تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب البناء والمنازل

الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشّعبيّ قال: قال السائب بن الأقرع لرجل من العجم: أخبرني عن مكان من القرية لا يخرب حتى أستقطع ذلك الموضع، فقال له: ما بين الماء إلى دار الإمارة، فاختطّ لثقيف ذلك الموضع، قال الهيثم بن عديّ: فبتّ عندهم فإذا ليلهم بمنزلة النهار.

وقال قائل في الدار: ليكن أوّل ما تبتاع وآخر ما تبيع.

وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر حين اختط داره ليبنيها: هي قميصك فإن شئت فوسّعه، وإن شئت فضيّقه. وأتاه وهو يبني داره التي ببغداد بقرب الدور، وإذا هم يبيضون حيطانها فقال: إعلم أنك تغطّي الذهب بالفضة، فقال جعفر: ليس في كلّ مكان يكون الذهب أنفع من الفضة، ولكن هل ترى عيبا؟ قال: نعم، مخالطتها دور السّوقة.

دخل ابن التوءم على بعض البصريين وهو يبني دارا كثيرة الذرع،

واسعة الصحن، رفيعة السّمك، عظيمة الأبواب، فقال: إعلم أنك قد ألزمت نفسك مؤنة لا تطاق، وعيالا لا يحتمل مثلهم، ولا بد لك من الخدم والسّتور والفرش على حسب ما ابتليت به نفسك، وإن لم تفعل هجّنت رأيك.

وقرأت في كتاب الآيين أنه كان يستقبل بفراش الملك ومجلسه المشرق، أو يستقبل بهما مهبّ الصّبا، وذلك أن ناحية المشرق وناحية الصّبا يوصفان بالعلوّ والارتفاع، وناحية الدّبور وناحية المغرب يوصفان بالفضيلة والانخفاض، وكان يستقبل بصدور إيوانات الملك المشرق أو مهبّ الدبور، ويستقبل بصدور الخلاء وما فيه من المقاعد مهبّ الصّبا، لأنه يقال: إنّ استقبال الصبّا في موضع الخلاء آمن من سحر السّحرة ومن ريح الجنّة.

وكان عمر يقول: على كلّ خائن أمينان: الماء والطين. ومرّ ببناء يبنى بآجرّ وجصّ فقال: لمن هذا؟ قالوا: لفلان، فقال: تأبى الدراهم إلا أن تخرج أعناقها، وشاطره ماله.

أبو الحسن قال: لما بلغ عمر أنّ سعدا وأصحابه قد بنوا بالمدر قال:

قد كنت أكره لكم البنيان بالمدر، فأمّا إذ قد فعلتم فعرّضوا الحيطان، وأطيلوا السّمك، وقاربوا بين الخشب. وقيل ليزيد بن المهلب: لم لا تبني بالبصرة دارا؟ فقال: لأني لا أدخلها إلا أميرا أو أسيرا، فإن كنت أسيرا فالسجن داري، وإن كنت أميرا فدار الإمارة داري. وقال: الصواب أن تتّخذ الدّور بين الماء والسّوق، وأن تكون الدور شرقية والبساتين غربية.

قال بعض الشعراء:

بنو عمير مجدهم دارهموكلّ قوم لهمو مجد

وقال آخر لأبي محمد اليزيدي:

قومي خيار غير ما أنّهمصولتهم منهم على جارهم
ليس لهم مجد سوى مسجدبه تعدّوا فوق أطوارهم
لو هدم المسجد لم يعرفوايوما ولم يسمع بأخبارهم
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «يا أيها السَائلُ عن قومِنا»

وقال رجل من خزاعة:

فخر المسيّب بالمنارهومناره برحا عماره
فإذا تفاخرت القبائل من تميم أو فزاره
حفلت عليك شيوخ ضببة بالمسيّب والمناره

مرّ رجل من الخوارج بدار تبنى فقال: من هذا الذي يقيم كفيلا؟.

وقالوا: كلّ مال لا يخرج بخروجك ولا يرجع برجوعك ولا ينتقل في الوجوه بانتقالك فهو كفيل.

وقالت الحكماء من الروم: أصلح مواضع البنيان أن يكون على تلّ أو كبس وثيق ليكون مطلّا، وأحقّ ما جعلت إليه أبواب المنازل وأفنيتها وكواؤها المشرق واستقبال الصّبا، فإن ذلك أصلح للأبدان لسرعة طلوع الشمس وضوئها عليهم.

ومن حسن التشبيه في البناء قول عليّ بن الجهم:

صحون تسافر فيها العيونوتحسر عن بعد أقطارها
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
وقبّة ملك كأن النجوم تصغي إليها بأسرارها
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
وفوّارة ثأرها في السماءفليست تقصّر عن ثارها
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
إذا أوقدت نارها بالعراقأضاء الحجاز سنا نارها
تردّ على المزن ما أنزلتعلى الأرض من صوب أقطارها
لها شرفات كأن الربيعكساها الرياض بأنوارها
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
فهنّ كمصطحبات خرجنلفصح النصارى وإفطارها
فمن بين عاقصة شعرهاومصلحة عقد زنّارها

وقال الوليد بن كعب:

بكت دار بشر شجوها أن تبدّلتهلال بن عياد ببشر بن غالب
وما هي إلا مثل عرس تنقّلتعلى رغمها من هاشم في محارب

وقال آخر:

ألم تر حوشبا أمسى يبنّيقصورا نفعها لبني بقيله
يؤمّل أن يعمّر عمر نوحوأمر الله يحدث كلّ ليله
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة

كان ملك بن أسماء يهوى جارية من بني أسد وكانت تنزل خصّا وكانت دار مالك مبنية بآجرّ فقال:

يا ليت لي خصّا يجاورهابدلا بداري في بني أسد
الخصّ فيه تقرّ أعينناخير من الآجرّ والكمد
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

حدّثنا محمد بن خالد بن خداش عن أبيه قال: حدّثنا إسحاق بن

الفرات قاضي مصر عن الأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود لابنه: يا بنيّ، إنّ من ضيق العيش شراء الخبز من السوق، والنقلة من منزل إلى منزل.

بلغني أن رجلا من الزّهاد مرّ في زورق، فلما نظر إلى بناء المأمون وأبوابه صاح: واعمراه! فسمعه المأمون فدعا به فقال: ما قلت؟ قال: رأيت بناء الأكاسرة فقلت ما سمعت، قال المأمون: أرأيت لو تحوّلت من هذه المدينة إلى إيوان كسرى بالمدائن هل كان لك أن تعيب نزولي هناك؟ قال:

لا، قال: فأراك إنما عبت إسرافي في النفقة، قال: نعم، قال: فلو وهبت قيمة هذا البناء لرجل أكنّت تعيب ذلك؟ قال: لا، قال: فلو بنى هذا الرجل بما كنت أهب له بناء أكنت تصيح به كما صحت بي؟ قال: لا، قال: فأراك إنما قصدتني لخاصّتي في نفسي لا لعلة هي في غيري، ثم قال له: هذا البناء ضرب من مكايدنا نبنيه ونتّخذ الجيوش ونعدّ السلاح والكراع وما بنا إلى أكثره حاجة، فلا تعودنّ إليّ فتمسّك عقوبتي، فإن الحفيظة ربما صرفت ذا الرأي إلى هواه، فاستعمله.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.