تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الحث على اتخاذ الاخوان واختيارهم

حدّثنا سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: أخبرنا العجليّ قال بعض الأدباء لابنه: يا بنيّ، إذا دخلت المصر فاستكثر من الصديق فأمّا العدوّ فلا يهمنّك؛ وإياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار.

قال: وبلغني عن الأوزاعيّ عن يحيى بن كثير: أنّ داود النبيّ ﵇ قال لابنه سليمان ﵇: يا بنيّ، لا تستبدلنّ بأخ لك قديم أخا مستفادا ما استقام لك، ولا تستقلّنّ أن يكون لك عدوّ واحد، ولا تستكثرنّ أن يكون لك ألف صديق.

وكان يقال: أعجز الناس من فرّط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم.

وفي الحديث المرفوع: «المرء كثير بأخيه». وأنشد ابن الأعرابيّ:

لعمرك ما مال الفتى بذخيرةولكنّ إخوان الثقات الذخائر

وقال أبو الجرّاح العقيلي: وجدت أعراض الدّنيا وذخائرها بعرض المتالف إلّا ذخيرة الأدب وعقيلة الخلّة، فاستكثروا من الإخوان واستعصموا بعرا الأدب.

وكان يقال: الرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال. وقال الشاعر:

إذا لم يكن للقوم عزّ ولم يكنلهم رجل عند الإمام مكين
فكانوا كأيد أوهن الله بطشهاترى أشملا ليست لهنّ يمين

قال أيوب السّختيانيّ: إذا بلغني موت أخ لي فكأنّما سقط عضو منّي.

وقال القطاميّ: وإذا يصيبك- والحوادث جمّة- حدث حداك إلى أخيك الأوثق وقال آخر:

أخاك أخاك إنّ من لا أخا لهكساع إلى الهيجا بغير سلاح
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أخاك أخاك إن من لا أخا له»
وإنّ ابن عمّ المرء فاعلم جناحهوهل ينهض البازي بغير جناح
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أخاك أخاك إن من لا أخا له»

وقال الثّقفيّ:

من كان ذا عضد يدرك ظلامتهإنّ الذليل الذي ليست له عضد
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «من كان ذا عضد يدرك ظلامته»
تنبو يداه إذا ما قلّ ناصرهويأنف الضّيم إن أثرى له عدد
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

وبغضاء التقيّ أقلّ ضيراوأسلم من مودّة ذي الفسوق
ولن تنفكّ تحسد أو تعادىفأكثر ما استطعت من الصّديق

وكتب الفضل بن سيّار إلى الفضل بن سهل:

يا أبا العباس إني ناصحلك والنصح لذي الودّ كبير
لا تعدّنّ ليوم صالحإنّ إخوانك في الخير كثير
وليكن للشرّ ما أعددتهمإنّ يوم الشرّ صعب قمطرير
هذه السّوق التي آملهايا أبا العباس والعمر قصير

قال المأمون: الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء لا يحتاج إليه إلّا أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا.

قال حدّثني سعيد بن سليمان قال: حدّثنا إسماعيل بن زكريا عن سعيد ابن طريف عن عمير بن المأمون قال: سمعت الحسن بن عليّ يقول: من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب ثماني خصال: آية محكمة، وأخا مستفادا،

وعلما مستطرفا، ورحمة منتظرة، وكلمة تدلّه على هدى أو تردعه عن ردى، وترك الذنوب حياء أو خشية.

قال وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن أبيه قال: كان يقال: الصاحب رقعة في قميص الرجل، فلينظر أحدكم بم يرقع قميصه.

وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن أبيه أنه قال: كان يقال: ما وجدنا شيئا أبلغ في خير أو شرّ من صاحب.

وحدّثني الرياشيّ عن الأصمعيّ قال حدّثنا سليمان بن المغيرة قال: قال يونس: اثنان ما في الأرض أقلّ منهما ولا يزدادان إلا قلّة: درهم يوضع في حقّ، وأخ يسكن إليه في الله.

وحدّثني شيخ لنا عن محمد بن مناذر عن سفيان بن عيينة قال: قال علقمة بن لبيد العطارديّ لابنه: يا بنيّ، إذا نزغتك إلى صحبة الرجال حاجة، فاصحب منهم من إن تحبّه زانك، وإن خدمته صانك، وإن أصابتك خصاصة مانك؛ وإن قلت صدّق قولك، وإن صلت شدّ صولك؛ وإن مددت يدك بفضل مدّها، وإن رأى منك حسنة عدّها؛ وإن سألته أعطاك، وإن سكتّ عنه آبتداك، وإن نزلت بك إحدى الملمّات آساك؛ من لا يأتيك منه

البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق؛ وإن حاول حويلا آمرك، وإن تنازعتما منفسا آثرك.

قال محمد بن كعب القرظيّ لعمر بن عبد العزيز: إنّ فيك عقلا وإنّ فيك جهلا، فداو بعض ما فيك ببعض، وآخ من الإخوان من كان ذا معلاة في الدّين ونيّة في الحقّ، ولا تؤاخ منهم من تكون منزلتك عنده على قدر حاجته إليك، فإذا قضى حاجته منك ذهب ما بينك وبينه. وإذا غرست غراسا من المعروف فلا تبقين أن تحسن تربيته.

وقال الأحنف بن قيس: خير الإخوان من إن استغنيت عنه لم يزدك في المودّة، وإن احتجت إليه لم ينقصك منها، وإن عثرت عضدك، وإن احتجت إلى مؤونته رفدك. وقال الشاعر:

إنّ أخاك الصّدق من لن يدعكومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب زمان صدعكشتّت شمل نفسه ليجمعك

وإن رآك ظالما سعى معك

وقال حجيّة بن المضرّب:

أخوك الذي إن تدعه لملمّةيجبك وإن تغضب إلى السّيف يغضب
للشاعر قراد بن العيار المازني، من قصيدة «إذا المرء لم يغضب له حين يغضب»

وكتب رجلّ إلى صديق له: أنت كما قال أعشى باهلة:

من ليس في خيره منّ فيفسدهعلى الصّديق ولا في صفوه كدر
للشاعر أعشى باهلة، من قصيدة «إني أتتني لسان ما أسر بها»
وليس فيه إذا استنظرته عجلوليس فيه إذا ياسرته عسر
للشاعر أعشى باهلة، من قصيدة «إني أتتني لسان ما أسر بها»

وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه:

أخوك الذي إن أحوجتك ملمّةمن الدّهر لم يبرح لها الدّهر واجما
للشاعر المرقش الأصغر، من قصيدة «ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما»
وليس أخوك الحقّ من إن تشعّبتعليك أمور ظلّ يلحاك لائما

وقال آخر:

إذا كان إخوان الرجال حرارةفأنت الحلال الحلو والبارد العذب
لنا جانب منه دميث وجانبإذا رامه الأعداء مركبه صعب
وتأخذه عند المكارم هزّةكما اهتزّ تحت البارح الغصن الرطب
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

أبكي أخا يتلقّاني بنائلهقبل السؤال ويلقى السّيف من دوني
إنّ المنايا أصابتني مصائبهافاستعجلت بأخ قد كان يكفيني

وقرأت في كتاب للهند: رأس المودّة الاسترسال.

وقال أكثم بن صيفيّ: من تراخى تألّف، ومن تشدّد نفّر، والشرف التغافل. وقال حاتم: العاقل فطن متغافل.

وقرأت في كتاب للهند: من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا ولعدوّ صديقه عدوّا. قال العتّابيّ في ذلك:

تودّ عدوّي ثم تزعم أنّنيصديقك، إنّ الرأي عنك لعازب
للشاعر النابغة الشيباني، من قصيدة «تود عدوي ثم تزعم أنني»
وليس أخي من ودّني رأي عينهولكن أخي من صدّقته المغايب

قيل لبزرجمهر: أخوك أحبّ إليك أم صديقك؟ قال: إنما أحبّ أخي إذا كان صديقا.

وقال بعضهم: إنّ أحبّ إخواني إليّ، من كثرت أياديه عليّ.

وقال رجل في أخ له:

وكنت إذا الشدائد أرهقتنييقوم لها وأقعد لا أقوم

وقال آخر:

أخ طالما سرّني ذكرهفأصبحت أشجى لدى ذكره
وقد كنت أغدو إلى قصرهفأصبحت أغدو إلى قبره
وكنت أراني غنيّا بهعن الناس لو مدّ في عمره
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أخ طالما سرني ذكره»
إذا جئته طالبا حاجةفأمري يجوز على أمره

وصف أعرابيّ رجلا قال: كان والله يتحسّى مرارة الإخوان ويسقيهم عذبه. وقال أعرابي:

أخ لك ما تراه الدّهر إلّاعلى العلّات بسّاما جوادا
سألناه الجزيل فما تلكّاوأعطى فوق منيتنا وزادا
فأحسن ثم أحسن ثم عدنافأحسن ثم عدت له فعادا
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
مرارا لا أعود إليه إلّاتبسّم ضاحكا وثنى الوسادا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.