تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب الغيبة والعيوب

قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا عبد الأعلى عن داود بن عطاء عن ابن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أنّ رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بشراركم قالوا: بلى، قال: من شراركم المشّاؤون بالنّميمة المفسدون بين الأحبّة الباغون البرآء العنت».

قال: وحدّثني حسين بن الحسن المروزيّ قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا الأجلح عن الشّعبيّ قال: سمعت النعمان بن بشير يقول على المنبر: يا أيّها الناس خذوا على أيدي سفهائكم، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ قوما ركبوا البحر في سفينة، واقتسموها فأصاب كلّ واحد منهم مكان، فأخذ رجل منهم الفأس فنقر مكانه، فقالوا: ما تصنع؟ فقال: مكاني أصنع به ما شئت، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه غرقوا وغرق».

بلغني عن حمّاد بن زيد عن ابن عون قال: قال أبو الدرداء؛ ليس من يوم أصبح فيه لا يرميني الناس بداهية إلا كان نعمة من الله عليّ. وقال حسان: قلت شعرا لم أقل مثله

وإنّ امرءا أمسى وأصبح سالمامن الناس إلا ما جنى لسعيد

وبلغني عن ابن عيينة قال: قال مسعر: ما نصحت أحدا قطّ إلّا وجدته يفتّش عن عيوبي. وقال بعضهم: من عاب سفلة فقد رفعه، ومن عاب شريفا فقد وضع نفسه. وقال عمر بن الخطاب: أحبّ الناس إليّ من أهدى إليّ عيوبي.

أحمد بن يونس عن الفضيل أنه سمعه يقول: إن الفاحشة لتشيع في الذين آمنوا حتى إذا صارت إلى الصالحين صاروا لها خزّانا. قال وسمعته يقول أيضا: حسناتك من عدوّك أكثر منها من صديقك، لأن عدوّك إذا ذكرت عنده يغتابك وإنما يدفع إليك المسكين حسناته.

محمد بن عبد الله الأنصاريّ قال: حدّثنا ابن عون قال: مرّ ابن سيرين بقوم فقام إليه رجل فقال: يا أبا بكر، إنا قد نلنا منك فحلّلنا، فقال: إني لا أحلّ لك ما حرّم الله عليك، فأما ما كان إليّ فهو لك.

محمد بن مسلم الطائفيّ قال: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: بلغني أنك نلت منّي، فقال: نفسي أعزّ عليّ من ذلك.

الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ عن بلال بن سعد قال: أخ لك كلّما لقيك أخبرك بعيب فيك خير لك من أخ لك كلّما لقيك وضع في كفّك دينارا.

شريك عن عقيل قال: قال الحسن: لا غيبة إلا لثلاثة: فاسق مجاهر بالفسق، وذي بدعة، وإمام جائر. وكان يقال: من اغتاب خرق ومن استغفر الله رفأ وفي بعض الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «إذا عاب أحدكم أخاه

فليستغفر الله». كان يقال: إياك وما يصمّ الأذن. العتبيّ قال: قال الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: كنت أساير أبي ورجل يقع في رجل، فالتفت إليّ أبي فقال: يا بنيّ نزّه سمعك عن استماع الخنى كما تنزّه لسانك عن الكلام به، فإن المستمع شريك القائل، ولقد نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك، ولو ردّت كلمة جاهل في فيه لسعد رادّها كما شقي قائلها.

فضيل بن عياض قال: حدّثنا عبد الله بن رجاء عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب قال: إذا أراد الله بعبد خيرا زهّده في الدنيا وفقّهه في الدّين وبصّره عيوبه. قال فضيل: وربما قال الرجل: لا إله إلا الله؛ أو سبحان الله فأخشى عليه النار، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يغتاب بين يديه ويعجبه ذلك فيقول: لا إله إلا الله، وليس هذا موضعه، إنّما موضع هذا أن ينصح له في نفسه ويقول له: اتّق الله.

في الحديث المرفوع أنّ امرأتين صامتا على عهد النبيّ ﵇ وجعلتا تغتابان الناس، فأخبر النبيّ ﷺ بذلك فقال: «صامتا عمّا أحلّ لهما وأفطرتا على ما حرّم الله عليهما»، وقال حمّاد بن سلمة: ما كنت تقوله للرجل وهو حاضر فقلته من خلفه فليس بغيبة.

عاب رجل رجلا عند بعض الأشراف فقال له: قد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيب الناس، لأنّ الطالب للعيوب إنّما يطلبها بقدر ما فيه منها. قال بعض الشعراء.

وأجرأ من رأيت بظهر غيبعلى عيب الرجال ذوو العيوب

وأنشد ابن الأعرابيّ

اسكت ولا تنطق فأنت خيّابكلّك ذو عيب وأنت عيّاب

وأنشدني أيضا

ربّ غريب ناصح الجيبوابن أب متّهم الغيب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
وكلّ عيّاب له منظرمشتمل الثّوب على العيب

وكان عتبة بن عبد الرحمن يغتاب الناس ولا يصبر، ثم ترك ذلك، فقيل له: أتركتها؟ قال: نعم، على أنّي والله أحبّ أن أسمعها.

أتى رجل عمرو بن مرثد فسأله أن يكّلم له أمير المؤمنين، فوعده أن يفعل، فلما قام قال بعض من حضر: إنه ليس مستحقا لما وعدته، فقال عمرو: إن كنت صدقت في وصفك إياه فقد كذبت في ادّعائك مودّتنا؛ لأنه إن كان مستحقّا كانت اليد موضعها، وإن لم يكن مستحقا فما زدت على أن أعلمتنا أنّ لنا بمغيبنا عنك مثل الذي حضرت به من غاب من إخواننا.

وفي الحديث: «إنّ الغيبة أشدّ من الزنا. قيل: كيف ذلك؟ قال: لأنّ الرجل يزني فيتوب، فيتوب الله عليه، وصاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبها».

قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنّي اغتبت رجلا وأريد أن أستحلّه، فقال له: لم يكفك أن اغتبته حتى أردت أن تبهته. إغتاب رجل رجلا عند قتيبة بن مسلم فقال له قتيبة: أمسك أيها الرجل، فوالله لقد تلمّظت بمضغة طالما لفظها الكرام.

مرّ رجل بجارين له ومعه ريبة، فقال أحدهما لصاحبه: أفهمت ما معه من الرّيبة؟ فقال الآخر: غلامي حرّ لوجه الله شكرا له إذا لم يعرّفني من الشرّ ما عرّفك.

شعبة عن يحيى بن الحصين عن طارق قال: دار بين سعد بن أبي وقّاص وبين خالد بن الوليد كلام، فذهب رجل ليقع في خالد عند سعد، فقال سعد:

مه، إن ما بيننا لم يبلغ ديننا. أي عداوة وشرّ. وقال الشاعر

ولست بذي نيرب في الكرام،ومنّاع خير، وسبّابها
ولا من إذا كان في جانبأضاع العشيرة واغتابها
ولكن أطاوع ساداتهاولا أتعلّم ألقابها

وقال آخر

لا يأمل الجار خيرا من جوارهمولا محالة من هزء وألقاب

وقال الفرزدق

تصرّم منّي ودّ بكر بن وائلوما خلت عنّي ودّهم يتصرّم
قوارص تأتيني ويحتقرونهاوقد يملأ القطر الإناء فيفعم

أنشد أبو سعيد الضرير لبعض الضّبّيين

ألا ربّ من يغتابني ودّ أنّنيأبوه الذي يدعى إليه وينسب
للشاعر الغطمش الضبي، من قصيدة «ألا رب من يغتابني ود أنني»
على رشدة من أمه أو لغيّةفيغلبها فحل على النسل منجب
للشاعر الغطمش الضبي، من قصيدة «ألا رب من يغتابني ود أنني»
فبالخير لا بالشرّ فاطلب مودّتيوأيّ امرىء يغتال منه التّرهّب

وقال آخر في نحوه:

ولما عصيت العاذلين ولم أبلملامتهم ألقوا على غاربي حبلي
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
وهازئة منّي تودّ لو ابنهاعلى شيمتي أو أنّ قيّمها مثلي
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

قيل لبزر جمهر: هل من أحد ليس فيه عيب؟ قال: لا، إن الذي لا عيب فيه لا ينبغي أن يموت. وقال في مثل هذا موسى شهوات

ليس فيما بدا لنا منك عيبعابه الناس غير أنك فاني
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
أنت خير المتاع لو كنت تبقىغير أن لا بقاء للإنسان

وقال أبو الأسود الدؤليّ:

وترى الشّقيّ إذا تكامل غيبهيرمى ويقرف بالذي لم يفعل

لقي بكر بن عبد الله أخا له فقال: إذا أردت أن تلقى من النّعمة عليك أعظم منها عليه وهو أشكر للنّعمة لقيته، وإذا شئت أن تلقى من أنت أعظم منه جرما وهو أخوف لله منك لقيته. أرأيت لو صحبك رجلان: أحدهما مهتوك لك ستره ولا يذنب ذنبا إلا رأيته ولا يقول هجرا إلا سمعته فأنت تحبّه على ذلك وتوافقه وتكره أن تفارقه، والآخر مستور عنك أمره غير أنك تظنّ به السوء فأنت تبغضه، أعدلت بينهما؟ قال: لا؛ قال: فهل مثلي ومثلك ومثل من أنت راء من الناس إلا كذلك؟ إنا نعرف الحقّ في الغيب من أنفسنا فنحبّها على ذلك، ونتظنّن الظّنون على غيرنا فنبغضهم على ذلك. ثم قال: أنزل الناس منك ثلاث منازل، فاجعل من هو أكبر منك سنّا بمنزلة أبيك، ومن هو تربك بمنزلة أخيك، ومن هو دونك بمنزلة ولدك، ثم انظر أيّ هؤلاء تحبّ أن تهتك له سترا أو تبدي له عورة!.

سعيد بن واقد المزنيّ قال: حدّثنا صالح بن الصّقر عن عبد الله بن زهير قال: وفد العلاء بن الحضرميّ على النبيّ ﷺ فقال: «أتقرأ من القرآن شيئا؟ فقرأ عبس وزاد فيها من عنده؛ وهو الذي أخرج من الحبلى، نسمة تسعى، من بين شراسيف وحشى؛ فصاح به النبيّ ﷺ وقال له: كفّ فإنّ السورة كافية». ثم قال: هل تروي من الشّعر شيئا فأنشده:

حيّ ذوي الأضغان تسب قلوبهمتحيّتك القربى فقد ترقع النّعل
وإن دحسوا بالكره فاعف تكرّماوإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل
فإنّ الذي يؤذيك منه سماعهوإنّ الذي قالوا وراءك لم يقل

فقال النبي ﵇: «إنّ من الشّعر حكما وإنّ من البيان سحرا».

وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ: قال: قال رجل لبكر بن محمد بن علقمة: بلغني أنك تقع فيّ؛ قال: أنت إذا أكرم عليّ من نفسي!. وقال بعض الشعراء:

لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروافيكشف الله سترا عن مساويكا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا»
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكرواولا تعب أحدا منهم بما فيكا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا»

وقال أبو الدرداء: لا يحرز الإنسان من شرار الناس إلا قبره.

قال عمر بن عبد العزيز لمزاحم مولاه: إن الولاة جعلوا العيون على العوامّ وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت منّي كلمة تربأ بي عنها أو فعالا لا تحبّه فعظني عنده وانهني عنه.

العتبيّ قال: تنقّص ابن لعامر بن عبد الله بن الزبير عليّ بن أبي طالب ﵇؛ فقال له أبوه: لا تتنقّصه يا بنيّ، فإنّ بني مروان ما زالوا يشتمونه ستّين سنة فلم يزده الله إلا رفعة، وإن الدّين لم يبن شيئا فهدمته الدنيا، وإن الدنيا لم تبن شيئا إلا عادت على ما بنت فهدمته. وقال بعض الشعراء:

إبدأ بنفسك فانهها عن غيّهافإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك تعذر إن وعظت ويقتدىبالقول منك ويقبل التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثلهعار عليك، إذا فعلت، عظيم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»

وقال آخر:

ويأخذ عيب الناس من عيب نفسهمراد لعمري ما أراد قريب

وقال آخر:

لك الخير، لم نفسا عليك ذونوبهاودع لوم نفس ما عليك تليم
وكيف ترى في عين صاحبك القذىويخفى قذى عينيك وهو عظيم

كان رجل من المتزمّتين لا يزال يعيب النبيذ وشرابه فإذا وجده سرّا شربه؛ فقال فيه بعض جيرانه:

وعيّابة للشّرب لو أنّ أمّهتبول نبيذا لم يزل يستبيلها
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة

قال رجل لعمرو بن عبيد: إني لأرحمك مما تقول الناس فيك؛ قال:

أفتسمعني أقول فيهم شيئا؟ قال: لا؛ قال: إيّاهم فارحم.

قال أعرابيّ لامرأته:

وإمّا هلكت فلا تنكحيظلوم العشيرة حسّادها
يرى مجده ثلب أعراضهالديه ويبغض من سادها

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.