس إلاَّ فتًىله نسبٌ في الغنى أقْدَمُ
مثله:
قد لبسوا ثوبَ الغنى جديداًفيحذرون الفقرَ أن يعودا
والبيت السائر في هذا المعنى:
إنَّ من عضَّتِ الكلابُ عصاهثمَّ أثْرى فبالحَرى أن يجودا
قال بعض الأعراب وغزا في أيام الفتوح إلى ناحية خراسان واعتلَّ فكان في قصر من قصور الرّي وجاشث الدَّيلم وكان في كل يوم ينادي المنادي بالنفير فقال:
لعمري لجوٌّ من جواءِ سُويْقَةٍأسافلُه مَيثٌ وأعلاه أجْرَعُ
به العِينُ والآرامُ والأُدْمُ ترتعيوأمّ الرِّئال والظّليم الهجنَّعُ
أحبُّ إلينا أن نجاورَ أهلناويُصبحَ منا وهو مرأى ومَسمعُ
منَ الجوسق الملعون بالرَّيّ لا ينيعلى رأسهِ داعي المنيَّةِ يلمعُ
يصيحُ عليه الدّيدبانُ فلا أُرىنهاري ولا ليلي من الخوف أهجعُ
يقولون لي اصبر واحتسبْ قلتُ طالماصبرْتُ ولكنْ ما أرى الصَّبر ينفعُ
فيا ليت أجري كان قُسِّم فيهمِومن دونيَ الصمّان والرَّملُ أجمعُ
فكان لهم أجري هنيئاً وأصبحتْبيَ البازلُ الكوماءُ في الرَّملِ تضبعُ
ولأعرابيّ دخل الحضر فاشتاق البدو:
لعمري لأصحاب المكاكيّ بالضّحىوسُحْمٍ تنادى بالعشيِّ نواعِبُهْ
أحَبُّ إلينا من فراخ دجاجةصغارٍ ومن ديكٍ تنوسُ غباغبُهْ
مثله لآخر:
والله للنَّومُ بوادي ذي غضاًمُختلطِ فيه الحمامُ بالقطا
وقد جرتْ في روضهِ ريحُ الصّباوانْحلَّ في قيعانهِ خيطُ السما
أشهى إلى قلبيَ من ريحِ القُرى
أخذ أبو تمَّام قوله " وانحلّ في قيعانه خيط السما " فقال:
وانحلَّ فيها خيط كلّ سماءِ
والبيت الأول خيرٌ مما قال أبو تمَّام.
مثله لآخر:
ليت لنا بالجوز واللّوز كمْأةًجناها لنا من بطن نخْلةَ جانِ
وليت لنا بالدِّيك صوتَ حمامةٍعلى فننٍ من أرض بيشة دانِ
وليت القِلاصَ الأُدْمَ قد وخدتْ بنابوادٍ تهامٍ في رُباً ومتانِ
بوادٍ تهامٍ تُنبتُ السّدْرَ صدرُهوأسفلُه بالمرج والعَلَجانِ
وقريب منه لآخر:
يجيئوننا بالورْد كلَّ عشيَّةوللشِّيحُ في عينيَّ أذكى من الورْدِ
ولا سيَّما إن كان من شيح تلعةبوادي سبيب جادَه صيِّبُ الرَّعْدِ
فتلك لعمري نظرةٌ لو نظرتُهاستُذهبُ وجدي أو تزيدُ على وجدي
ومثله لآخر:
عجبتُ من العطّار جاء يسومنابرابية السكران دُهنَ البنفسَجِ
فيا أيّها العطّار هلاَّ أتيتَنابجرزة شيح أو بخوصة عرفجِ
تزوج بعض الأعراب امرأةً من الحضر فلم تُرْضِه فقال:
لَعمري لأعرابيّةٌ في مِظلّةٍتظلّ برَوقى بيتها الرّيح تخفِقُ
أحبُّ إلينا من ضناك ضِفِنَّةٍإذا وُضعتْ عنها المراويحُ تَعرقُ
كبطِّيخة البستان يُرضيك ريحُهاصحيحاً ويبدو خُبثُها حين تُفتَقُ
مثله لآخر:
عدمت نساءَ المصر إنّ نساءهُقِصارٌ هواديها عِظامٌ بطونها
فلا تُعْطِ في مصريَّةٍ نضف دانقٍوإنْ ثقُلتْ أردافُها ومُتونها
مثله لآخر:
لتُدْرِك من نجد بلاداً مريعَةًوبيضاً كغزلان الصريم الكوانسِ
أولئك ما يدرينَ ما كامخ القُرىولا عصبٌ فيها رِئاتُ العَمارسِ
ولا السَمك البحريّ لم يطَّبِخْنهُطريّاً ولم يأكُلْنه وهو يابس
ومثله:
تقول له راهيَّةٌ ذات كِدْنةٍمنفَّخة الجَنْبينِ غبغبُها شبْرُ
تعالَ ودعْ نجداً وطيبَ ترابهإليَّ فلا نقْدٌ عليك ولا مهْرُ
فهذيَ خُدَّامٌ وكأسُ مدامةٍوهذيَ أنماطٌ ومنقوشة صفْرُ
فقلتُ لها منَّتْكِ نفسُكِ حاجةًكذوب اللّقاء دونَها جبلٌ وعْرُ
مثله لأعرابيّ أسديّ:
قالتْ له مزَّاحةٌ ذاتُ بُرقعٍوأخرى أدلَّتْ بالملاحةِ سافِرُ
أنحن فهاتِ الحق أحسنُ أوجُهاًودلاًّ أمِ اللاّتي لهنَّ الأباعرُ
فقلتُ نساءُ الحيِّ أحسنُ أوجُهاًوأطيبُ نشراً حينَ تفنى الذّرائرُ
طلّق بعض الأعراب امرأة كانت له فتزوّجها بعض بني عمّه وكان بينهما عداوة فقال زوجها الأول، وكان اسم الَّذي تزوّج بها فروة:
هنيئاً على ما بيننا من عداوةٍلفروةَ وادٍ حُلَّ بطحاؤُه سَهْلُ
شددتُ عليه الكور ثمَّ ركبتهُلفروة حتَّى ذلَّ واستوطنَ الرَّحْلُ
أعرابيّ:
أتَتْني سُليمٌ قضُّها وقضيضُهاتُمسِّحُ حولي بالبقيع سبالَها
يقولون لي احلفْ قلتُ لستُ بحالفٍأُخاتلُهم عنها لكيما أنالها
ففرَّجتُ همَّ النَّفس عنِّي بحلْفَةٍكما شقَّتِ الشَّقراءُ عنها جِلالها
وجدنا لهم في الأيمان أشياء كثيرة يطول بها الكتاب إلاَّ أنَّ هذا النَّوع الواحد منها قليل ونحن نذكر بعض ما قيل فيه دون غيره لنذكر غيره في مواضع أخر إن شاء الله فمن ذلك:
سألوني اليمينَ فارْتعتُ منهاليُغَرُّوا بذلك الارْتياعِ
ثمَّ أرسلْتُها كمنْحَدرِ السَّيلِ تدلَّى من المكان اليفاعِ
وفي اليمين لآخر:
وقالوا اليمينَ فمنْ لي بذاك يا ليتهم يطَّبونَ اليمينا
فأمنَحهم حلْفةً لذَّةًتنَجِّي المَدين وتُرْدي المُدينا
ولآخر:
إذا حلَّفوني بالإلهِ منحْتُهميميناً كسحق الأتْحَميّ الممزَّقِ
وإنْ حلَّفوني بالعَتاق فقد درىدُهَيمٌ غُلامي أنّه غيرُ مُعتقِ
وإنْ حلَّفوني بالطَّلاق ردَدْتُهاكأحسن ما كانتْ كأنْ لمْ تُطلَّقِ
ولآخر:
يمين كمثل مواسي المنىكشفتُ بها كربةَ الصَّاحبِ
عملتُ بها في نجاة المَدينوأعمَلُ في توبة التَّائبِ
أعرابيّ من الخوارج:
أرى المرءَ في الدُّنيا حديثاً لغيرهإذا هو أمسى لا يُجيبُ المناديا
فكُنْ كالذي تهوى حديثاً ولا تكُنْكمثل الَّذي يهواه فيك الأعاديا
وإن كنتَ تبعي عند ذي العرش حظوةًفلا تكُ إلاَّ مرهف السيف شاريا
أما قوله " أرى المرء في الدُّنيا " البيت، والبيت الَّذي يليه فمعنى قد تجاذبته العرب ونحن نذكر من ذلك شيئاً، فمنه:
الناسُ في الدُّنيا أحاديثُتبقى ولا تبقى المواريث
فرحمةُ الله على هالكٍطابَتْ له فيها الأحاديثُ
ومثله لعبد الصَّمد بن المعذَّل:
أعاذلتي أقْصِريأبِعْ جِدتي بالثَّمنْ
ذريني أُفِدْ بالثَّراءِ حمداً فنعم الثَّمنْ
أرى الناسَ أُحْدوثةًفكوني حديثاً حسَنْ
وقال آخر في مثله:
المرءُ بعد الموتِ أُحدوثةٌيفنى وتبقى منه آثارهُ
يطويه من أيّامه ما طوىلكنّه تُنشر أسرارهُ
فأحسنُ الحالات حالُ امرئٍتَطيبُ بعد الموتِ أخبارهُ
يفنى ويبقى ذكرُه بعدَهإذا خلَتْ من شخصه دارهُ
مثله لآخر:
نحّ عن نفسك القبيحَ وصُنْهاوتوَقَّ الدُّنيا ولا تأمَننْها
وسيبقى الحديثُ بعدك فانظرْأيّ أحدوثة تكونُ فكُنْها
مثله لآخر:
تدارَكْ غرسَ كفِّكَ يا ابنَ عمروفقد أضحى بجودِك مُستغيثا
وكُنْ أحدوثةً حسُنَتْ فإنّيرأيتُ النَّاس كلّهمُ حديثا
مثله:
سابقْ إلى الخيراتِ أهلَ العُلىفإنّما الدُّنيا أحاديثُ
كلُّ امرئٍ في شأنه كادحٌفوارثٌ منه وموروثُ
مثله ما أنشدنا ابن دريد لنفسه:
وإنَّما المرءُ حديثٌ بعدَهفكُنْ حديثاً حسناً لمنْ وعَى
ومثله للنّوبجتيّ وأنشدناه:
أرى الأحاديثَ تبقىلمُحسنٍ ومُسِيِّ
فكنْ حديثاً جميلاًتظفرْ بحظٍّ سَنيِّ
فلحس الأسود وكان شاعراً فضربه مولاه في بعض الأيام ضرباً مبرّحاً فقال:
لولا عُرَيقٌ فيَّ منْ حبشيَّةٍيردُّ إباقي بعدَ حوْلٍ مُجرَّمِ
وبعد السُّرى في كلّ طخْياءَ حِنْدسٍوبعدَ طُلوعي مَخْرِماً بعد مخرِمِ
علمتَ بأنّي خيرُ عبدٍ لنفسهِوأنَّكَ عندي مَغنمٌ أيُّ مغنمِ
أيُبْصرني فرداً ولو كان مُفرداًتبيَّنَ أنَّ اللَّيثَ غيرُ مُقلَّمِ
يريد أنَّه كان وجد مع مولاه جماعة وأنَّه لو كان مفرداً مثله لعلم أنّه لا يقدر على ضربه، " تبيّن أنَّ الليث غير مقلَّم " استعارة حسنة. ومثل قوله هذا لبعض الأعراب وكان حاسراً فوقع عليه ذو سيف وأخذ سلبه فقال المسلوب:
فلو كان في كفِّي الَّذي في يمينهلعادَ كما قد عُدتُ مُختلَس الرَّحْلِ
ولكنْ يراني حاسراً وبكفِّهكمثل شعاع الشَّمس يومضُ بالقتْلِ
ففاز بأثوابي وفُزتُ بحسْرةلها بين أثناء الحشا لوعةٌ تَغْلي
ومثله لآخر:
وما أوثقوا منّا الأكُفَّ شجاعةًولكنْ رأونا حاسرين فأقْدموا
يهزّون بيضاً لو غدتْ في أكُفِّنالظلَّتْ تشظَّى فيهم وتثلَّمُ
ومثله لآخر:
أقول لحسَّانٍ وقد قاد حائراًرُوَيدك إنَّ السَّيفَ قاد أسيرَكا
فلا تبتهج إنَّ السيوفَ هيَ الَّتيتُكشِّفُ بعد اليوم عنك أمورَكا
وقال فلحس الأسود يهجو مولاه ويصفه بالتعطيل:
أغرَّك منّي أنَّ مولايَ رائدسريعٌ إلى داعي الطَّعام ضروطُ
غلامٌ أتاه الذُّلُّ من نحو شِدْقهله نسب في الواغلين وسيطُ
له نحو دوْر الكأس إمّا دعَوْتهلسانٌ كدَوْر الزَّاعبيّ سليطُ
وإن تلقهُ في غارة الصُّبح تلْقَهخضيباً عليه بُرقعٌ وسُموطُ
أعرابيّ يرثي:
يروم جسيماتِ العلى فينالُهافتًى في جسيمات المكارمِ راغبُ
فإنْ تُمسِ وحشاً دارهُ فلرُبَّماتزاحمَ أفواجاً إليها المواكبُ
يحيُّونَ بسَّاماً كأنَّ جبينههلالٌ بدا وانْجاب عنه السَّحائبُ
وما غائبٌ من كان يُرجى إيابُهولكنَّه من غيَّبَ الموتُ غائبُ
الأصل في معنى البيت الأخير قول عبيد:
وكلُّ ذي غيبةٍ يؤوبُوغائبُ الموتِ لا يؤوبُ
ومثله لآخر:
فلمْ تنأَ دارٌ من مُرَجًّى إيابُهوتنأى بمنْ رُصَّتْ عليه الصفائحُ
ومثله:
على الدهرِ فاعْتُبْ إنَّه غير مُعتبٍوفي غيرِ من قد وارتِ الأرضُ فاطْمعِ
أعرابيّ وكانت له امرأة تُبغضه وتمنَّى موته وكانت تُشير عليه بالغزو ليُقتل ففطن لذلك وقال:
أتامرُني أُمامةُ بالمغازيوتذكرُ لي الَّذي غنم الجنودُ
رجاءً أنْ تُصادفَني المناياودون منيَّتي أمدٌ بعيدُ
أعرابيّ:
فلو أنَّ قومي قتَّلتْهم عِمارةٌمن السَّرواتِ والرّءوسِ الذَّوائبِ
صبَرْنا لما يأتي به الدَّهرُ عامداًولكنَّما أوتارُنا في مُحاربِ
قبيلِ لئامٍ إنْ ظهرْنا عليهموإنْ يغلبونا يوجَدوا شرَّ غالبِ
هذا من أفحش الهجاء، ومثله لآخر:
فلو أنّي بُليتُ بهاشميٍّخؤولته بنو عبد المدانِ
صبرْتُ على أذيَّتِه ولكنْتعالَيْ فانظُري بمنِ ابْتَلاني
ومثله لآخر:
فلو نطَحتْني ذاتُ قَرنٍ عذرتُهاولكنَّها جمَّاءُ ليس لها قَرْنُ
ومن أمثالهم في الوضيع يعلو على الرّفيع " فلو بذات سوار لُطِمتُ ".
أعرابي يخاطب امرأته ولامته في الخمر:
ليس الرَّزيَّة في بكرٍ شربتُ بهفي القوم يُخْلِفه كسبي وإتْياني
بلِ الرَّزيَّةُ أن تسعى مُشمِّرةًبحيثُ نعشي وقد أُلبستُ أكفاني
أمّا القداح فإنّي غيرُ تارِكهاوالمالُ بيني وبين الخمرِ نصفانِ
أعرابي:
زعمَتْ أُمامةُ أنَّني إمّا أمُتْيسدُدْ أُبَيْنوها الأصاغرُ خَلَّتي
تربتْ يداكِ وهل رأيتِ لقومهمثلي على يُسرى وحين تعِلَّتي
رجلاً إذا ما النَّائباتُ غَشينهأكْفى لمُعضِلةٍ وإنْ هي جلَّتِ
ولقد رأبْتُ ثأَى العشيرة بينهاوكفيتُ جانيها اللَّتيّا والَّتي
وصفحتُ عن ذي جهلها ومنحتُهانُصحي ولم تُصبِ العشيرةَ زلَّتي
وكفيتُ مولايَ الأجمَّ جريرتيوحبستُ سائمتي على ذي الخلَّةِ
قوله " الأجم " يعني الَّذي لا سلاح معه وهذا مليح ما يعرف مثله.
أعرابيّ:
لله درُّ بني رياحٍ في الملمّاتِ الكبارِ
لا غرو إنَّا معشرٌحامو الحقيقة والذِّمارِ
نحمي الحواصِنَ إنَّهاقيدُ الكريمِ عن الفرارِ
هذا معنى في نهاية الحسن لا نعرف له نظيراً.
أعرابيّ:
أزالَ عظمَ ذراعي عن مركّبهحمْلُ الرُّدينيِّ والإدلاجُ في السَّحَرِ
حولان ما اغتمضَتْ عيني بمنزلةٍإلاَّ وكفّي وسادٌ لي على حجرِ
أعرابيّ من بني أسد:
إذا هبّتْ جنوبُ المجد يوماًلمكْرمةٍ رفعتُ لها شراعي
تناءتْ همَّتي وصفا وداديوكلّ كريمةٍ تحوي طباعي
وتحمدُ جارتي في العُسْر بذليوإن أيسَرْتُ أغْناها اتِّساعي
ولم أفرَحْ بوفْر المال إلاَّإذا أفْنى كرائمَهُ اصْطِناعي
أما قوله " إذا هبّت جنوب المجد " البيت، فيدلُّ على أنَّ هذا الشاعر كان ملاّحاً لأنه ذكر الجنوب وذكر الشراع في الجنوب وهذا ممَّا يعرفه الملاّحون، وهذا البيت حذو بيت الشمَّاخ الَّذي يقول فيه:
إذا ما رايةٌ رُفعَتْ لمجدٍتلقَّاها عَرابةُ باليمينِ
كان ملاطم بن عوف بن بدر الفزاريّ مع عمَّيه حذيفة وحمل ابني بدر يوم الهباءة، فلمّا أوقع بهما قيس بن زهير العبسيّ ومن كان معه من قومه وقتلهما وفرَّ ملاطم عن عمَّيه وقُتلا ونجا فمرَّ بعد ذلك بنسوة كان يتحدّث إليهنّ فلمّا رأينه أعرضْنَ عنه وقلن له: فررت عن عمَّيك حتَّى قُتلا، فقال يعتذر من ذلك:
وبيضٍ من عَديٍّ كنَّ لهْواًإذا طال النَّهارُ على الرَّقيبِ
ذكرْنَ برؤيَتي حملَ بن بدْرٍوصاحبَه الألدَّ على الخطيبِ
فقلن إليك لا لهوٌ لديناإذا اشتمل المحبُّ على الحبيبِ
فلو كنتَ الأُسى أو كنتَ حُرّاًلمتَّ مع اللَّذَيْ يوم القليبِ
وقد آسيتُ حتَّى لا أسًى بيفضلَّتْ حيلةُ الرجُلِ الأريبِ
وكم من موطنٍ حسنٍ أُحيلَتْمحاسنُه فعُدَّ من الذُّنوبِ
أعرابيّ:
ونحن دفعنا الموتَ عند اقْترابهوقد برزتْ للثَّائرين المَقاتلُ
وجرَّدْتُ سيفي ثمَّ قمتُ بنصْلهوعن أيّ نفسٍ بعد نفسي أقاتلُ
أعرابيّ:
وما انصرفَتْ عنِّي أكارمُ شيمتيوما كلّفتْني النَّفسُ ما هو مُدبرُ
أكونُ لنفسي أحمدَ الناسِ إنْ أتتْبخير وألحاهُمْ لها حين تعثرُ
أعرابيّ:
أفَضْلَ بني الحارث الأكرمينَكفرْتَ فمن بعدهم تشكرُ
همُ أنقذوك بأرماحهموكنتَ من الخوف لا تُبصرُ
امرأة من بني عامر:
وحربٍ يضِجُّ القومُ من نفَيانهاضجيجَ الجِمال الجِلَّةِ الدَّبِراتِ
سيتركها قومٌ ويصْلى بحرِّهابنو نسوة للثّكل مصطبراتِ
آخر يصف سيفاً:
يكْفيك من قلع السَّماء مهنَّدٌفوق الذُّراعِ ودون بَوع البائعِ
صافي الحديدة قد أضرَّ بنصلهطولُ الدِّياس وبطنُ طيرٍ جائعِ
أُمِرَ المواطرُ والرِّياحُ بحَمْلهفحمَلْنَهُ لمضائرٍ ومنافعِ
حمْلَ الحَصانِ من النّساءِ جنينَهاحتَّى يتمَّ لسابعٍ أو تاسعِ
ذكرٌ برونقةِ الدِّماءُ كأنمايعلو الرّجالَ بأُرجُوانٍ ناصعِ
يمضي من الحَلق المضاعَف نسجهُومن الحُشاشةِ فوق نزع النّازعِ
وترى مضاربَ شفرتيه كأنّهامِلْحٌ تناثر من وراءِ الدّارعِ
أعرابيّ يصف نخلاً:
بنات الدَّهر لا يخشَيْن محْلاًإذا لم تبقَ سائمةٌ بَقينا
خرقْن الأرضَ عن أمواج بحرطلَبْن مَعينه حتَّى رَوينا
كأنّ رؤوسَهنّ بيوم ريحٍضرائرُ بالذّوائبِ ينْتَصينا
وقال أوس بن حجر:
ولا أعتبُ ابنَ العمّ إنْ كان ظالماًوأغفرُ منه الجهلَ إنْ كان أجْهلا
وإن قال لي ماذا ترى يَسْتشيرُنييجدْني ابنُ عمٍّ مِخْلطَ الأمرِ مِزْيَلا
أُقيمُ بدار الحزْمِ ما كان حزْمُهاوأحرِ إذا حالتْ بأن أتحوَّلا
وأستبْدِلُ الأمر القويَّ بغيرهِإذا عقْدُ مأفونِ الرّجال تحلَّلا
وإنِّي امرؤٌ أعددْتُ للحرب بعدمارأيتُ لها ناباً من الشَّرِّ أعْصَلا
أصمَّ رُدَينيّاً كأنَّ كعوبَهُنوى القسْبِ عرَّاصاً مُزجّاً مُنصَّلا
عليه كمصباح العزيزِ يشبُّهُلفِصْح ويحْشوهُ الذُّبالَ المفتَّلا
وأملسَ صوليّاً كنهْيِ قرارةِأحسَّ بقاعٍ نفْحَ ريحٍ فأجفلا
كأنَّ قُرونَ الشَّمسِ عند ارتفاعِهاوقد صادفَتْ طلعاً من النَّجمِ أعْزلا
تردَّدَ فيه ضوءها وشعاعُهافأحصِنْ وأزينْ لامرئٍ إن تسرْبَلا
وأبيضَ هنديّاً كأنَّ غِرارهُتلألؤُ برقٍ في حَبيٍّ تكلَّلا
إذا سُلَّ من غمدٍ تأكَّلَ أثْرهُعلى مثلِ مِصْحاةِ اللُّجينِ تأكُّلا
ومضْبوعةٍ من رأسِ فَرْعٍ شظيَّةٍبطودٍ تراه بالسَّحابِ مُجلَّلا
على ظهرِ صفوانٍ كأنَّ مُتونهعُللْنَ بدُهْنٍ يُزلقُ المُتنزِّلا
يُطيفُ بها راعٍ تجشَّمُ نفسهُليكلأ فيها طرفَه مُتأمِّلا
فلاقَ امرءاً من مَيْدعانَ وأسْمحتْقَرونتُه باليأس منها وعجَّلا
فقال له هل تذكُرَنَّ مُخبِّراًيدلُّ على غُنْمٍ ويقصر مُعْملا
على خيرِ ما أبْصَرتها من بِضاعةٍلمُلتمسٍ بيعاً لها وتبكُّلا
فُوَيقَ جُبيل شامخ الرَّأس لم يكنليبْلُغه حتَّى يكلَّ ويعْملا
فأبصرَ إلهاباً من الطَّودِ دونهايرى بين رأسي كلّ نيقَينِ مَهْبلا
فأشرط فيها نفسه وهو مُعصمٌوألقى بأسبابٍ له وتوكَّلا
وقد أكلتْ أظفارَهُ الصَّخرُ كلَّماتعيَّا عليه طولُ مرْقًى تسهَّلا
فما زال حتَّى نالها وهو مُشفقٌعلى موطنٍ لو زلَّ عنه تفصَّلا
فأقبلَ لا يرجو الَّتي صعِدتْ بهولا نفسه إلاَّ رجاءً مؤمَّلا
فلمَّا قضى ممَّا يريدُ قضاءهُوصلَّبها حرْصاً عليها فأطولا
أمرَّ عليها ذاتَ حدٍّ غُرابُهارفيقاً بأخذٍ بالمداوِسِ صيقَلا
على فخِذيْه من بُرايةِ عودِهاشبيهُ سفى البُهْمى إذا ما تفتَّلا
فجرَّدها صفراءَ لا الطُّولُ عابهاولا قِصرٌ أزْرى بها فتعطَّلا
إذا ما تعاطَوْها سمعتَ لصَوتهاإذا أنبضوا عنها يتيماً وأرْملا
وإن شُدَّ فيها النَّزْعُ أدبرَ سهمُهاإلى متْنها من عجْسها ثمَّ أقْبلا
وحشْوِ جفيرٍ من فروعٍ غرائبتنطَّع فيها صانعٌ فتنبَّلا
تخيِّرْنَ أنضاءً ورُكِّبْنَ أنْصُلاًكجمر الغضا في يوم ريح تزيَّلا
فلمَّا قضى منهنَّ في الصّنع نهْمَهفلم يبق إلاَّ أن يسنَّ ويصقلا
كساهنَّ من ريشٍ يمانٍ ظواهراًسُخاماً لُؤاماً ليِّنَ المسِّ أطْحلا
فذاك عَتادي في الحروب إذا لظتْوأرْدفَ بأسٌ من حروبٍ وأعْجلا
وذلك من جمعي وبالله نلْتُهوإن يلْقَني الأعداءُ لا ألقَ أعزلا
فإنّي وجدتُ النَّاس إلاَّ أقلَّهمخفافَ العهود يُسرعون التَّنقُّلا
بني أمِّ ذي المال الكثيرِ يرَونهُوإن كان عبداً سيِّدَ الأمرِ جَحْفلا
وهم لمقِلّ المالِ أولادُ عَلّةٍوإن كان محضاً في العشيرة مُخْولا
وليس أخوك الدّائمُ العهدِ بالذييذمُّك إن ولَّى ويُرضيكَ مُقْبلا
ولكنَّه النَّائي إذا كنتَ آمناًوصاحبُك الأدنى إذا الأمرُ أعْضلا
وهذه القصيدة من مشهورات قصائد الشعراء في الجاهليّة وفيها معانٍ حسانٌ مخترعة ومتّبعة ونحن نذكر مع كلّ معنى شيئاً من نظائره على ما وقع به الرّسم.
أما قوله " أقيم بدار الحزم ما دام حزمها " البيت، فقد ذكرنا قطعة من نظائره فيما قدمنا وبيت أوس هذا هو الأصل ونذكر من هذا المعنى شيئاً يسيراً مما لم نذكره هناك لأنَّ هذا المعنى متى ما استقصيَ كان كتاباً مفرداً، فمن ذلك قولُ الشاعر:
وإذا الدِّيارُ تنكّرتْ عن حالهافدعِ الدّيارَ وبادرِ التَّحْويلا
ليس المقامُ عليك فرضاً واجباًفي منزلٍ يدعُ العزيزَ ذليلا
ومثله لأبي دُلَف العجليّ:
ومُقام العزيز في بلد الذُّلْلِ إذا أمكن الرّحيلُ محالُ
ومثله لآخر:
إذا نبتْ بي بلادٌعجَّلْتُ منها ارتحالي
ولا أقيمُ بدارٍتذلُّ فيها المعالي
ومثله:
سأرحلُ عن دار الهَوان مُشمِّراًإلى حيثُ لا ذلاًّ أخاف ولا ظُلْما
فأما قول أوس في صفة الرُّمح:
أصمّ ردينيّاً كأنَّ كعوبهنوى القسب عرّاصاً مزجّاً منصَّلا
فقد جمع هذا البيت أكثر الأوصاف الَّتي توصف بها الرماح، وفي ذكره نوى القسب، دون غيره من النّوى قولان: أحدهما، أراد أنَّ نوى القسب ضامرٌ غير منتشر مثل غيره من سائر النوى، يريد بذلك دقّة الرمح وصلابته، والقول الآخر أن نوى القسب أصلب من سائر النَّوى وقد ذكرته الشعراء في غير موضعٍ من أشعارها، فمنها بيت أوس هذا الَّذي ذكرنا في صفة الرمح، ومثله لآخر:
ومطّردٍ لَدْنٍ وإن كان يابساًكيُبْسِ نوى القسبِ العُراقِ وأصْلُبِ
والعظام الَّتي في أرساغ الخيل تُنعت أيضاً بنوى القسب وهي النسور أيضاً، قال أبو دؤاد الإياديّ وهو الأصل:
وأرساغٍ أميناتِكملفوظ نوى القسْبِ
أخذه ابن دريد فقال:
إلى نسورٍ مثلِ ملفوظِ النَّوى
وإنّما ذكروا النَّوى الملفوظ لأن الشَّاء الَّتي تُعلف النّوى تلفظ نوى القسب دون غيره. والعلّة في ذلك أنّه لا يبتلُّ ويبتلُّ غيره من النّوى ولا يكون إلاَّ يابساً في جميع أحواله، وقد أخذت الشعراء من أوس معنى بيته هذا فقال بعضهم:
ومطَّردٍ لدنِ الكعوب تخالُهنوى القسب قد أرْبى ذراعاً على العَشْرِ
وهذا الَّذي ذكره الشاعر من طول الرمح هو الَّذي يحمد، ومنه أخذ البحتريّ:
كالرُّمْح أذرعُه عشرٌ وواحدةٌفليس يُزري به طولٌ ولا قصَرُ
وقال أوس يصف السنان " عليه كمصباح العزيز يشبّه " البيت، أراد أنّ السنان شديد الإيتلاق وهو مثل مشعل الجليل العظيم الشأن من بطارقة الرّوم ولا سيّما إذا ألهبه في ليلة فصحه، وإذا كان في مثل هذه الليلة كان أنور له وأكثر لضوئه. ووصف بعد هذا الدّرع والسَّيف صفةً جيدة، ولولا أن الصفات الَّتي أتى بها في هذين النَّوعين كثيرة في أيدي النَّاس - وقد ذكرنا منها قبل هذا الموضع شيئاً - لأتينا بما يعنّ ويسنح. ولا بد من ذكر بعضها فيما يستأنف من الكتاب إن شاء الله وأما ذكره القوس ووصفه لها وحمل الَّذي قطعها نفسه على التسلّق في الجبال الوعرة والهضاب العالية حتَّى ظفر بها بعد طول الجهد ومعاناة الكدّ ثمَّ نقله إيّاه من حالٍ إلى حالٍ حتَّى بلغت نهاية ما أراد فهي صفةٌ ما نعرف لها نظيراً فنأتي به. ولقد أجاد في كل ذلك وأتى لم يتعاطه بعده أحدٌ من الشعراء في هذا المعنى من ذكر القوس خاصة، ولو أن صفته هذه وما حمّل نفسه من المكروه وعاناه من المشقّة في طلب جوهرة نفيسة أو درّة خطيرة لكان قد استغرق في ذلك مجهوده وبلغ نهاية حيلته. وله في وصف القوس وقت عملها بيتٌ أجاد التشبيه فيه وفات جميع الشعراء في جودة معناه وصحّته وهو قوله في صفة الَّذي ينحتها:
على فخذَيه من براية عودهاشبيهُ سفى البُهْمى إذا ما تفتَّلا
ومن تأمل سفى البهمى في آخر الرَّبيع وأول الصّيف وهو وقت تفتُّله رآه أشبه الأشياء بما ذكره أوس في بيته هذا.
فأما قوله " إذا ما تعاطوها سمعت لصوتها " البيت، فهو الأصل في المعنى وعليه عوّل من أخذه، وأوّل من أخذه الشمّاخ بقوله:
إذا أنبضَ الرَّامون عنها ترنَّمتْترنُّمَ ثكلى أوجعَتْها الجنائزُ
وأخذه الشنفرى فقال:
إذا زلَّ عنها السهمُ حنَّتْ كأنَّهامولَّهةٌ ثكْلى ترِنُّ وتُعوِلُ
وذكر بعض الشعراء أنَّ حنين القوس عند خروج السهم عنها حزناً واغتماماً به وقال:
باكية إنْ زلَّ سهمٌ عنهاخوفاً عليه أن يضيعَ منها
وقال آخر:
إذا تعاطاها الشديد السَّاعدحنَّتْ إلى السَّهمِ حنينَ الوالدِ
وقال آخر:
وصفراء طيِّعة الجانبَيْنِعلى أنَّ فيها جميع الشَّغبْ
تحنُّ حنيناً إلى سهمهاحنينَ المحبِّ إلى من أحَبْ
وذكر غير هؤلاء أن صوتها عند خروج السَّهم عنها عيبٌ وبيَّن ذلك بعضهم فقال:
بكرْنا عليهم نعتصي كلَّ مرهفٍوكلَّ ردينيٍّ إذا هُزَّ أوعدا
وكلَّ كتوم السِّرِّ تُصمي رميَّهاولم تدْرِ من أيّ الجوانب أقصدا
وقال آخر:
كاتمة السِّرِّ إذا شرٌّ ظهَرْإذا تولَّى السَّهمُ عنها وانْشمرْ
لم تذعُرِ الظَّبْيَ بترنيم الوتَرْ
وأتى ابن الروميّ في هذا المعنى بشيء خالف جميع الشعراء فيه وذكر أنَّ صوتها زجرٌ لسهامها والبندق الخارجَين عنها لئلاّ يطيش السهم فيقع في غير المطلوب أو تضيع البندقة بوقوعها في غير الَّذي طُلب بها وهو قوله:
لها عولةٌ أولى على من تُصيبهُوأجدَرُ بالإعوالِ من كان موجعا
وما ذاك إلاَّ زجرُها لبناتهامخافة أن يذهبْنَ في الجوّ ضُيَّعا
فابن الروميّ وإن كان قد احتجَّ لصوتها وأنَّه زجر للبندق والسَّهم الخارجَين عنها فقد ألزمها الصوت وإن كان قد أبان الحجّة فيه والشاعران اللَّذان ذكرنا شعرهما قبل ابن الرّوميّ ذكرا أنَّها لا تُبدي صوتاً لا لبناتها ولا لغير بناتها واحتجّا في ذلك حجّةً قاطعة لا يمكن دفعها، فأمّا الَّذي أجاد في المعنى الأول الَّذي قدَّمناه لأوسٍ وأتى بما لا يجوز لأحدٍ أن يلحقه ولا يقع قريباً منه فابن الرّوميّ بقوله ووصف امرأةً:
تُشكي المحبَّ وتُلقى الدَّهر شاكيةًكالقوس تُصمي الرَّمايا وهيَ مرنانُ
فصار ابن الروميّ أحقّ بهذا المعنى من كلّ من أتى به قديماً وحديثاً لما أورد فيه من الزيادة وأبان من الحجّة وجعله تشبيهاً.
فأما قول أوس:
وإنْ شدَّ فيها النزع أدبر سهمُهاإلى متْنِها من عجسها ثمَّ أقبلا
فإليه نظر ابن المعتزّ بقوله:
كما أغمدتْ أيدي الصَّياقل منصلا
أتيحَ له لهفانُ يخطمُ قوسهبأصفر حنّان القَرا غير أعزلا
فأودعَهُ سهماً كمِدْرى مواشطبعثْن به في مفرقٍ فتعللا
بطيء إذا أسرعتَ إطلاقَ فوقهِولكنْ إذا أبطأتَ في النَّزعِ عجَّلا
ومعنى ابن المعتزّ هذا زائد على معنى أوس وأملح كلاماً. وقد استقصينا الكلام على هذا البيت في كتابنا المعروف باختيار شعر ابن المعتزّ والتّنبيه على معانيه، وقد نظر إلى هذا المعنى ابن الرّوميّ أيضاً فقال:
تودَّدتُ حتَّى لم أجدْ متودَّداوأملَلْتُ قرطاسي عتاباً مردَّدا
كأنّيَ أستدْني بك ابن حنيَّةٍإذا النَّزْعُ أدناه إلى الصَّدرِ أبْعدا
لمّا قال النَّابغة الذُّبيانيّ:
هلاّ سألتِ بني ذبيان ما حسَبيإذا الدُّخانُ تغشَّى الأشمطَ البرَما
وهبَّتِ الرِّيحُ من تلقاء ذي أُرُلٍتُزجي مع اللَّيل من صُرّادها صِرَما
شهب الظِّلال أنَيْنَ البينَ عن عرُضٍيُزجين غيثاً قليلاً ماؤهُ شبِما
أنِّي أُتمِّمُ أيساري وأرفدهممثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأُدُما
عارضه قيس بن الخطيم في المعنى فقال:
هلاَّ سألتِ بني النّجار ما حسَبيعند الشّتاء إذا ما هبَّتِ الرّيحُ
إذا اللّقاحُ غدتْ ملقًى أصرّتُهاولا كريمٌ من الولدان مصبوحُ
إنِّي أتمِّم أيساري بذي أودفردٍ إذا حارد الشمُّ المساميحُ
سهمانِ سهمُ عيال الحيّ إن سغبواوالسهم سيبٌ إلى الجيران ممنوحُ
غلَّبه النَّاس على النابغة لأنه ذكر أنّه يُطعم الجيران ولم يذكر النابغة ذلك. عبد يغوث بن سنان القينيّ:
بغيتم علينا مرّةً بعد أُختهاونحن نُراعيكم صباحَ مساءِ
ألِكني إلى عُليا مراد رسالةًمبيّنةً كالشّمس رأدَ ضحاءِ
وكنتم طباق الرَّمْل عزّاً وثروةًوشدّةَ بأس وارتفاعَ بناءِ
فما زال البغيُ حتَّى غدوتمُأهلَّةَ صيفٍ لا نجومَ شتاءِ
أما هذا البيت الأخير فقد أخذه البحتري فقال:
من بعدما كانوا كواكب طيّئٍعُلْواً غدَوا وهم أهلَّةُ بحتُر
بيت البحتريّ هذا عذب اللّفظ مليح إلاَّ أنَّه بيت القينيّ بعينه، وبيت القينيّ أجود منه وفيه زيادة على بيت البحتريّ كثيرة، وذاك أنَّه ذكر في بيته الشتاء والصيف وهما معنيان مختلفان وقد بيَّنّا عن تجويدهما وما أراد الشاعر بذكرهما وأمّا البحتريّ فقال كنتم نجوماً فأصبحتم أهلّة، فمن ههنا نقص بيته عن الأول وذلك أنَّ الأول خاطب قوماً فقال: كنتم كثيراً مثل نجوم الشتاء فما زال بكم البغي حتَّى فنيتُم فصرتم مثل أهلّة الصيف وهيَ دون أهلّة الشتاء لخفائها ودقّتها وإنَّها لا تكاد تبين من كثرة الغبار الَّذي يرتفع من الأرض فيكدر له الجو ويصير بينه وبين الأرض مثل السِّتر فتخفى الأهلَّة إذا طلعت وخصَّ نجوم الشتاء دون نجوم الصيف بالذكر لأن نجوم الشتاء أصفى نوراً وأشدُّ التماعاً وأحسن ائتلافاً لقلَّة الغبار الَّذي يثور من الأرض فهي بيّنة مصقولة وليست في الصيف كذلك، فيقول: كنتم نجوم الشتاء كثرة وحُسناً فلمَّا بغيتم فصرتم مثل أهلَّة الصيف خفاءً وضؤولة، وإلى هذا المعنى أشار البحتري وإياه أراد.
أعرابيّ:
بلَوناها فلا كُشف لِئامٌولا عنَّا بأنفسهمْ شِحاحُ
كِرام عند كأسهمُ إذا ماأدارُوها وعند شبا الرِّماحِ
أنشدنا ابن دريد هذين البيتين فسألناه عن اختلاف قافيتهما فقال: كانت العرب لا ترى الإقواء في البيتين عيباً.
وقال عبد الله بن عبيد الله بن عمرو بن مالك الخثعميّ المعروف بابن الدُّمَينة وكان من أغزل العرب شعراً وأملحهم نسيباً:
قفِي يا أُميمَ القلبِ تَقضىِ لُبانةًونشكُ الهوَى ثمَّ افعلِي ما بدَا لكِ
يقول فيها:
عدمتكِ من نفسٍ فأنتِ سقَيتِنيكؤوس الهوَى من حبِّ مَن لم يبالكِ
هوِيتُ ولم تهوَى فأنتِ سقيمةٌولا ذنب لي أنتِ ابتليتِ بذلكِ
فما لكِ من صبرٍ وما لكِ من نُهًىولا من عزاءٍ فاهلِكِي في الهوالكِ
ليهنكِ إمساكي بكفِّي على الحشَاورقراقُ دمعي خشيةً من زِيالكِ
فلو قلتِ طأْ في النَّارِ أعلمُ أنَّههوًى منكِ أو مُدْنٍ لنا من نوالكِ
لقدَّمتُ رِجلي نحوَها فوطئتُهاهُدًى منكِ لي أو ضلَّةً من ضلالكِ
تعاللْتِ كي أشجَى وما بكِ علَّةٌتُريدين قتلِي قد ظفرتِ بذلكِ
لئنْ ساءَني ذكراكِ لي بمساءةٍلقد سرَّني أنِّي خطرتُ ببالكِ
أبِيني أفي يُمنَى يديكِ جعلتِنيفأفرحَ أمْ صيَّرتني في شمالكِ
أحبُّ الصَّبا إن كنتِ من قِبَل الصّباونجماً أراه طالعاً من حِيالكِ
وركْبٍ شِداد الوخْد بالنَّوم مُيَّلٍعمائمُهم نبَّهتهم من جلالكِ
وبي لَمَمٍ ممَّا بهم غيرَ أنَّنيمُحبٌّ وحاجاتُ المحبِّ كذلكِ
واخترنا له من أُخرى:
إلى الله أشكو ثمَّ إليكماوهل تنفعُ الشَّكوَى إلى من يزيدُها
حَزازاتِ حزنٍ في فؤادي وعَبرةأظلُّ بأطراف البنان أذودُها
يحنُّ فؤادي من مخافة بَيْنِكمحنينَ المزجَّى وجهةً لا يريدُها
ولن يلبثَ الواشون أنْ يصدعوا العصَاإذا لم يكنْ صُلباً على البرْيِ عودُها
أما قوله: " إلى الله أشو " البيت، فقد أخذه بعضهم فقال:
وإنِّي لأشكو ما أُلاقي من الهوَىإلى مَن يزيدُ القلبَ سقماً إلى سقمِ
وأما قوله: " حزازات حزن " البيت، مثل قول عمارة بن عقيل:
وقد كانَ فيضُ الدَّمع يُبدي سريرتيولكنَّني كفكفتُهُ بالأصابعِ
عشيَّةَ لولا الكاشحون لأُظهرتْودائعُ شوقٍ بانْسكاب المدامعِ
قال ابن الدُّمَيْنة:
إلى الله أشكو ثمَّ أَنثني فأشتكيغريماً لواني الدَّينَ منذُ زمانِ
لطيف الحشَا عَبل الشَّوى طيّبَ اللَّماله عللٌ ما تنقضي وأمانِي
فلستُ بمستعدٍ عليه بغيرهولا تاركاً دَيني بغير ضَمانِ
واخترنا له من أُخرى يقول فيها:
أُميمُ أمنكِ الدَّارُ غيَّرها البِلَىوهَيفٌ بجولان التُّراب لَعوبُ
أُميمُ بقلبي من هواكِ صبابةٌوأنتِ لها لو تعلمينَ طبيبُ
لعَمري لئن أوليتِني منكِ جفوةًعلى العلم أنِّي من هواكِ كئيبُ
لبئس إذاً عونُ الصَّديق أعَنْتِنيعلى نائباتٍ يا أُميمُ تنوبُ
فكوني على الواشين لدّاءَ شغبةًكما أنا للواشي ألدُّ شغوبُ
وإنِّي لأستحييكِ حتَّى كأنَّماعليَّ بظهر الغيب منكِ رقيبُ
فلو أنَّ ما بِي بالحصَى فلَقَ الحصَىوبالرِّيح لم يُسمع لهنَّ هبوبُ
ولو أنَّني أستغفرُ اللهَ كلَّماذكرتكِ لم تُكتبْ عليَّ ذنوبُ
تضنِّينَ حتَّى يذهب البخلُ بالمُنَىوحتَّى تكاد النَّفسُ عنكِ تطيبُ
أحقّاً عباد الله أنْ لستُ وارداًولا صادراً إلاَّ عليَّ حسيبُ
ولا زائراً فرداً ولا في جماعةٍمن النَّاسِ إلاَّ قيل أنتَ مُريبُ
وهل ريبةٌ في أن تحِنَّ نجيبةٌإلى إلفِها أو أنْ يُجيبَ نجيبُ
أُحبُّ هبوطَ الواديَين وإنَّنيلمستهترٌ بالواديَين غريبُ
ألا لا أرَى وادي المياه يثيبُنيولا النَّفسَ عن وادي المياه تطيبُ
بنفسي وأهلي من إذا عرّضوا لهببعضِ الأذَى لم يدرِ كيف يُجيبُ
ولمَّا رأيتُ الصَّبرَ أبقَى مودَّةًوطارتْ بأضغانٍ إليَّ قلوبُ
صددتُ اجْتناباً لا ملالاً ولا قلًىأُميمةُ مهجوراً إليَّ حبيبُ
ونُبِّئتُها قالتْ ومن دون أرضِهاتهاويلُ غبرٌ ما بهنَّ عَريبُ
عذيرَكَ مِن هذا الَّذي هو لم يعُجْفيُخبرَنا عنه ونحن قريبُ
فقلتُ لها يا وَيكِ هلاَّ عذرْتِنيلدَيها فقد حلَّتْ عليَّ ذنوبُ
وقلت لها يا أملحَ النَّاسِ راكبٌبه شَعَثٌ بادٍ يُرَى وشُحوبُ
جفاه الغواني منذ حينٍ وشفَّهُسهومٌ لألوان الكرام سلوبُ
يَقَرُّ بعينِي أن أرَى ضوءَ كمزنةٍيمانيَّةٍ أو أنْ تهبَّ جنوبُ
أما والَّذي يبلي السّرائر كلّهافيعلَمُ ما يبدو له ويغيبُ
لقد كنتِ ممَّا يصطَفِي النَّاسُ خُلَّةًلها دونَ خُلاَّن الصَّفاء نصيبُ
ولا خيرَ في الدُّنيا إذا أنتَ لمْ تزرْحبيباً ولم يطربْ إليكَ حبيبُ
ألا يا أُميمَ القلبِ دام لكِ الهوَىأما ساعةٌ إلاَّ عليكِ رقيبُ
صغيرٌ بصيرٌ أو كبيرٌ مجرّبٌبتصريف أقوال الكلام لبيبُ
أُميمَ لقد عذَّبتِني وأرَيْتِنيبدائعَ أخلاقٍ لهنَّ ضروبُ
صدوداً وإعراضاً كأنِّيَ مُذنبٌوما كانَ بي إلاَّ هواكِ ذنوبُ
وما ماءُ مُزنٍ في هضابٍ يحفُّهامناكبُ مِن شُمّ الذُّرَى ولُهوبُ
بأطيبَ مِن فِيها اغْتباقاً وإنَّنيبشَيمٍ إذا أبصرتهُ لمُصيبُ
أمَّا هذا البيت الأخير فقد أكثرت الشعراء فيه وما جوَّد ابن الدُّمَيْنة أخذه ونحن نذكر أوَّل من أتى به وبعض من جوّد وأحسن في تناوله فأوَّل من أتى به النابغة في قوله:
زعمَ الهُمامُ بأنَّ فاها طيِّبٌعذبٌ إذا قبَّلتَه قلتَ ازْدَدِ
زعمَ الهُمامُ ولم أذُقهُ بأنَّهيُشفَى ببردِ لِثاتهِ العطِشُ الصَّدِي
وأخذه المجنون فقال:
وتجلو بمسواك الأراك مُفلّجاًله أُشُرٌ عذبٌ متى ذاقَ ذائقُ
وما ذقتهُ إلاَّ بعينِي تفرّساًكما شِيمَ في أعلَى السَّحابةِ بارقُ
مثله:
وتجلو بمسواك الأراكِ مُفلّجاًحليقَ الثَّنايا بالعذوبة والبردِ
أخذه بشَّار فقال:
يا أطيبَ النَّاسِ ريقاً غيرَ مُختبرٍإلاَّ شهادةَ أطرافِ المساويكِ
وقد نظر إليه البحتري فقال:
وتعجَّبتْ من لَوعتي فتبسَّمتْعن طيّباتٍ لو لُثمنَ عذابِ
وشبيه به قول ابن المعتزّ:
فلمَّا انتهَى قولُ السَّلام وردُّهلفظنَ حديثاً عطَّرتهُ الملافظُ
هذا البيت ليس هو المعنى نفسه وهو تجوُّزٌ فيه، ومثله لأبي تمَّام:
تُعطيك منطقَها فتعلَمُ أنَّهلجنَى عُذوبته يمرُّ بثَغرِها
وأما من جوّده وأحكمه واحتجَّ فيه بحجّة لا تُدفع فأبو تمَّام بقوله:
بأبي فمٌ شهدَ الضَّميرُ لهقبلَ المذاقة أنَّه عذبُ
كشهادةٍ لله خالصةٍقبلَ العيان بأنَّه ربُّ
وقال الراجز:
وبارِد عذْب المذاق أشنبما ذقتُهُ وليس ظنِّي يكذبْ
مثله لبشَّار:
تجلو بمسواكها عن باردٍ رتِلٍكذاكَ خبَّرني مسواكُها الأرِجُ
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع