تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

كلام من كلام الزّهّاد

حدّثنا حسين بن حسن المروزيّ قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال:

أخبرنا عبد الله بن عبد العزيز قال:

قال عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية لرجل: يا فلان، هل أنت على حال أنت فيها مستعدّ للموت؟ قال: لا؛ قال: فهل أنت مجمع على التحوّل إلى حال ترضى بها؟ قال: ما شخصت نفسي لذلك؛ قال: فهل بعد

الموت دار فيها مستعتب؟ قال: لا، قال: فهل تأمن الموت أن يأتيك؟ قال:

لا؛ قال فهل رضي بمثل هذا الحال عاقل؟.

حدثنا حسين قال: حدّثنا عبد الله بن مبارك قال: حدّثني غير واحد عن معاوية بن قرّة قال:

قال أبو الدرداء: أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث: أضحكني مؤمّل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أراض الله عنه أم ساخط عليه. وأبكاني فراق الأحبّة: محمد وحزبه، وهول المطّلع، والوقوف بين يدي الله يوم تبدو السرائر، ثم لا أدري إلى الجنة أو إلى النار.

كان عبد الله بن ثعلبة الحنفيّ يقول: تضحك ولعل أكفانك قد خرجت من القصّار. قال: وقال الفضيل: أصل الزهد الرضا عن الله، وقال: ألا تراه كيف يزويها عنه ويمرمرها عليه بالعري مرة وبالجوع مرة وبالحاجة مرة، كما تصنع الوالدة الشفيقة بولدها: تسقيه مرّة صبرا ومرة حضضا، وإنما تريد بذلك ما هو خير له.

وقال السريّ: ليس من أعلام الحبّ أن تحبّ ما يبغضه حبيبك. أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: أمّا زهدك في الدنيا فتعجّلك الراحة لنفسك، وأمّا انقطاعك إليّ فتعزّزك بي، ولكن هل عاديت لي عدوّا أو واليت لي وليّا؟

قال مالك بن دينار: بلغنا أن حبرا من أحبار بني إسرائيل كان يغشاه الرجال والنساء، فغمز بعض بنيه النساء، فرآهم فقال: مهلا يا بنيّ مهلا! قال: فسقط عن سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل بنوه في الجيوش. وقيل له: ما يكون من جنسك حبر أبدا، ما كان غضبك لي إلا أن قلت يا بنيّ مهلا يا بنيّ مهلا.

ضمرة بن ربيعة قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: ارض بالله صاحبا ودع الناس جانبا.

كان بشر بن الحارث يقول: أربعة رفعهم الله بغير كبير عمل في الظّاهر إلا بطيب المطعم: إبراهيم بن أدهم وسالم الخوّاص ووهيب المكّي ويوسف ابن أسباط.

وحدّثني أبو حاتم أو غيره عن العتبيّ قال: سمعت ابن عيينة يقول:

أربع ليس عليك في واحدة منهنّ حساب: سدّ الجوعة، وبرد العطشة، وستر العورة، والاستكنان؛ ثم تلا: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى

بلغني عن يعلى عن سفيان: قال عليّ ﵇ لرجل: كيف أنتم؟

قال: نرجو ونخاف؛ قال: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه، ما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يدعها لما يخاف؟ وما أدري ما رجاء رجل نزل به بلاء فلم يصبر عليه لما يرجو؟.

بلغني عن عيسى بن يونس عن الأوزاعيّ عن مكحول قال: إن كان

الفضل في الجماعة فإن السلامة في العزلة. وبلغ الفضيل هذا فقال: سمعتم كلاما أحسن منه! قال ابن المبارك: ركبت مع محمد بن النّضر الحارثيّ السفينة فقلت:

بأيّ شيء أستخرج منه الكلام؟ فقلت: ما تقول في الصوم في السفر؟ فقال:

إنما هي المبادرة؛ فجاءني والله بفتوى غير فتوى إبراهيم والشّعبيّ.

حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله عن الأصمعيّ قال: قيل لأبي حازم: ما مالك؟ فقال: الثقة بما في يد الله واليأس مما في أيدي الناس. وقال أبو حازم: إنه ليس شيء من الدنيا إلا وقد كان له أهل قبلكم، فآثر نفسك أيها المرء بالنصيحة على ولدك، واعلم إنما تخلف مالك في يد أحد رجلين:

عامل فيه بمعصيه الله فتشقى بما جمعت له، وعامل فيه بطاعة الله فتسعد بما شقيت له؛ فارج لمن قدّمت منهم رحمة الله، وثق لمن خلّقت منهم برزق الله.

وقال أبو حازم: إن كنت إنما تريد من الدنيا ما يكفيك ففي أدناها ما يكفيك، وإن كنت لا ترضى منها بما يكفيك فليس فيها شيء يغنيك.

ونظر أبو حازم إلى الفاكهة في السوق فقال: موعدك الجنّة. ومرّ بالجزّارين فقال له رجل منهم: يا أبا حازم، هذا سمين فاشتر منه؛ قال: ليس عندي ثمنه؛ قال: أنا أنظرك؛ ففكّر ساعة ثم قال: أنا أنظر نفسي.

قال سفيان: حلف أبو حازم لجلسائه: إني لأرضى أن يبقى أحدكم على دينه كما يبقى على نعله.

حدّثني محمد بن زياد الزياديّ قال: حدّثنا عيسى بن يونس عن عبد الله ابن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ:

«الصحّة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس».

حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا أبو ربيعة فهد بن عون عن حمّاد بن سلمة عن يعقوب قال: سمعت الحسن يقول: ابن آدم، إنما أنت عدد، فإذا مضى يوم فقد مضى بعضك.

وروى عبد الله بن بكر بن حبيب السّهميّ عن الحسن بن ذكوان رفع الحديث إلى النبي ﷺ قال: «أوصاني ربّي بتسع خصال وإني موصيكم بها:

بالإخلاص في السرّ والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وأن أعفو عمّن ظلمني، وأصل من قطعني وأعطي من حرمني، وأن يكون صمتي تفكّرا، ومنطقي ذكرا، ونظري عبرا».

مسلم بن إبراهيم عن حمّاد بن سلمة عن حميد قال: كان ابن عمر يقول: البرّ شيء هيّن: وجه طليق وكلام ليّن.

جعفر بن سليمان قال: سمعت مالكا يقول: اتّقوا السّحّارة، فإنها تسحر قلوب العلماء. قال: وسمعته يقول: وددت أنّ رزقي في حصاة أمصّها حتى أموت، ولقد اختلفت إلى الخلاء حتى استحييت من ربّي.

بشر بن مصلح عن أبي سعيد المصّيصيّ عن أسد بن موسى قال: في الجوع ثلاث خلال: حياة القلب، ومذلّة النفس، ويورث العقل الدقيق السماويّ.

سالم بن سالم البلخيّ عن السريّ بن يحيى قال: كان الحسن إذا عاد مريضا لم ننتفع به يوما وليلة، وإذا شيّع جنازة لم ينتفع به أهله وولده وإخوانه ثلاثا.

خلف بن تميم قال: قال رجل لإبراهيم بن أدهم: يا أبا إسحاق، أحبّ أن تقبل مني هذه الجبّة كسوة؛ قال إبراهيم: إن كنت غنيّا قبلتها منك، وإن

كنت فقيرا لم أقبلها؛ قال: فإني غنيّ؛ قال: كم عندك؟ قال: ألفان؛ قال:

فيسرّك أن تكون أربعة آلاف؟ قال: نعم؛ قال: أنت فقير، لا أقبلها».

قال عبيد الله بن عمر: دخلت أنا ويحيى بن سليمان على الفضيل نعوده؛ فقال: زوّجك وخوّلك وصرف وجوه الناس إليك وأنت تشغلك عنه من أنت وما أنت! ثم شهق شهقة، وأضجعه رجل كان عنده وغطّى عليه ثوبا وهو لا يعقل، ونزلنا.

بكّار بن عبد الله عن إبراهيم بن عبد الله بن مسلم قال:

قال أبو حازم: السّرّ أملك بالعلانية من العلانية بالسرّ، والفعل أملك بالقول من القول بالفعل، فإذا كنت في زمان يرضى فيه من الفعل بالقول ومن العمل بالعلم، فأنت في شرّ زمان وشرّ أناس.

ابن أبي الحواريّ قال: ذكرت لأبي سليمان امرأتي والشغل بها، فقال:

إن علم الله من قلبك أنك تريد الفراغ له فرّغك، وإن كنت إنما تريد الراحة منها لتستبدل بها، فهذه حماقة. قال: ورأيته حين أراد الإحرام فلم يلبّ حتى سرنا مليّا وأخذه كالغشي وجعل رأسه عند ركبته فجعل محمله يخفّ ومحملي يثقل حتى سرنا هويّا، ثم أفاق فقال: يا أحمد، بلغني أن الله ﵎ أوحى إلى موسى ﵇ «يا موسى مر ظلمة بني إسرائيل أن يقلّوا من ذكري، فإني أذكر من ذكرني منهم بلعنة حتى يسكت». ويحك يا أحمد بلغني أنه من حجّ من غير حلّه ثم لبّى، قال له ﵎: لا لبّيك ولا سعديك حتى تردّ ما في يديك؛ فما يؤمّننا أن يقال لنا ذلك. قال: وقال أبو سليمان:

يجيئك وأنت في شيء من الخير فيشير لك إلى شيء من الخير دونه ليربح عليك شعيرة؛ يعني إبليس.

قال المسيح لأصحابه: بحق أقول لكم، إنّ من طلب الفردوس فخبز الشعير له والنوم في المزابل مع الكلاب كثير.

مسلم بن إبراهيم عن عمرو بن حمزة عن داود بن أبي هند عن مكحول قال: كنا أجنّة في بطون أمّهاتنا فسقط من سقط وكنا فيمن بقي، ثم كنا مراضع فهلك منا من هلك وبقي من بقي، وكنا أيفاعا، وذكر مثل ذلك، ثم صرنا شبّانا، وذكر مثل ذلك، ثم صرنا شيوخا لا أبا لك فما ننتظر وما نريد! وهل بقيت حالة ننتقل إليها.

قال: وقال مكحول: الجنين في بطن أمّه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتمّ، فيأتيه الله برزقه من قبل سرّته، وغذاؤه في بطن أمه في دم حيضها، فمن ثمّ لا تحيض الحامل، فإذا سقط استهلّ استهلالة إنكارا لمكانه، وقطعت سرّته وحوّل الله رزقه إلى ثدي أمه ثم حوّله إلى الشيء يصنع له ويتناوله بكفّه، حتى إذا اشتدّ وعقل قال: أين لي بالرزق؟ يا ويحك! أنت في بطن أمك وفي حجرها ترزق حتى إذا عقلت وشببت قلت: هو الموت أو القتل وأين لي بالرزق؟ ثم قرأ: يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ

عبد الملك بن عبد العزيز قال: كان محمد بن النّضر الحارثيّ إذا لم يكن في صلاة استقبل القبلة، فقعدنا إليه بعد العصر فقال: بلغني أنه من

قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، ألف مرة في دبر صلاة العصر، رفع له عمل نبيّ؛ ثم قال: قد أكثرت الكلام.

وقال سعيد بن عمر الكنديّ: دخل رجل على داود وهو يأكل خبزا يابسا قد بلّه في الماء بملح جريش، فقال له: كيف تشتهي هذا؟ قال: أدعه حتّى أشتهيه. ونحو هذا قول هشام بن عبد الملك لسالم: ما أدمك ؟ قال:

الزيت؛ قال: أما تأجمه ؟ قال: إذا أجمته تركته حتى أشتهيه. قال: وكان ماء داود في دنّ مقيّر في الصّيف والشتاء، فقال له بعض أصحابه: لو برّدت الماء! فقال داود: إذا أصبت في مثل هذا اليوم ماء باردا فمتى تحبّ الموت؟.

سعيد بن عمرو عن رجل قال: قال محمد بن واسع: لو كان للذنوب ريح ما جلس إليّ منكم اثنان. وقال محمد بن واسع: لا يطيب المال إلا من أربع: سهم في فيء المسلمين، أو عطيّة عن ظهر يد، أو إرث بكتاب الله، أو تجارة من حلال؛ ولا يقتل مسلم إلا بهذه الخصال: كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل فيقتل، أو حارب الله ورسوله وقطع الطريق.

قال سليمان بن المغير: سمعت ثابتا يقول: والله لحمل الكارات أهون من العبادة. قال: ولا يسمّى الرجل عابدا وإن كانت فيه خصلة من كلّ خير حتى يكون فيه الصوم والصلاة، فإنهما من لحمه ودمه.

أبو نعيم عن الأعمش عن يزيد بن حيّان قال: كان عيسى بن عقبة يسجد حتى أنّ العصافير ليقعن على ظهره وينزلن، ما يحسبنه إلّا جرم حائط.

حدّثني محمد بن داود عن عبد الصمد بن يزيد قال: شكا أهل مكة إلى الفضيل القحط؛ فقال: أمدبّرا غير الله تريدون؟. قال: وسمعته يقول:

استخيروا الله ولا تخيّروا عليه، فكم من عبد تخيّر لنفسه أمرا كان هلاكه فيه! أما رأيتموه سأل ربّه طرسوس فأعطيها فأسر فصار نصرانيا؟.

وحدثني أيضا عن سعيد بن نصير قال: قال وكيع: أبو يونس، ومن أبو يونس؟ بكى حتى عمي، وطاف حتى أقعد، وصلّى حتى حدب.

حدّثني محمد بن عبيد قال: محمد بن عبد الله الأنصاريّ عن بهز بن حكيم قال: صلّى بنا زرارة بن أوفى الغداة، فقرأ الإمام: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ

، فخر مغشيّا عليه، فحملناه ميتّا.

ابن أبي الحواريّ قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: الصلاة تبلّغك نصف الطريق، والصوم يبلّغك باب الملك، والصّدقة تدخلك عليه.

ذكر أبو حنيفة ﵀ أيوب فقال: ﵀ ثلاثا- لقد قدم المدينة

مرّة وأنا بها، فقلت: لأقعدنّ له، لعليّ أتعلّق عليه بسقطة، فقام من القبر مقاما ما ذكرته قطّ إلا اقشعرّ جلدي.

روى ابن عيّاش عن سعيد بن أبي عروبة قال: حجّ الحجّاج فنزل بعض المياه ودعا بالغداء، فقال لحاجبه: انظر من يتغدّى معي واسأله عن بعض الأمر؛ فنظر الحاجب فإذا هو بأعرابيّ بين شملتين من شعر نائم، فضربه برجله وقال: ائت الأمير فأتاه؛ فقال له الحجاج: اغسل يدك وتغدّ معي؛ قال:

إنه دعاني من هو خير منك فأجبته؛ فقال له الحجاج: من الذي دعاك؟. قال:

الله تعالى دعاني إلى الصوم فصمت؛ قال: في هذا اليوم الحارّ؟ قال: نعم، صمت ليوم أحرّ منه؛ قال: فأفطر وتصوم غدا؛ قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد؛ قال: ليس ذاك إليّ؛ قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه؛ قال: إنه طعام طيّب؛ قال: إنك لم تطيّبه ولا الخبّاز، ولكن طيّبته العافية.

ونحو هذا حدّث الأصمعيّ عن شبيب بن شيبة قال: كنّا في طريق مكة فجاء أعرابيّ في يوم صائف شديد الحرّ ومعه جارية سوداء وصحيفة، فقال:

أفيكم كاتب؟ قلنا: نعم؛ وحضر غداؤنا فقلنا: لو دخلت أصبت من الطعام! قال: إني صائم؛ قلنا: في الحرّ وشدّته وجفاء البادية؟ فقال: إن الدنيا كانت ولم أكن فيها، وستكون ولا أكون فيها، ولا أحبّ أن أغبن أيّامي، ثم نبذ إلينا الصحيفة، وقال: اكتب ولا تزيدنّ على ما أقول حرفا: هذا ما أعتق عبد الله ابن عقيل الكلابيّ، أعتق جارية له سوداء يقال لها لؤلؤة، ابتغاء وجه الله تعالى وجواز العقبة، وإنه لا سبيل له عليها إلا سبيل الولاء، المنّة لله عليها وعليه واحدة. قال الأصمعيّ: فحدّثت بها الرشيد، فأمر أن يعتق عنه ألف نسمة أو مائة نسمة، ويكتب لهم هذا الكتاب.

قال خالد بن صفوان: بتّ أتمنّى ليلتي كلّها، فكبست البحر الأخضر بالذهب الأحمر، فإذا الذي يكفيني من ذاك رغيفان وكوزان وطمران!.

رأى رجل رجلا من ولد معاوية يعمل على بعير له، فقال: هذا بعد ما كنتم فيه من الدنيا! فقال: رحمك الله، ما فقدنا إلا الفضول.

سمعت بعض العبّاد يقول: علامة التّوبة الخروج من الجهل، والنّدم على الذنب، والتّجافي عن الشهوة، واعتقاد مقت نفسك المسوّلة، وإخراج المظلمة، وإصلاح الكسرة، وترك الكذب، وقطع الغيبة، والانتهاء عن خدن السّوء.

لقي زاهد زاهدا فقال له: يا أخي، إني لأحبّك في الله؛ قال الآخر: لو علمت منّي ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله؛ قال له الأوّل: لو علمت منك ما تعلم من نفسك، لكان لي فيما أعلم من نفسي شغل عن بغضك.

كان الثّوريّ مستخفيا بالبصرة، فورد عليه كتاب من أهله، وفيه: قد بلغ بنا الجهد إلى أن نأخذ النّوى فنرضّه ثم نخلطه مع التبن فنأكله؛ فحرّك ذلك من قلبه، ورمى بالكتاب إلى أخ له؛ فقرأه فدمعت عينه، ثم قال: يا أبا عبد الله، لو أنّك حدّثت الناس اتّسعت واتّسع هؤلاء! فأطرق مليّا ثم رفع رأسه وقال: اسمع حديثا أحدّثك به ثم لا أكلّمك بعده سنة؛ رئي نور في الجنّة تجدّد، فقيل: ما هذا النور؟ فقيل: حوراء ضحكت في وجه زوجها فبدت ثناياها؛ فترى لي أن أغرّر بتلك وأصير إلى ما تقول!.

أراد قوم سفرا فحادوا عن الطريق وانتهوا إلى راهب منفرد في ناحية،

فنادوه فأشرف عليهم، فقالوا: إنا قد ضللنا فكيف الطريق؟ قال لهم: ها هنا، وأومأ إلى السماء، فعلموا الذي أراد، فقالوا: إنا سائلوك، أفتجيبنا أنت؟ قال:

سلوا ولا تكثروا، فإنّ النهار لن يرجع والعمر لن يعود والطالب حثيث في طلبه ذو اجتهاد؛ قالوا: ما الخلق عليه غدا عند مليكهم؟ فقال: على نيّاتهم؛ فقالوا: فإلام الموئل؟ قال: إلى المقدّم؛ قالوا: أوصنا؛ قال: تزوّدوا على قدر سفركم، فإنّ خير الزاد ما بلّغ المحلّ؛ ثم أرشدهم إلى المحجّة وانقمع.

وقال آخر: قلت لراهب: عظني عظة نافعة؛ فقال: جميع المواعظ منتظمة في حرف واحد؛ قلت: ما هو؟ قال: تجمع على طاعته، فإذا أنت قد حويت المواعظ والأذكار.

الأصمعيّ: قيل لأعرابيّ معه ماشية: لمن هذه الماشية؟ قال: لله عندي.

كان ابن السماك يقول في كلامه: لقد أمهلكم حتى كأنه أهملكم، أما تستحيون من الله من طول ما لا تستحيون؟.

قال بكر بن عبد الله: اجتهدوا في العمل، فإن قصّر بكم ضعف فكفّوا عن المعاصي.

كان مالك بن دينار يقول في قصصه: ما أشدّ فطام الكبير ! وينشد:

وتروض عرسك بعد ما هرمتومن العناء رياضة الهرم

كان أعرابيّ يسرق الإبل يسمّى يزيد، ثم تاب وقال:

ألا قل لرعيان المخائض أهملوافقد تاب، مما تعلمون، يزيد
وإنّ امرأ ينجو من النار بعد ماتزوّد من أعمالها لسعيد
للشاعر يزيد بن الصقيل العُقَيلي، اقرأ القصيدة

وقال نصيح الأسديّ:

كفى نطفا بالمرء يا أمّ صالحركوب المعاصي عامدا واحتقارها

كان خالد بن معدان يقول:

إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداندمت على التفريط في زمن البذر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «صبرت وكان الصبر مني سجية»

قال منصور بن عمّار: ما أرى إساءة تكبر عن عفو الله فلا تأيس، ربما أخذ الله على الصغير فلا تأمن.

وروى وكيع عن إبراهيم بن إسماعيل عن عتيبة بن سمعان عن مسيكة عن عائشة ﵂ أنها أتت رسول الله ﷺ بصفحة فيها خبز شعير

وقطعة من الكرش، فقالت: يا رسول الله، ذبحنا اليوم شاة فما أمسكنا منها إلا هذا؛ قال: بل كلّها أمسكتم إلا هذا.

استقبل عامر بن عبد قيس رجل في يوم حلبة، فقال: من سبق يا شيخ؟

فقال: المقرّبون. وأتي به عثمان أقعد في دهليزه، فلما خرج رأى شيخا ثطا في عباءة، فأنكر مكانه، فقال: يا أعرابيّ، أين ربّك؟ قال: بالمرصاد.

قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: ما بالنا نكره الموت؟ قال:

لأنكم عمرتم الدنيا وأخربتم الآخرة، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.

قال الحسن نعم الله أكثر من أن تشكر إلا ما أعان عليه، وذنوب ابن آدم أكثر من أن يسلم منها إلا ما عفا الله عنه.

وقال الحسن: تتفق دينك في شهوتك سرفا، وتمنع في حق الله درهما، ستعلم يا لكع.

خرج المسيح من بيت مومسة، فقيل له: يا روح الله، ما تصنع عند هذه؟

فقال: إنما يأتي الطبيب إلى المرضى. ومرّ بقوم شتموه فقال خيرا، ومرّ بآخرين شتموه فقال خيرا؛ فقال رجل من الحواريّين: كلما زادوك شرّا زدت خيرا، كأنك تغريهم بنفسك! فقال: كل إنسان يعطي مما عنده.

أخبر أبو حازم سليمان بن عبد الملك بوعيد الله للمذنبين؛ فقال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين.

قال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب: عظني: فقال: لا أرضى نفسي لك، إني لأصلّي بين الغنيّ والفقير، فأميل على الفقير وأوسّع للغنيّ.

نظرت امرأة إلى أخرى وحولها عشرة من ولدها كأنهم الصقور، فقالت:

لقد ولدت أمّكم حزنا طويلا.

أحتضر فتى كان فيه زهو، فرفع رأسه فإذا أبواه يبكيان، فقال لهما: ما يبكيكما؟ قالا: الخوف عليك لإسرافك على نفسك؛ فقال: لا تبكيا، فوالله ما يسرّني أنّ الذي بيد الله من الرحمة بأيديكما.

قال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: يا ابن آدم، لا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه، فإن يك من أجلك يأت فيه رزقك، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك إلا كنت فيه خازنا لغيرك. قال النابغة في نحوه:

ولست بحابس لغد طعاماحذار غد لكلّ غد طعام

تذاكر حذيفة وسلمان أمر الدّنيا، فقال سلمان: ومن أعجب ما تذاكرنا صعود غنيمات الغامديّ سرير كسرى، وكان أعرابيّ من غامد يرعى شويهات له، فإذا كان الليل صيّرها إلى عرصة إيوان كسرى، وفي العرصه سرير رخام كان يجلس عليه كسرى، فتصعد غنيمات الغامديّ إلى ذلك السرير.

دخل أبو حازم المسجد فوسوس إليه الشيطان: إنك قد أحدثت بعد

وضوئك، فقال: وقد بلغ هذا من نصحك!.

قال الزبير: يكفينا من خضمكم القضم، ومن نصّكم العنق. قال رجل لأمّ الدّرداء: إني لأجد في قلبي داء لا أجد له دواء، أجد قسوة شديدة وأملا بعيدا؛ قال: اطلع في القبور واشهد الموتى.

قيل للربيع بن خيثم: لو أرحت نفسك! قال: راحتها أريد.

قال رجل من الصالحين: لو أنزل الله كتابا أنه معذّب رجلا واحدا لخفت أن أكونه، أو أنه راحم رجلا واحدا لرجوت أن أكونه، أو أنه معذّبي لا محالة ما ازددت إلا اجتهادا لئلا أرجع على نفسي بلائمة.

أثنى قوم على عوف بن أبي جميلة، فقال لهم: دعونا من الثّناء، وأمدّونا بالدعاء.

قيل لبعض العبّاد: من شرّ الناس؟ قال: من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا.

قال المسور بن مخرمة: لقد وارت الأرض أقواما لو رأوني معكم لاستحييت منهم.

قال عليّ بن أبي طالب ﵁: عجبت لمن يهلك والنجاة معه؛ قيل: وما هي؟ قال: الإستغفار.

كان فتى يجالس سفيان الثوريّ ولا يتكلّم، وكان سفيان يحب أن يتكلم ليسمع كلامه، فمرّ به يوما فقال له: يا فتى، إنّ من كان قبلنا مرّوا على خيل

وبقينا على حمير دبرة؛ فقال الفتى: يا أبا عبد الله، إن كنّا على الطريق فما أسرع لحقوقنا بالقوم!.

قال الحسن: إن خفق النعال خلف الرجال قلّ ما تلبث الحمقى.

وذكر عنده الذين يلبسون الصوف، فقال: ما لهم تفاقدوا ! - ثلاثا- أكنّوا الكبر في قلوبهم وأظهروا التواضع في لباسهم، والله لأحدهم أشدّ عجبا بكسائه من صاحب المطرف بمطرفه. ودخل عليه رجل فوجد عنده ريح قدر طيّبة، فقال: يا أبا سعيد، إنّ قدرك لطيّبة؛ قال: نعم لا رغيفي مالك وصحناه فرقد.

طلب أبو قلابة للقضاء فلحق بالشام هربا، فأقام حينا ثم قدم البصرة؛ قال أيّوب؛ فقلت له: لو أنك وليت القضاء وعدلت بين الناس رجوت لك في ذلك أجرا؛ قال لي: يا أيوب، إذا وقع السابح في البحر فكم عسى أن يسبح؟.

قالت امرأة أبي حازم يوما له: يا أبا حازم، هذا الشتاء قد هجم ولا بدّ لنا مما يصلحنا فيه، فذكرت الثياب والطعام والحطب؛ فقال: من هذا كله بدّ، ولكن خذي ما لا بدّ منه: الموت ثم البعث ثم الوقوف بين يدي الله تعالى ثم الجنّة أو النار.

قال أبو العتاهية:

أطع الله بجهدكعامدا أو دون جهدك
أعط مولاك كما تطلب من طاعة عبدك
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «اتق الله بجهدك»

وقال أيضا:

أرى أناسا بأدنى الدّين قد قنعواولا أراهم رضوا في العيش بالدّون
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا من ترفع للدنيا وزينتها»
فاستغن بالدّين عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا من ترفع للدنيا وزينتها»

وقال محمد بن حازم:

ما الفقر عار ولا الغنى شرفولا سخاء في طاعة سرف
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
ما لك إلّا شيء تقدّمهوكلّ شيء أخّرته تلف
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
تركك مالا لوارث يتهنناه وتصلى بحرّه أسف
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

وقال أبو العتاهية:

ألا إنما التّقوى هي العزّ والكرموحبّك للدنيا هو الذّلّ والندم
وليس على عبد تقيّ نقيصةإذا صحّح التقوى وإن حاك أو حجم
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا إنما التقوى هو العز والكرم»

قال عليّ بن الحسين: الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.

قيل لابن سيرين: ما أشدّ الورع! قال: ما أيسره! إذا شككت في شيء فدعه.

قال رجل لحذيفة: أخشى أن أكون منافقا؛ فقال لو كنت منافقا لم تخش.

وقال محمود الورّاق:

يا ناظرا يرنو بعيني راقدومشاهدا للأمر غير مشاهد
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا ناظرا يرنو بعيني راقد»
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجيدرك الجنان بها وفوز العابد
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا ناظرا يرنو بعيني راقد»
ونسيت أنّ الله أخرج آدمامنها إلى الدنيا بذنب واحد
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا ناظرا يرنو بعيني راقد»

وقال وضّاح اليمن:

مالك، وضّاح، دائم الغزلألست تخشى تقارب الأجل
للشاعر وضاح اليمن، من قصيدة «مالك وضاح دائم الغزل»
يا موت، ما إن تزال معترضالآمل دون منتهى الأمل
للشاعر وضاح اليمن، من قصيدة «مالك وضاح دائم الغزل»
تنال كفّاك كلّ مسهلةوحوت بحر ومعقل الوعل
للشاعر وضاح اليمن، من قصيدة «مالك وضاح دائم الغزل»
صلّ لذي العرش واتّخذ قدماتنجيك بعد العثار والزّلل

قيل ليوسف ﵇: مالك تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال:

أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.

وقال أميّة بن أبي الصّلت:

هما طريقان فائز دخل الجنّة حفّت به حدائقها
وفرقة في الجحيم مع فرق الشّيطان يشقى بها مرافقها
تعرف هذا القلوب حقّا إذاهمّت بخير فما عوائقها
وصدّها للشقاء عن طلب الجنّة دنيا والله ما حقها
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «اقترب الوعد والقلوب إلى»
عبد دعا نفسه فعاتبهايعلم أنّ البصير رامقها
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
إقترب الوعد والقلوب إلىالّلهو وحبّ الحياة سائقها
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «اقترب الوعد والقلوب إلى»
ما رغبة النفس في البقاء وأنتحيا قليلا والموت لا حقها
أمامها قائد إليه ويحدوها حثيثا إليه سائقها
قد أيقنت أنها تصير كماكان يراها بالأمس خالقها
وأنّ ما جمّعت وأعجبهامن عيشة مرّة مفارقها
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «اقترب الوعد والقلوب إلى»
من لم يمت عبطة يمت هرماللموت كأس والمرء ذائقها
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «اقترب الوعد والقلوب إلى»

قال بعض الزهّاد: إنّ صفاء الزهد في الدنيا وكماله ألّا تأخذ من الدنيا شيئا ولا تتركه إلا لله، فإذا كنت كذلك كان أخذك تركا ومعاملتك لله فيها ربحا، وإنّ صفاء الرغبة في الدنيا وكمالها ألّا تأخذ منها شيئا ولا تتركه إلا لها، فإذا كنت كذلك كان تركك أخذا وفوت ما فات عليك منها حسرة.

حبس بعض الملوك رجلا ثم غفل عنه إلى أن مضى عليه زمان؛ فقال للموكّل به: قل له: إنّ كلّ يوم يمضي من نعيمك يمضي من بؤسي، والأمر قريب والحكم الله ﷿. والسلام.

جاء في آخر النسخة الفتوغرافية ما نصه:

تم كتاب الزهد، وهو الكتاب السادس من عيون الأخبار لابن قتيبة ﵀، ويتلوه في الكتاب السابع كتاب الإخوان. والحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلاما على سيدنا محمد النبي وآله أجمعين.

كتبه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد بن علي الواعظ الجزريّ، وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة.

يوجد في النسخة الفتوغرافية عقب هذا الكتاب (كتاب الزهد) بعض قطع شعرية ونثرية في نحو ست صفحات منقول جلها عن العقد، وليست من تأليف ابن قتيبة.

﷽

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.