تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

أفعال من أفعال السادة والأشراف

حدّثني الرّياشيّ قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: حدّثنا ابن عمران قاضي المدينة أن طلحة كان يقال له: طلحة الخير، وطلحة الفيّاض، وطلحة الطّلحات وأنه فدى عشرة من أسارى بدر وجاء يمشي بينهم، وأنه سئل برحم فقال: ما سئلت بهذه الرحم قبل اليوم، وقد بعت حائطا لي بتسعمائة ألف درهم وأنا فيه بالخيار، فإن شئت ارتجعته وأعطيتكه، وإن شئت أعطيتك ثمنه.

حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: أخبرني شيخ من مشيختنا،- وربما قال: هارون الأعور- أن قتيبة بن مسلم قال: أرسلني أبي إلى ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة فقال: قل له قد كان في قومك دماء وجراح، وقد أحبّوا أن تحضر المسجد فيمن يحضر، قال: فأتيته فأبلغته فقال يا جارية: غدّيني، فجاءت بأرغفة خشن فثردتهنّ في مريس ثم برقتهنّ فأكل. قال قتيبة: فجعل شأنه يصغر في عيني ونفسي، ثم مسح يده وقال:

الحمد لله، حنطة الأهواز وتمر الفرات وزيت الشام، ثم أخذ نعليه وارتدى، ثم انطلق معي وأتى المسجد الجامع فصلّى ركعتين ثم احتبى، فما رأته حلقة إلا تقوّضت إليه، فاجتمع الطالبون والمطلوبون فأكثروا الكلام، فقال: إلى ماذا صار أمرهم؟ قالوا: إلى كذا وكذا من إبل، قال: هي عليّ، ثم قام.

الهيثم عن ابن عباس قال: كان معد يكرب بن أبرهة جالسا مع عبد العزيز بن مرون على سريره فأتي بفتيان قد شربوا الخمر، فقال: يا أعداء الله، أتشربون الخمر! فقال معد يكرب: أنشدك الله أن لا تفضح هؤلاء، فقال:

إنّ الحق في هؤلاء وفي غيرهم واحد، فقال معديكرب: يا غلام صبّ من شرابهم في القدح، فصبّ له فشربه وقال: والله ما شرابنا في منازلنا إلا هذا.

فقال عبد العزيز: خلّوا عنهم، فقيل له حين انصرفوا: شربت الخمر! فقال:

أما والله إن الله ليعلم أنّي لم أشربها قطّ في سرّ ولا علانية، ولكنّي كرهت أن يفضح مثل هؤلاء بمحضري.

وحدّثني شيخ لنا قال: مدح شاعر الحسن بن سهل فقال له: احتكم، وظنّ أنّ همّته قصيرة، فقال: ألف ناقة، فوجز الحسن ولم يمكنه، وكره أن

يفتضح وقال: يا هذا إنّ بلادنا ليست بلاد إبل، ولكن ما قال امرؤ القيس:

إذا ما لم يكن إبل فمعزىكأنّ قرون جلّتها العصيّ

قد أمرت لك بألف شاة، فالق يحيى بن خاقان، فأعطاه بكلّ شاة دينارا.

قال: وقدم زائر على أبي دلف فأمر له بألف دينار وكسوة ثم قال:

أعجلتنا فأتاك عاجل برّناقلّا ولو أمهلتنا لم يقلل
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
فخذ القليل وكن كأنك لم تقلشيئا، ونحن كأننا لم نفعل
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة

وقال بعض الشعراء:

ليس جود الفتيان من فضل مالإنما الجود للمقلّ المواسي

وقال دعبل في نحوه:

لئن كنت لا تولي يدا دون إمرةفلست بمول نائلا آخر الدّهر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لئن كنت لا تولي يدا دون إمرة»

فأيّ إناء لم يفض عند ملئه! وأيّ بخيل لم ينل ساعة الوفر!

وليس الفتى المعطي على اليسر وحدهولكنه المعطي على العسر واليسر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لئن كنت لا تولي يدا دون إمرة»

ابن الكلبيّ قال: أخبرني غير واحد من قريش قالوا: أراد عبد الله وعبيد الله ابنا العباس أن يقتسما ميراثهما من أبيهما بمكة، فدعي القاسم ليقسم، فلما مدّ الحبل قال له عبد الله: أقم المطمر. فقال له عبيد الله: يا أخي، الدار دراك لا يمدّ والله فيها اليوم مطمر. وكان يقال: من أراد العلم

والسخاء والجمال فليأت دار العباس، كان عبد الله أعلم الناس، وعبيد الله أسخى الناس، والفضل أجمل الناس.

باع عبد الله بن عتبة أرضا بثمانين ألفا، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا! فقال: أنا أجعل هذا المال ذخرا لي عند الله، وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسم المال.

ويقال: إنّ أوّل ما عرف به سؤدد خالد بن عبد الله القسري أنه مرّ في بعض طرق دمشق وهو غلام فأوطأ فرسه صبيّا فوقف عليه، فلما رآه لا يتحرّك أمر غلامه فحمله، ثم انتهى به أوّل مجلس مرّ به فقال: إن حدث بهذا الغلام حدث الموت فأنا صاحبه، أو طأته فرسي ولم أعلم.

قال عديّ بن حاتم لابن له حدث: قم بالباب فامنع من لا تعرف وأذن لمن تعرف، فقال: لا والله، لا يكون أوّل شيء وليته من أمر الدنيا منع قوم من الطعام.

حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: ضاف بني زياد العبسيّين ضيف، فلم يشعروا إلا وقد احتضن أمّهم من خلفها، فرفع ذلك إلى ربيع بن زياد الكامل فقال: لا يضارّ الليلة عائذ أمّي، أنه عاذ بحقويها.

المدائنيّ قال: أحدث رجل في الصلاة خلف عمر بن الخطاب، فلما سلّم عمر قال: أعزم على صاحب الضرطة إلا قام فتوضأ وصلّى، فلم يقم أحد، فقال جرير بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، إعزم على نفسك وعلينا أن نتوضّأ ثم نعيد الصلاة، فأمّا نحن فتصير لنا نافلة، وأما صاحبنا فيقضي

صلاته، فقال عمر: رحمك الله، إن كنت لشريفا في الجاهلية فقيها في الإسلام.

كان عبد الله بن جدعان التيميّ حين كبر أخذ بنو تيم عليه ومنعوه أن يعطي شيئا من ماله، فكان الرجل إذا أتاه يطلب منه قال: أدن منّي، فإذا دنا منه لطمه ثم قال: إذهب فاطلب بلطمتك أو ترضى، فترضيه بنو تيم من ماله.

وفيه يقول ابن قيس الرّقيّات:

والذي إن أشار نحوك لطماتبع اللّطم نائل وعطاء
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

وابن جدعان هو القائل:

إنّي وإن لم ينل مالي مدى خلقيوهّاب ما ملكت كفّي من المال
لا أحبس المال إلّا ريث أتلفهولا تغيّرني حال عن الحال

الهيثم عن حمّاد الراوية عن مشايخ طيء قالوا: كانت عتبه بنت عفيف أمّ حاتم لا تليق شيئا سخاء وجودا، فمنعها إخوتها من ذلك فأبت، وكانت موسرة فحبسوها في بيت سنة يطعمونها قوتها رجاء أن تكفّ، ثم أخرجوها بعد سنة وظنّوا أنها قد أقصرت ودفعوا إليها صرمة، فأتتها امرأة من هوازن فسألتها فأعطتها الصّرمة وقالت: والله لقد مسّني من الجوع ما آليت معه ألّا أمنع سائلا شيئا. وقالت:

لعمري لقدما عضّني الجوع عضّةفآليت ألّا أمنع الدّهر جائعا
فقولا لهذا اللّائمي الآن أعفنيفإن أنت لم تفعل فعضّ الأصابعا
فماذا عساكم أن تقولوا لأختكمسوى عذلكم أو عذل من كان مانعا
ولا ما ترون الدّهر إلا طبيعةفكيف بتركي يا ابن أمّ الطبائعا

ابن الكلبيّ عن أبيه عن رجالات طيء قالوا: كان حاتم جوادا شاعرا، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان ظفرا إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح سبق، وإذا أسر أطلق، وكان أقسم بالله: لا يقتل واحد أمّه.

أبو اليقظان قال: أخذ عبيد الله بن زياد عروة بن أديّة أخا أبي بلال فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب داره، فقال لأهله: أنظروا هؤلاء الموكّلين بي فأحسنوا إليهم فإنهم أضيافكم.

سفيان بن عيينة قال: كان سعيد بن العاص إذا أتاه سائل فلم يك عنده ما سأل قال: أكتب عليّ بمسألتك سجلّا إلى أيام يسري.

باع أعرابيّ ناقة له من مالك بن أسماء، فلما صار الثمن في يده نظر إليها فذرفت عيناه، ثم قال:

وقد تنزع الحاجات يا أمّ معمركرائم من ربّ بهنّ ضنين

فقال له مالك: خذ ناقتك وقد سوّغتك الثمن. اشترى عبيد الله بن أبي

بكرة جارية نفيسة فطلبت دابة تحمل عليها فلم توجد، فجاء رجل بدابّة فحملها، فقال له عبيد الله: إذهب بالجارية إلى منزلك. باع ثابت بن عبيد الله ابن أبي بكرة دار الصّفاق من مقاتل بن مسمع نسيئة ثم اقتضاه فلزمه في دار أبيه، فرآه عبيد الله فقال: ما لك؟ قال: حبسني ابنك. قال: بم؟ قال: بثمن دار الصّفاق، قال: يا ثابت، أما وجدت لغرمائك محبسا إلّا داري؟ إدفع إليه صكّه وأعوّضك. قيل لرجل: ما لك تنزل في الأطراف؟ فقال: منازل الأشراف في الأطراف يتناولون ما يريدون بالقدرة ويتناولهم من يريدهم بالحاجة. لمّا كبر عديّ بن حاتم آذاه برد الأرض وكان رجلا لحيما فنهشت الأرض فخذيه فجمع قومه فقال: يا بني ثعل، إني لست بخيركم إلا أن تروا ذلك فقد كان أبي بمكان لم يكن به أحد من قومه، بنى لكم الشرف ونفى عنك العار فأصبح الطائيّ إذا فعل خيرا قال العرب: من حيّ لا يحمدون على الجود ولا يعذرون على البخل، وقد بلغت من السنّ ما ترون وآذاني برد الأرض فأذنوا لي في وطاء فوالله ما أريده فخرا عليكم ولا احتقارا لكم، وسأخبركم: ما على من وضع طنفسة وقعد حوله إلا أنّ الحقّ عليه أن يذلّ في عرضه وينخدع في ماله ولا يحسد شريفا ولا يحقر وضيعا، فقال القوم: دعنا اليوم، ثم غدوا عليه فقالوا: يا أبا طريف ضع الطّنفسة والبس التاج، فبلغ ابن دارة الشاعر فأتاه

وقال: قد مدحتك، فقال: أمسك عليك حتى أنبئك بمالي فتمدحني على حسبه، لي ألف ضائنة وألفا درهم وثلاثة أعبد، وفرسي هذا حبيس في سبيل الله، هات الآن فقال:

تحنّ قلوصي في معدّ وإنماتلاقي الربيع في ديار بني ثعل
وأبقى اللّيالي من عديّ بن حاتمحساما كلون الملح سلّ من الخلل
أبوك جواد ما يشقّ غبارهوإن جواد لست تعذر بالعلل
فإن تفعلوا شرّا فمثلكم أتّقّىوإخ تفعلوا خيرا فمثلكمو فعل

فقال: أمسك عليك، لا يبلغ مالي أكثر من هذا، وشاطره ما له.

جاء رجل إلى معن فاستحمله عيرا فقال معن: يا غلام، أعطه عيرا وبغلا وبرذونا وفرسا وبعيرا وجارية، ولو عرفت مركوبا غير هذا لأعطيتكه.

وكان يقال: حدّث عن البحر ولا حرج وعن بني إسرائيل ولا حرج وعن معن ولا حرج. قال رجل من كلب للحكم بن عوانة وهو على السّند: إنما أنت عبد، فقال الحكم: والله لأعطينّك عطيّة لا يعطيها العبد فأعطاه مائة رأس من السّبي. وقرأت في بعض كتب العجم أن جامات كسرى التي كان يأكل فيها كانت من ذهب، فسرق رجل من أصحابه جاما وكسرى ينظر إليه، فلما رفعت الموائد افتقد الطبّاخ الجام فرجع يطلبها، فقال له كسرى: لا تتعنّ فقد أخذها من لا يردّها ورآه من لا يفشي عليه، ثم دخل عليه الرجل بعد ذلك وقد حلّى سيفه ومنطقته ذهبا، فقال له كسرى بالفارسية: يا فلان، هذا، يعني السيف، من

ذاك قال: نعم وهذا، وأشار إلى منطقته. قالوا: لم يكن لخالد بن برمك أخ إلّا بنى له دارا على قدر كفايته ووقف على أولاد الإخوان ما يعيشهم أبدا ولم يكن لإخوانه ولد إلا من جارية هو وهبها له.

بلغ ابن المقفع أن جارا له يبيع دارا له لدين ركبه وكان يجلس في ظلّ داره، فقال: ما قمت إدّا بحرمة ظلّ داره إن باعها معدما وبتّ واجدا، فحمل إليه ثمن الدار وقال: لا تبع. قال أبو اليقظان: باع نهيك بن مالك بن معاوية إبله وانطلق بثمنها إلى منى فجعل ينهبه، والناس يقولون: مجنون، فقال: لست بمجنون ولكنّي سمح أنهبكم مالي إذا عزّ الفتح. قال: وأتى عبد الله بن جعفر قهرمانه بحسابه فكان في أوّله حبل بخمسين درهما، فقال عبد الله: لقد غلت الحبال، فقال القهرمان: إنه أبرق، فقال عبد الله: إن كان أبرق فأنا أجيزه، فهو الآن مثل مضروب بالمدينة. كان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له: يا هذا، إنك قد اخترتني جارا فجناية يدك عليّ دونك، وإن جنت عليك يد فاحتكم عليّ حكم الصبيّ على أهله. وقال بعض الشعراء:

همو خلطوني بالنفوس ودافعواورائي بركن ذي مناكب مدفع
وقالوا تعلّم أنّ مالك إن يصبيعدك وإن تحبس يردك ويشفع

وروى عبد الله بن بكر السّهمي عن حاتم بن أبي صغيرة عن حبيب بن أبي ثابت أنّ الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعيّاش بن أبي ربيعة خرجوا يوم اليرموك حتى انبتّوا، فدعا الحارث بن هشام بماء ليشربه، فنظر إليه عكرمة فقال: ادفعه إلى عكرمة فنظر إليه عيّاش فقال عكرمة: إدفعه إلى

عيّاش، فما وصل إلى عيّاش حتى مات ولا عاد إليه حتى ماتوا، فسمّي هذا حديث الكرام وهذا الحديث عندي موضوع لأن أهل السّيرة يذكرون أنّ عكرمة قتل يوم أجنادين وعيّاش مات بمكة، والحارث مات بالشام في طاعون عمواس.

أعطى رجل امرأة سألته مالا عظيما، فلاموه وقالوا: إنها لا تعرفك وإنما كان يرضيها اليسير، فقال: إن كانت ترضى باليسير فإنّي لا أرضى إلا بالكثير وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.

قال بعض الشعراء:

وما خير مال لا يقي الذمّ ربّهونفس امرئ في حقّها لا يهينا
للشاعر موسى بن جابر اليمامي، اقرأ القصيدة

وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:

أرى نفسي تتوق إلى أمورويقصر دون مبلغهنّ حالي
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
فنفسي لا تطاوعني ببخلومالي لا يبلّغني فعالي
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

وقال أيضا:

ولا أقول نعم يوما فأتبعهامنعا ولو ذهبت بالمال والولد
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
ولا اؤتمنت في سرّ فبحت بهولا مددت إلى غير الجميل يدي

وقال كعب بن سعد الغنويّ:

وذي ندب دامي الأظلّ قسمتهمحافظة بيني وبين زميلي
وزاد رفعت الكفّ عنه تجمّلالأوثر في زادي عليّ أكيلي
وما أنا للشيء الذي ليس نافعيويغضب منه صاحبي بقؤول
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة

وقال زهير:

وأبيض فيّاض يداه غمامةعلى معتفيه ما تغبّ نوافله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صَحا القَلبُ عن سلمى وأقصرَ باطِلُهْ»
غدوت عليه غدوة فوجدتهقعودا لديه بالصّريم عواذله
فأعرضن منه عن كريم مرزّاجموع على الأمر الذي هو فاعله
أخي ثقة لا تذهب الخمر مالهولكنه قد يذهب المال نائله
تراه إذا ما جئته متهلّلاكأنك تعطيه الذي أنت سائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

المدائنيّ قال: أضلّ فيروز بن حصين سوطه يوما، فأعطاه رجل سوطا فأمر له بألف درهم، ثم أتاه بعد حول فقال: من أنت؟ قال: صاحب السوط فأمر له بألف درهم، ثم أتاه بعد حول فقال: من أنت؟ قال: صاحب السوط، قال: أعطوه ألف درهم ومائة سوط فانقطع عنه. قال الشاعر:

إنّي حمدت بني شيبان إذ خمدتنيران قومي فشبّت فيهم النار
ومن تكرّمهم في المحل أنّهملا يحسب الجار فيهم أنه جار

وقال آخر:

نزلت على آل المهلّب شاتيابعيدا قصيّ الدار في زمن محل
فما زال بي إلطافهم وافتقادهموإكرامهم حتى حسبتهمو أهلي

وقال آخر:

إذا كان لي شيئان يا أمّ مالكفإنّ لجاري منهما ما تخيّرا

وقال عمرو بن الأهتم:

ذريني فإنّ الشّحّ يا أمّ هيثملصالح أخلاق الرجال سروق
ذريني وحطّي في هواي فإنّنيعلى الحسب العالي الرّفيع شفيق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
ومستمنح بعد الهدوء دعوتهوقد كان من ساري الشتاء طروق
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبافهذا مبيت صالح وصديق
أضفت فلم أفحش عليه ولم أقللأحرمه إنّ الفناء مضيق
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلهاولكنّ أخلاق الرجال تضيق
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رأيت أبا إسحاق والفحل فوقه»

كان يقال: للعباس بن عبد المطلب ثوب لعاري بني هاشم، وجفنة لجاره ومقطرة لجاهلهم. قال بكر بن النّطّاح:

لو خذلت أمواله جود كفّهلقاسم من يرجوه بعض حياته
ولو لم يجد في العمر قسما لزائرلجاد له بالشّطر من حسناته

وقال الفرزدق:

إنّ المهالبة الكرام تحمّلوادفع المكاره عن ذوي المكروه
للشاعر الفرزدق، اقرأ القصيدة
زانوا قديمهمو بحسن حديثهموكريم أخلاق بحسن وجوه

كان يقال: الشّرف في السّرف. قال عامر بن الطّفيل:

إذا نزلت بالناس يوما ملمّةتسوق من الأيام داهية إدّا
دلفنا لها حتى نقوّم ميلهاولم نهد عنها بالأسنّة أو تهدا
وكم مظهر بغضاءنا ودّ أنهإذا ما التقينا كان أخفى الذي أبدى
مطاعيم في الّلأواء مطاعين في الوغىشمائلنا تنكي وأيماننا تندى

وقال حاتم طيء:

أكفّ يدي من أن تنال أكفّهمإذا ما مددناها وحاجتنا معا
وإني لأستحيي رفيقي أن يرىمكان يدي من جانب الزاد أقرعا

وقال جابر بن حيّان:

فإن يقتسم مالي بنيّ ونسوتيفلن يقسموا خلقي الكريم ولا فعلي
وما وجد الأضياف فيما ينوبهملهم عند علّات النفوس أبا مثلي
أهين لهم مالي وأعلم أنّنيسأورثه الأحياء سيرة من قبلي

كان سعيد بن عمرو مؤاخيا ليزيد بن المهلب، فلما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد ومنع من الدخول عليه، أتاه سعيد فقال: يا أمير المؤمنين، لي

على يزيد خمسون ألف درهم وقد حلت بيني وبينه، فإن رأيت أن تأذن لي فأقتضيه؟ فإذن له فدخل عليه فسرّ به يزيد، وقال: كيف وصلت إليّ، فأخبره، فقال يزيد: والله لا تخرج إلا وهي معك فامتنع سعيد فحلف يزيد ليقبضنّها، فقال عديّ بن الرّقاع:

لم أر محبوسا من الناس واحداحبا زائرا في السجن غير يزيد
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «لم أر محبوسا من الناس واحدا»
سعيد بن عمرو إذ أتاه أجازهبخمسين ألفا عجّلت لسعيد
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «لم أر محبوسا من الناس واحدا»

وقال بعض الشعراء:

وإنّي لحلّال بي الحقّ، أتّقيإذا نزل الأضياف أن أتجهّما
للشاعر الأخطل، من قصيدة «أتعرف من أسماء بالجد روسما»
إذا لم تذد ألبانها عن لحومهاحلبنا لهم منها بأسيافنا دما
للشاعر الأخطل، من قصيدة «أتعرف من أسماء بالجد روسما»

دخل شاعر على المهديّ فامتدحه، فأمر له بمال فلما قبضه فرّقه على من حضر وقال:

لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنىوما خلت أنّ الجود من كفّه يعدي
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لمست بكفي كفه أبتغي الغنى»
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنىأفدت وأعداني فبدّدت ما عندي

أخبرني أبو الحسن علي بن هارون الهاشميّ قال: أخبرني وكيع قال:

حدّثني أبو العيناء قال: كان بالبصرة لنا صديق يهوديّ وكان ذا مال وقد تأدّب وقال الشعر وعرف شيئا من العلوم وكان له ولد ذكور، فلما حضرته الوفاة جمع ماله وفرّقه على أهل العلم والأدب ولم يترك لولده ميراثا فعوتب على ذلك فقال:

رأيت مالي أبرّ من ولديفاليوم لا نحلة ولا صدقه
من كان منهم لها فأبعده اللّهـ ومن كان صالحا رزقه

وحدّثني الأخفش بهذا الخبر عن المبرّد عن الرّياشيّ والله أعلم.

أنجز الجزء الأول ويتلوه الجزء الثاني.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.