تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب السّعاية

روى وكيع عن أبيه عن عطاء بن السائب قال: قدمت من مكة فلقيني الشعبيّ فقال: يا أبا زيد أطرفنا مما سمعت؛ قلت: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط يقول: لا يسكن مكّة سافك دم، ولا آكل ربا، ولا مشّاء بنميم؛ فعجبت منه حين عدل النميمة بسفك الدماء وأكل الرّبا، فقال الشعبيّ: وما يعجبك من هذا؟ وهل تسفك الدّماء وتركب العظائم إلا بالنميمة؟

عاتب مصعب بن الزبير الأحنف بن قيس على شيء بلغه عنه، فاعتذر إليه الأحنف من ذلك ودفعه؛ فقال مصعب: أخبرني بذلك الثّقة؛ فقال الأحنف: كلّا أيها الأمير، إن الثقة لا يبلّغ. قال الأعشى:

ومن يطع الواشين لا يتركوا لهصديقا وإن كان الحبيب المقرّبا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «كفى بالذي تولينه لو تجنبا»

وذكر السّعاة عند المأمون فقال رجل ممن حضر؛ يا أمير المؤمنين، لو لم يكن من عيبهم إلّا أنّهم أصدق ما يكونون، أبغض ما يكونون إلى الله لكفاهم.

سعى رجل إلى بلال بن أبي بردة برجل؛ فقال له: إنصرف حتى أسأل عمّا ذكرت، وبعث في المسألة عن السّاعي فإذا هو لغير أبيه الذي يدعى له، فقال بلال: أخبرنا أبو عمرو قال: حدّثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ:

«السّاعي بالناس لغير رشدة». وقال الشاعر:

إذا الواشي نعى يوما صديقافلا تدع الصّديق لقول واشي

أتى رجل الوليد بن عبد الملك وهو على دمشق لأبيه، فقال: للأمير عندي نصيحة؛ فقال: إن كانت لنا فأظهرها، وإن كانت لغيرنا فلا حاجة لنا فيها؛ قال: جار لي عصى وفرّ من بعثه؛ قال: أمّا أنت فتخبر أنك جار سوء، فإن شئت أرسلنا معك، فإن كنت صادقا أقصيناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت تاركناك؛ قال: بل تاركني.

وقال عبدة بن الطّبيب:

واعصوا الذي يسدي النميمة بينكممتنصّحا وهو السمّام المنقع
يزجي عقاربه ليبعث بينكمحربا كما بعث العروق الأخدع
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة
حرّان لا يشفي غليل فؤادهعسل بماء في الإناء مشعشع
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة
لا تأمنوا قوما يشبّ صبيّهمبين القبائل بالعداوة ينسع
إن الذين ترونهم خلّانكميشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا
فضلت عداوتهم على أحلامهموأبت ضباب صدورهم لا تنزع
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة
قوم إذا دمس الظلام عليهمحدجوا قنافذ بالنميمة تمزع
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

وقال أبو دهبل الجمحيّ:

وقد قطع الواشون ما كان بينناونحن إلى أن يوصل الحبل أحوج
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وقد قطع الواشون ما كان بيننا»
رأوا عورة فاستقبلوها بألبهمفراحوا على ما لا نحبّ وأدلجوا
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة
وكانوا أناسا كنت آمن غيبهمفلم ينههم حلم ولم يتحرّجوا

وقال بشّار:

تشتهي قربك الرّباب وتخشىعين واش وتتّقي أسماعه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تشتهي قربك الرباب وتخشى»
أنت من قلبها محلّ شرابتشتهي شربه وتخشى صداعه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تشتهي قربك الرباب وتخشى»

وقال أبو نواس:

كنت من الحبّ في ذرى نيقأرود منه مراد موموق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «كنت من الحب في ذرى نيق»
حتى ثناني عنه تخلّق واش كذبة لفّها بتزويق
جبت قفا ما نمته معتذرامنه وقد فزت بعد تخريق
كقول كسرى فيما تمثّلهمن فرص اللّصّ ضجّة السّوق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «كنت من الحب في ذرى نيق»

وقرأت في كتاب للهند: قلّما يمنع القلب من القول إذا تردّد عليه، فإن الماء ألين من القول والحجر أصلب من القلب، وإذا انحدر عليه وطال ذلك أثّر فيه، وقد تقطع الشجرة بالفؤوس فتنبت ويقطع اللحم بالسيوف فيندمل واللسان لا يندمل جرحه، والنّصول تغيب في الجوف فتنزع والقول إذا وصل إلى القلب لم ينزع، ولكلّ حريق مطفىء: للنار الماء، وللسمّ الدواء، وللحزن الصبر، وللعشق الفرقة، ونار الحقد لا تخبو.

وقال طرفة بن العبد:

وتصدّ عنك مخيلة الرجل العرّيض موضحة عن العظم
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «إن امرأ سرف الفؤاد يرى»
بحسام سيفك أو لسانك والكلم الأصيل كأوسع الكلم

ونحوه قوله:

والقول ينفذ ما لا ينفذ الإبر

وقال امرؤ القيس:

وجرح اللّسان كجرح اليد

سأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة؛ فقال لأصحابه: إذا شئتم تنحّوا؛ فلما تهيّأ الرجل للكلام قال له: إياك وأن تمدحني فإني أعرف بنفسي منك، أو تكذبني فإنه لا رأي لكذوب، أو تسعى بأحد إليّ، وإن شئت أن أقيلك أقلتك؛ قال: أقلني.

وقال ذو الرياستين: قبول السّعاية شرّ من السّعاية، لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دلّ على شيء كمن قبل وأجاز، فامقت الساعي على سعايته وإن كان صادقا للؤمه في هتك العورة وإضاعة الحرمة، وعاقبة إن كان كاذبا لجمعه بين هتك العورة وإضاعة الحرمة مبارزة لله بقول البهتان والزور.

وقال بعض المحدثين لعبد الصمد بن المعذّل:

لعمرك ما سبّ الأمير عدوّهولكنّما سبّ الأمير المبلّغ
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

وقال رجل للوليد بن عبد الملك: إنّ فلانا شتمك؛ فأكبّ ثم قال: أراه شتمك. وأتى رجل ابن عمر فقال له: إن فلانا شتمك؛ فقال له: إنّي وأخي عاصما لا نسابّ أحدا.

عوانة قال: كان بين حاتم طيء وبين أوس بن حارثة ألطف ما يكون بين اثنين؛ فقال النعمان بن المنذر لجلسائه: والله لأفسدنّ ما بينهما؛ قالوا:

لا تقدر على ذلك؛ قال: بلى، فقلّما جرت الرجال في شيء إلا بلغته؛ فدخل عليه أوس؛ فقال: يا أوس، ما الذي يقول حاتم؟ قال: وما يقول؟

قال: يقول إنه أفضل منك وأشرف؛ قال: أبيت اللّعن، صدق! والله لو كنت أنا وأهلي وولدي لحاتم لأنهبنا في مجلس واحد، ثم خرج وهو يقول:

يقول لي النعمان لا من نصيحةأرى حاتما في قوله متطاولا
له فوقنا باع كما قال حاتموما النّصح فيما بيننا كان حاولا

ثم دخل عليه حاتم فقال له مثل مقالته لأوس؛ قال: صدق، أين عسى أن أقع من أوس! له عشرة ذكور أخسّهم أفضل منّي، ثم خرج وهو يقول:

يسائلني النعمان كي يستزلّنيوهيهات لي أن أستضام فأصرعا
كفاني نقصا أن أضيم عشيرتيبقول أرى في غيره متوسّعا

فقال النعمان: ما سمعت بأكرم من هذين الرجلين.

ذكر يعقوب بن داود أيام كان مع المهديّ أنه وافاه في يوم واحد ثمانون

رقعة كلّها سعاية، منها ستون لأهل البصرة، وعشرون لسائر البلاد.

وشى واش برجل إلى الإسكندر؛ فقال له: أتحبّ أن أقبل منك ما قلت فيه على أن نقبل منه ما قال فيك؟ قال: لا؛ قال: فكفّ عن الشرّ يكفّ عنك الشّرّ.

كتب بعض إحواننا من الكتّاب إلى عامل وكان سعي به إليه: لست أنفكّ فيما بيني وبينك من إحدى أربع: إما كنت محسنا وإنك لكذلك فاربب، أو مسيئا ولست به فأبق، أو أكون ذا ذنب ولم أتعمّد فتغمّد، أو مقروفا وقد تلحق به حيل الأشرار فتثبّت وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.