تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

مداراة الناس وحسن الخلق والجوار

قال حدّثنا الحسين بن الحسن قال حدّثنا عبد الله بن المبارك عن وهيب قال: جاء رجل إلى وهب بن منبّه فقال: إنّ الناس قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وقد حدّثت نفسي ألّا أخالطهم؛ فقال له وهب: لا تفعل، فإنه لا بدّ للناس منك ولا بدّ لك منهم؛ لهم إليك حوائج، ولك إليهم حوائج، ولكن كن فيهم أصمّ سميعا، وأعمى بصيرا، وسكوتا نطوقا.

قال وحدّثنا حسين بن الحسن قال حدّثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عليّ بن رباح قال: سمعت أبي يحدّث عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أربع خلال إن أعطيتهنّ فلا يضرّك ما عدل به عنك من الدّنيا:

حسن خليقة، وعفاف طعمة، وصدق حديث، وحفظ أمانة.

قال: وبلغني عن وكيع عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الله ابن باباه قال: قال عبد الله بن مسعود: خالطوا الناس وزايلوهم.

عن وكيع عن سفيان عن حبيب بن ميمون قال: قال صعصعة بن صوحان لابن أخيه: إذا لقيت المؤمن فخالطه، وإذا لقيت الفاجر فخالفه، ودينك فلا تكلمنّه.

قال المسيح صلّى الله عليه: كن وسطا وامش جانبا.

وروى أبو معاوية عن الأحوص بن حكيم عن أبي الزاهريّة قال: قال أبو الدّرداء: إنّا لنكشر في وجوه أقوام وإنّ قلوبنا لتلعنهم.

ودخل لبيدة العجليّ على عمر ﵁، فقال له عمر: أقتلت زيدا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد قتلت رجلا يسمّى زيدا، فإن يكن أخاك فهو الذي أكرمه الله بيدي ولم يهنّي به؛ ثم لم ير من عمر بعد ذلك مكروها.

قال محمد بن أبي الفضل الهاشميّ: قلت لأبي: لم تجلس إلى فلان

وقد عرفت عداوته؟ فقال: أخبى نارا وأقدح عن ود. وقال المهاجر بن عبد الله الكلابىّ:

وإنّي لأقصي المرء من غير بغضةوأدنى أخا البغضاء منّي على عمد
ليحدث ودّا بعد بغضاء أو أرىله مصرعا يردي به الله من يردي

وقال عقال بن شبّة: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل فحيّاه أبي وألطفه؛ فلمّا مضى قلت: أبعد ما قال لنا ما قال! قال: يا بنيّ، أفأوسّع جرحي!.

قال ابن الحنفيّة: قد يدفع باحتمال مكروه ما هو أعظم منه.

قال الحسن: حسن السؤال نصف العلم، ومداراة الناس نصف العقل، والقصد في المعيشة نصف المؤونة.

مدح ابن شهاب شاعر فأعطاه، وقال: من ابتغى الخير اتقى الشرّ.

وفي الحديث المرفوع: «أوّل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن».

وقال: «إنّ حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار».

وقال: «من حسّن الله خلقه وخلقه كان من أهل الجنة».

قال الشاعر:

فتى إذا نبّهته لم يغضبأبيض بسّام وإن لم يعجب
موكّل النفس بحفظ الغيّبأقصى رفيقيه له كالأجنب

وقرأت في كتب العجم: حسن الخلق خير قرين، والأدب خير ميراث، والتّوفيق خير قائد.

وقالت عائشة ﵂: ما تبالي المرأة إذا نزلت بين بيتن من الأنصار صالحين ألّا تنزل من أبويها.

وقال جعفر بن محمد: حسن الجوار عمارة للدار، وصدقة السرّ مثراة للمال.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ثلاثة من قريش أحسنها أخلاقا وأصبحها وجوها وأشدّها حياء، إن حدّثوك لم يكذبوك، وإن حدّثتهم بحقّ أو باطل لم يكذّبوك: أبو بكر الصدّيق، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وعثمان بن عفّان ﵃.

وقال يزيد بن الطّثريّة:

وأبيض مثل السيف خادم رفقةأشمّ ترى سربا له قد تقدّدا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «وأبيض مثل السيف خادم رفقة»
كريم على علّاته لو تسبّهلفدّاك رسلا لا تراه مربّدا
يجيب بلبّيه إذا ما دعوتهويحسب ما يدعى له الدهر أرشدا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «وأبيض مثل السيف خادم رفقة»

وقرأت في كتاب للهند: من تزوّد خمسا بلّغته وآنسته: كفّ الأذى، وحسن الخلق، ومجانبة الرّيب، والنبل في العمل، وحسن الأدب.

وقال المرّار في مداراة القرابة:

ألا إنّما المولى كعظم جبرتهفلا يخرق المولى ولا جابر العظم

وقال آخر في مداراة الناس:

وأنزلني طول النّوى دار غربةإذا شئت لاقيت امرا لا أشاكله
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «وأنزلني طول النوى دار غربة»
فحامقته حتى يقال سجيّةولو كان ذا عقل لكنت أعاقله

وقال بشار:

خليليّ إنّ العسر سوف يفيقوإنّ يسارا في غد لخليق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليلي إن العسر سوف يفيق»
وما أنا إلّا كالزمان إذا صحاصحوت وإن ماق الزّمان أموق
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.