تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب الحسد

قال: حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يسلم منهن أحد الطّيرة والظّنّ والحسد قيل: فما المخرج منهنّ يا رسول الله؟ قال: إذا تطيّرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقّق وإذا حسدت فلا تبغ». وقال بكر بن عبد الله:

حصّتك من الباغي حسن المكاشرة، وذنبك إلى الحاسد دوام النعم من الله عليك. وقال روح بن زنباع الجذاميّ: كنت أرى قوما دوني في المنزلة عند السلطان يدخلون مداخل لا أدخلها فلما أذهبت عنيّ الحسد دخلت حيث دخلوا. وقال ابن حمام

تمنّى لي الموت المعجّل خالدولا خير فيمن ليس يعرف حاسده

وقال الطائيّ

وإذا أراد الله نشر فضيلةطويت أتاح لها لسان حسود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
لولا اشتعال النار فيما جاورتما كان يعرف طيب عرف العود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
لولا التّخوّف للعواقب لم تزلللحاسد النّعمى على المحسود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»

وقال عبد الملك للحجاج: إنه ليس من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه فعب نفسك قال: أعفني يا أمير المؤمنين. قال: لتفعلنّ. قال: أنا لجوج حقود حسود، قال عبد الملك: ما في الشيطان شرّ مما ذكرت. قال بعض الحكماء: الحسد من تعادي الطبائع واحتلاف التركيب وفساد مزاج البنية وضعف عقد العقل والحاسد طويل الحسرات.

قال ابن المقفع: أقلّ ما لتارك الحسد في تركه أن يصرف عن نفسه عذابا ليس بمدرك به حظّا ولا غائظ به عدوّا، فإنا لم نر ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد، طول أسف ومحالفة كآبة وشدّة تحرّق، ولا يبرح زاريا على نعمة الله ولا يجد لها مزالا ويكدّر على نفسه ما به من النعمة فلا يجد لها طعما ولا يزال ساخطا على من لا يترضّاه ومتسخّطا لما لن ينال فوقه، فهو منغّص المعيشة دائم السّخطة محروم الطّلبة، لا بما قسم له يقنع ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلّب في فضل الله مباشرا للسّرور منتفعا به ممهّلا فيه إلى مدّة ولا يقدر الناس لها على قطع وانتقاص.

قيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن أخاه؟ قال: لا أبا لك، أنسيت إخوة يوسف؟ وكان يقال: إذا أردت أن تسلم من الحاسد فعمّ عليه أمورك.

ويقال: إذا أراد الله أن يسلّط على عبده عدوّا لا يرحمه سلّط عليه حاسدا.

وقال العتبيّ - وذكر ولده الذين ماتوا-

وحتّى بكى لي حسّادهموقد أقرحوا بالدّموع العيونا
وحسبك من حادث بامرىءيرى حاسديه له راحمينا

قيل لسفيان بن معاوية: ما أسرع حسد الناس إلى قومك! فقال:

إنّ العرانين تلقاها محسّدةولا ترى للئام الناس حسّادا
للشاعر عمر بن لجأ التيمي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

وترى اللبيب محسّدا لم يجترمشتم الرجال وعرضه مشتوم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهفالقوم أعداء له وخصوم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»
كضرائر الحسناء قلن لوجههاحسدا وظلما إنه لذميم

وقال يحيى بن خالد: الحاسد عدو مهين لا يدرك وتره إلا بالتمنّي. قيل لبعضهم: أيّ الأعداء لا تحبّ أن يعود لك صديقا؟ قال: من سبب عداوته النعمة. وقال الأحنف: لا صديق لملول ولا وفاء لكذوب، ولا راحة لحسود ولا مروءة لبخيل ولا سؤدد لسيّء الخلق. وقال معاوية: كلّ الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها. وقال الشاعر:

كلّ العداوة قد ترجى إماتتهاإلا عداوة من عاداك من حسد
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة

وفي بعض الكتب يقول الله: «الحاسد عدوّ لنعمتي متسخّط لقضائي غير راض بقسمي بين عبادي». وكان يقال: قد طلبك من لا يقصّر دون الظّفر

وحسدك من لا ينام دون الشّفاء. وخطب الحجاج يوما برستقباذ بقول سويد ابن أبي كاهل

كيف يرجون سقاطي بعدماجلّل الرأس بياض وصلع
ربّ من أنضجت غيظا صدرهقد تمنّى لي موتا لم يطع
ويراني كالشّجا في خلقهعسرا مخرجه ما ينتزع
مزبدا يخطر ما لم يرنيفإذا أسمعته صوتي انقمع
لم يضرني غير أن يحسدنيفهو يزقو مثل ما يزقو الضّوع
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة
ويحيّيني إذا لا قيتهوإذا يخلو له لحمي رتع
قد كفاني الله ما في نفسهوإذا ما يكف شيئا لم يضع

وقال آخر

إن تحسدوني فإنّي لا ألومكمقبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولكم ما بي وما بكموما أكثرنا غيظا بما يجد
أنا الذي تجدوني في حلوقكملا أرتقي صعدا فيها ولا أرد

وقال بعضهم: الحسد أوّل ذنب عصي الله به في السماء، يعني حسد إبليس آدم، وأوّل ذنب عصي الله به في الأرض، يعني حسد ابن آدم أخاه حتى قتله. وأنشدني شيخ لنا عن أبي زيد الأعرابيّ.

لا تقبل الرّشد ولا ترعويثاني رأس كابن عوّاء
حسدتني حين أفدت الغنىما كنت إلا كابن حوّاء
غادى أخاه محرما مسلمابطعنة في الصلب نجلاء
وأنت تقليني ولا ذنب ليلكنّني حمّال أعباء
من يأخذ النار بأطرافهينضح على النار من الماء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قَدْ لَعب الدَّهْرُ علَى هامَتِي»

مرّ قيس بن زهير ببلاد غطفان فرأى ثروة وجماعات وعددا فكره ذلك، فقال له الربيع بن زياد: إنه يسوءك ما يسرّ الناس! فقال له: يا أخي، إنك لا تدري، إنّ مع الثروة والنعمة التحاسد والتخاذل، وإنّ مع القلّة التحاشد والتناصر.

قال الأصمعيّ: رأيت أعرابيا قد أتت له مائة وعشرون سنة، فقلت له:

ما أطول عمرك! فقال: تركت الحسد فبقيت. وقال زيد بن الحكم الثقفيّ.

تمّلأت من غيظ عليّ فلم يزلبك الغيظ حتّى كدت بالغيظ تنشوي
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
وما برحت نفس حسود حشيتهاتذيبك حتى قيل هل أنت مكتوي
وقال النّطاسيّون إنك مشعرسلالا ألا بل أنت من حسد جوي
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
بدا منك غشّ طالما قد كتمتهكما كتمت داء ابنها أمّ مدّوي
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
جمعت وفحشا غيبة ونميمةحلالا ثلاثا لست عنها بمرعوي
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

وكان يقال: ستّة لا يخلون من الكآبة: رجل آفتقر بعد غنى، وغنيّ يخاف على ماله التّوى، وحقود، وحسود، وطالب مرتبة لا يبلغها قدره، ومخالط الأدباء بغير أدب.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.