من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب المحبّة
قال حدّثني أحمد بن الخليل عن محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد عن ثور بن يزيد عن حبيب بن عبيد عن المقدام بن معد يكرب، وكان أدرك النبيّ ﷺ، قال: قال النبيّ ﷺ: «إذا أحبّ أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبّه».
وحدّثني محمد بن داود عن أبي الرّبيع عن حمّاد بن زيد عن ليث عن مجاهد قال: ثلاث يصفين لك ودّ أخيك: أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ أسمائه إليه. وثلاث من العيّ: أن تعيب على الناس ما تأتي، وأن ترى من الناس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تؤذي جليسك فيما لا يعنيك.
وكان يقال: لا يكن حبّك كلفا ولا بغضك تلفا. أي لا تسرف في حبك وبغضك. ونحوه قول الحسن: أحبّوا هونا فإنّ أقواما أفرطوا في حب قوم فهلكوا. وكان يقال: من وجد دون أخيه سترا فلا يهتكه.
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلبا فارغا فتمكّنا
قال عمر بن الخطاب ﵁ لطليحة الأسديّ: قتلت عكّاشة بن محصن! لا يحبّك قلبي! قال: فمعاشرة جميلة يا أمير المؤمنين، فإنّ الناس يتعاشرون على البغضاء.
وكتب رجل إلى صديق له: الشوق إليك وإلى عهد أيامك- التي حسنت بك كأنها أعياد، وقصرت بك حتى كأنها ساعات- يفوت الصفات؛ ومما جدّد الشوق وكثّر دواعيه تصاقب الدار، وقرب الجوار؛ تمم الله لنا النعمة المتجدّدة فيك بالنظر إلى الغرّة المباركة التي لا وحشة معها ولا أنس بعدها.
قال الحسن: المؤمن لا يحيف على من يبغض ولا يأثم فيمن يحبّ.
وقرأت في بعض الكتب: إنه ليبلغ من حسن شفاعة المحبة أنّ الحبيب يسيء فيظنّ به الغلط ويذنب فيحتجّ له بالدّالّة، وذنبه لا يحتمل التأويل ولا مخرج له في جواز العقول.
وفيه: كلّ ذنب إذا شئت أن تنساه نسيته وإن شئت أن تذكره ذكرته، فليس بمخوف. وليس الصغير من الذنب ما صغّره الحبّ، وإنما الصغير ما صغّره العدل. وليس الذنب إلا ما لا يصلح معه القلب ولا يزال حاضرا الدهر، وإلا ما كان من نتاج اللؤم ومن نصيب المعاندة، فأما ما كان من غير ذلك فإنّ الغفران يتغمّده والحرمة تشفع فيه.
وكتب رجل إلى صديق له في فصل من كتاب: لساني رطب بذكرك، ومكانك من قلبي معمور بمحبّتك. ونحوه قول معقل أخي أبى دلف لمخارق:
لعمري لئن قرّت بقربك أعينلقد سخنت بالبين منك عيون
فسر وأقم، وقف عليك مودّتيمكانك من قلبي عليك مصون
وقال رجل لشبيب بن شيبة: والله أحبّك، قال: وما يمنعك من ذلك وما أنت لي بجار ولا أخ ولا قرابة ! يريد أن الحسد موكّل بالأدنى فالأدنى.
قال رجل لشهر بن حوشب؛ إني لأحبّك قال: ولم لا تحبني وأنا أخوك في كتاب الله ووزيرك على دين الله ومؤنتي على غيرك! قال بشار:
هل تعلمين وراء الحبّ منزلةتدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني
وقال غيره:
أحبّك حبّين لي واحدوحبّ لأنك أهل لذاكا
فأمّا الذي أنت أهل لهفحسن فضلت به من سواكا
وأمّا الذي في ضمير الحشافلست أرى الحسن حتى أراكا
وليس لي المنّ في واحدولكن لك المنّ في ذا وذاكا
وقال المسيّب بن علس:
وعين السّخط تبصر كلّ عيبوعين أخي الرّضنا عن ذاك تعمى
ونحوه لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
فلست براء عيب ذي الودّ كلّهولا بغض ما فيه إذا كنت راضيا
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلةولكنّ عين السّخط تبدي المساويا
وقال بعض الخلفاء لرجل: إني لأبغضك؛ قال: يا أمير المؤمنين، إنما يجزع من فقد الحبّ المرأة، ولكن عدل وإنصاف. وقال شريح:
خذي العفو منّي تستديمي مودّتيولا تنطقي في سورتي حين أغضب
فإنّي رأيت الحبّ في الصدر والأذىإذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
وقال أعرابيّ: إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع، ولا يظهر الودّ السليم إلا من القلب المستقيم.
وقال آخر: من جمع لك مع المودّة الصادقة رأيا حازما، فاجمع له مع المحبة الخالصة طاعة لازمة.
قال اليزيديّ: رأيت الخليل بن أحمد فوجدته قاعدا على طنفسة، فأوسع لي فكرهت التضييق عليه؛ فقال: إنه لا يضيق سمّ الخياط على متحابّين ولا تسع الدنيا متباغضين. وقال أبو زبيد للوليد بن عقبة:
من يخنك الصفاء أو يتبدّلأو يزل مثلما تزول الظلال
فاعلمن أنّني أخوك أخو العهد حياتي حتى تزول الجبال
ليس بخل عليك منّي بمالأبدا ما استقلّ سيفا حمال
فلك النّصر باللسان وبالكفّ إذا كان لليدين مصال
كلّ شيء يحتال فيه الرجالغير أن ليس للمنايا احتيال
وقال المنخّل اليشكريّ:
وأحبّها وتجبّنيويحبّ ناقتها بعيري
وذكر أعرابيّ رجلا فقال: والله لكأنّ القلوب والألسن ريضت له، فما تعقد إلا على ودّه، ولا تنطق إلا بحمده قال عبد الله بن الزّبير ذات يوم: والله لوددت أنّ لي بكلّ عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم؛ فقال أبو حاضر: مثلنا ومثلك كما قال الأعشى:
علّقتها عرضا وعلّقت رجلاغيري وعلّق أخرى غيرها الرجل
أحبّك أهل العراق وأحببت أهل الشّام وأحبّ أهل الشآم عبد الملك ابن مروان.
وقال عمر لأبي مريم السّلولي: والله لا أحبّك حتى تحبّ الأرض الدّم؛ قال: فتمنعني لذلك حقّا؟ قال: لا؛ قال: فلا ضير. وقال عمر أيضا لرجل همّ بطلاق امرأته: لم تطلّقها؟ قال: لا أحبّها؛ قال: أو كلّ البيوت بنيت على الحبّ! وأين الرعاية والتذمّم!.
قال أعرابيّ:
أحبّك حبّا ببعضهأصابك من وجد عليّ جنون
لطيف مع الأحشاء أمّا نهارهفسبت وأما ليله فأنين
وكتب رجل إلى صديق له: الله يعلم أنّني أحبّك لنفسك فوق محبتّي إياك لنفسي، ولو أني خيّرت بين أمرين: أحدهما لي وعليك والآخر لك وعليّ، لأثرت المروءة وحسن الأحدوثة بإيثار حظّك على حظّي؛ وإنّي أحبّ وأبغض لك، وأوالي وأعادي فيك.
وقال بعضهم: هوّن فقد يفرط الحبّ فيقتل ويفرط الغمّ فيقتل ويفرط السرور فيقتل؛ وينفتح القلب للسرور، ويضيق وينضمّ للحزن والحبّ.
وقالوا: العشق اسم لما فضل عن المحبة. وقال بعضهم: العشق مرض قلب ضعف. وقال بعض الشعراء:
فتمّ على معشوقة لا يزيدهاإليه بلاء السّوء إلّا تحبّبا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع