تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

الحدّ الأوّل في العقل والعلم والجهل وما يتعلّق بها (٥)

وقيل: إياك والخطبة فإنها مشوار كثير العثار. وقيل: لا يقدم على الخطبة إلا فائق أو مائق.

وقال عبد الله القسري: هو مقام لا يقومه إلا أهوج أو قليل الحياء.

وقال عمر ﵁: لا يتصعّدني شيء كما تتصعدني خطبة النكاح. وقيل: إنما صعب عليه لقرب الوجوه من الوجوه ومن صعد المنبر رأى نفسه أرفع فيكون أجسر.

وقيل أنه لا يجد من تزكية الخاطب بدا فلذلك كرهه.

من اعتذر بخرافة أو نادرة: حضر عبد الله بن عامر على منبر البصرة فاشتد جزعه فقيل: إن هذا مقام صعب فامتحن فيه غيرك. فأمر وازع بن مسعود أن يصعد ويخطب فلما ابتدأ الكلام حصر، فقال:

لا أدري ما أقول لكم، ولكنني أشهدكم أن امرأتي طالق فهي التي أكرهتني على حضور الصلاة. ثم أمر آخر فصعد المنبر فارتج ونظر إلى الصلع فقال: اللهمّ العن هذه الصلعة.

وصعد عتاب بن ورقاء منبر أصبهان يوم النحر، فحضر فقال: لا أجمع عليكم عيّا وبخلا، ادخلوا سوق الغنم، فمن أخذ منكم شاة فهي له وعليّ ثمنها.

الأمر بالإغضاء عنه لئلا يدهش: صعد أعرابي المنبر فلما رأى الناس يرمقونه صعب عليه الكلام، فقال: رحم الله عبدا قصر من لفظه ورشق الأرض بلحظه ووعى القول بحفظه. وصعد روح بن حاتم المنبر، فلما رفع الناس أبصارهم قال لهم: نكّسوا رؤوسكم وغضّوا أبصاركم، فإن أول مركب صعب.

وصف خطيب مصقع طلحة:

ركوب المنابر وثّابهامعنّ بخطبته مصقع

وقال قيس بن عاصم:

خطباء حين يقول قائلهمبيض الوجوه مصاقع لسن
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

يرمون بالخطب الطوال وتارةوحي الملاحظ خيفة الرقباء
للشاعر أبو دؤاد ابن حريز الإيادي، اقرأ القصيدة

جماعة من مشاهير الخطباء: منهم قيّس بن ساعدة، ولقيط بن معبد، وزيد بن جندب، وصعصعة بن صوحان، وقطري بن الفجاءة، وعمران بن حطان.

وتكلّمت الخطباء يوما عند معاوية ﵁ فقال: والله لأرمينّهم بالخطيب الأشدق. قم يا زيد فتكلم.

ومن الخطباء القدماء: كعب بن لؤي، وكان يخطب على العرب كافّة. فلّما مات أكبروا موته، وأرّخوا بموته إلى عام الفيل.

ومن خطباء اليمن حمير بن الصباح وكان المفضل بن عيسى الرقاشيّ من أخطب الناس، وكان متكلما قاصّا يقعد إليه عمرو بن عبيد.

المعتذر بعجزه عن الخطبة: قال كعب الأسدي:

فإن لا أكن في الأرض أخطب قائمافإنّي على ظهر الكميت خطيب
للشاعر كعب بن معدان الأشقري، اقرأ القصيدة

وقال لبيد:

إذا اقتسم النّاس فضل الفخارأطلنا على الأرض ميل العصا
للشاعر لبيد بن ربيعة، اقرأ القصيدة

وله:

ما إن أهاب إذا السرادق غمّهقرع القسيّ وأرعش الرعديد
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «قضي الأمور وأنجز الموعود»

ومن السنة أن يتناول الخطيب سيفا أو قوسا يمسك به نفسه، وقد تقدّم شيء من هذا الباب.

ذمّ خطيب: قال وائلة الدوسيّ:

لقد صبرت للذلّ أعواد منبريقوم عليها في يديك خطيب
بكى المنبر الشرقيّ لما علوتهوكادت مسامير الحديد تذوب

وقال منصور بن ماذان:

أقول غداة العيد والقوم شهدومنبرنا عالي البناء رفيع
لعمري لأن أضحى رفيعا فإنّهلمن يرتقي أعواده لوضيع

وقال آخر:

سلي ببهر والتفات وسعلةومسحة عثنون وفتل الأصابع

وقال المصيصي في خطيب:

ينشي لنا كلّ جمعة عظةيشلي علينا بها الشياطينا
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة

من غيّر حرفا من القرآن فأتى بنادرة لمّا روجع: قال الحجّاج لامرأة من الخوارج اقرئي شيئا من القرآن فقرأت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً

فقال: ويحك يدخلون، قالت: قد دخلوا وأنت تخرجهم.

وقرأ أعرابي: إنا بعثنا نوحا إلى قومه. فقيل: إنما هو أرسلنا، فقال ما بينهما إلا لجاجك. وقرأ آخر: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

فقالوا له: قد غيرت فقال:

خذوا أنف هرشى أو قفاها فإنّهكلا جانبي هرشى لهنّ طريق

بعض ما جعلته العرب قرآنا: قرأ أعرابي في صلاته: الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب طويل ومشفروئيل وإنه من خلق ربنا لقليل، الله أكبر.

وقرأ آخر:

ويوسف إذ دلّاه أولاد علّةفاصبح في قعر الركيّة ثاويا

وصلّى آخر بقوم فقرأ:

أفلح من هينم في صلاتهوأخرج الواجب من زكاته

وأطعم المسكين من مخلاته

فضحك القوم فالتفت إليهم وقال: أشهد أني أخذته من في مسيلمة.

وشهد أعرابي عند أمير فقال المشهود عليه كيف تقبل شهادته وهو لا يحسن شيئا من القرآن فالتفت إليه، وقال اقرأ، فقال:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنابنوهن أبناء الرجال الاباعد

فقال الأمير أنها آية محكمة، فقال المشهود عليه: ما أراه تعلّم هذه الآية إلا الساعة.

من ذكر مثلا فاعتقد أنّه من القرآن: خطب أبو الفرزدق فقال: قال الله تعالى: لن يعجز القوم إذا تعاونوا. وخطب عتاب بن ورقاء فقال: إن الله تعالى يقول: إنما يتفاضل الناس بأعمالهم. فقيل: ليس هذا قرآنا فقال: ما أظنها إلا آية.

وقال بعض الناس: ما أحسن ما قال الله تعالى: اقتلوا السفلة حيث وجدتموهم.

فقيل: ليس هذا بقرآن، فقال: ألحقوها به فإنها آية حسنة.

وغضب أبو عبّاد الكاتب على بعض كتّابه فرماه بدواة فبلغ المأمون، فقال له: لم فعلت ذلك؟ فقال: أنا ممّن قال الله تعالى فيه: وإذا ما غضبوا هم يستغفرون فقال: ويلك لا تحسن آية فقال: نعم إني أقرأ من سورة ألف آية.

ذمّ من قبح قراءته: قرأ رجل بحضرة الصاحب ﵀: و «العاديات» بأقبح قراءة فتناوم الصاحب تبرما به، فضرط القارىء ضرطة، ففتح الصاحب عينيه وقال: نوّمتني بالعاديات ونبّهتني ب «المرسلات».

وقال المصيصي:

نحن في أنكر عيشمن قراءة ابن حبيش
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
يقرأ الحمد فتى فيخلقه كنة خيش
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

وكأنما في الحلق منه مجسّةأو دبة في سلم تتدحرج

وصلّى رجل يقال له يحيى، بأربعة نفر فأكثر اللحن في قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ

فلما فرغ قال أحدهم:

أكثر يحيى غلطافي: «قل هو الله أحد»

فقال الثاني:

قام يصلي قاعداحتّى إذا أعيا قعد

فقال الثالث:

كأنّما لسانهشدّ بحبل من مسد
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «يزحر في محرابه»

فقال الرابع:

يزحر في محرابهزحير حبلى بولد
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «يزحر في محرابه»

ذمّ من أرتج عليه في القراءة ونوادره: قام رجل يصلّي خلف إمام، فلما افتتح الصلاة أرتج عليه في الاستعاذة من الشيطان، فأخذ يكرّر الاستعاذة فقال له رجل: إنك لا تحسن القرآن فما ذنب الشيطان يا بارد.

وقرأ إمام سورة إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ

فلما بلغ قوله:

فأين تذهبون؟ أرتج عليه فأخذ يكرر، وخلفه أعرابي، فأخذ حمشه وصفعه، فقال: أما أنا فأريد كلواذاء هؤلاء الكشاخنة لا أعرف مقصدهم.

وصلّى رجل بقوم فأخذ يردد: قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي فقال أعرابي:

أهلكك الله وحدك.

وقرأ الرشيد ليلة: مالي لا أعبد الذي فطرني، فارتج عليه، وأخذ يردده وابن أبي مريم بقربه في الفراش، فقال: لا أدري والله لم لا تعبده؟ فضحك الرشيد وقطع صلاته.

ومما جاء في الفراسة والتراطن والطيرة والفأل

صحّة الفراسة: قال النبي ﷺ: اتّقوا فراسة المؤمن، وقال ﷺ: المؤمن ينظر بنور الله. قال ابن الرومي:

وحبّي الفؤاد يعلمه، العاقل قبل السماع بالإيماء
وظنون الذكيّ أنفذ في الحقق سهاما من رؤية الأغبياء
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «صرحت عن طوية الأصدقاء»

وقال آخر:

لا تسأل المرء عن خلائقهفي وجهه شاهد من الخبر
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «لا تسأل المرء عن خلائقه»

وقال آخر: وفي بعض القلوب ترى عيون، وقال البحتري:

وإذا صحّت الرويّة يومافسواء ظنّ امرىء وعيانه
للشاعر البحتري، من قصيدة «لا جَديدُ الصِّبَا، وَلاَ رَيَعَانُهْ»

الممدوح بصحّة الفراسة: قيل فلان ألمعيّ، وقال أوس:

نجيح مليح أخو مأقطنقاب يخبر بالغائب

وقال أبو تمّام:

يرى الحادث المستعجم الخطب معجمالديه ومشكولا إذا كان مشكلا

وقال آخر:

يخبر ظهر الغيب ما أنت فاعل

وقال آخر:

يخاطبه من كلّ أمر عواقبه

من تفرّس في صبيّ أمرا وكان كما ظنّ: رأى بكير بن الأخنس المهلّب وهو غلام، فقال: خذوني به إن لم يفق سراتهم ويبرع حتّى لا يكون له مثل، وكان كما قال.

ونظر رجل إلى معاوية وكان صغيرا فقال: إنّي أظن هذا الغلام سيسود قومه. فقالت هند: ثكلته أمّه إن كان لا يسود إلا قومه. ورأى رجل ابن السكّيت وهو صغير يسأل فيجيب، فقال: إن هذا الغلام ينال خيرا وقد تقدم في الحزم والتعلم مثل هذا.

الإشارة بقول يسير إلى معنى كثير: كان المأمون ﵀ غضب على طاهر بعد ما وجّهه إلى خراسان، فكتب إليه بالرجوع. فكتب إليه صديق له كتاب سلام ووقع على حاشيته: يا موسى. فجعل طاهر يتأمل ذلك ولا يدري معناه، حتى ناوله امرأة صحبته جزلة الرأي، فقالت: إنما عنى يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك. فأمسك طاهر عن الإقدام وجعل يتقيه حتى طيّب قلبه.

النهي عن التكهّن والطيرة: روي عن النبي ﷺ أنه قال: الطيرة شرك وما منّا من يجده في نفسه، ولكن الله تعالى يذهبه بالتوكل.

وقال ﷺ: ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الظنّ والطيرة والحسد فإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وإذا تطيرت فامض ولا تثن.

وقال: من تكهن أو استقسم أو تطيّر طيرة ترد عن سفر، لم ينظر إلى الدرجات العلى يوم القيامة. وروي اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك، ولا رب غيرك، وقال ﷺ لا عدوى ولا هامة ولا صفر.

الرخصة في الطّيرة: عن أبي هريرة ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: الطيرة في المنزل والمرأة والفرس.

وقيل: أخبرت عائشة ﵂ بذلك فغضبت وأنكرت ذلك وطارت شقة في السماء وشقة في الأرض، وقالت: إن النبي ﷺ إنما قال إن يكن شؤم ففي هذه الثلاثة.

أسامي ما تتطيّر به العرب: السانح ما ولّاك ميامنه، والبارح ما ولّاك مياسره. قال أبو عبيدة: البارح يتشاءم به أهل نجد، والسانح يتشاءم به أهل عالية، ولذلك قيل: من لي بالسانح بعد البارح. والناطح ما يلقاك بجهته وهو يكره، والكادس ما يجىء من خلفك يقفوك، وكل ما يتطير به يسمى طير العراقيب.

ويتطيرون بالعطاس، ولذلك قال:

أو حلت من سلمى بغير متاعقبل العطاس ورعتها بوداع

من حكم بتنجيم وافق قوله القضاء: كان الفضل بن سهل حكم على نفسه أنه يعيش أربعين سنة، ثم يقتل بين ماء ونار.

فعاش هذه المدة ثم قتل في حمام سرخس.

ولما مرض الحجّاج دعا منجمه فقال: ويلك انظر ماذا ترى؟ فقال: أرى ملكا يموت ولست هو. قال: وما اسمه؟ قال: كليب. فقال: أنا والله ذلك فقد كانت أمي سمّتني كليبا.

وكان نيبخت المنجم لا يحبس عن المنصور فجاءه يوما فقيل له: إنه من المستراح، فقال أخرج عاجلا فخرج، فانخسف المخرج عقب خروجه.

من رأى فأل سوء فصرفه إلى حسن بتأويله: خرج جعفر بن سليمان إلى المدينة واليا بها فتعلّقت شجرة بلوائه فتطيّر بذلك. فقال من كان معه: هذا عملك تشبّث بك فسرّي عنه.

وسار خالد بن يزيد إلى ولاية الموصل فانكسر اللواء فحزن لذلك، فقال أبو الشّمقمق:

ما كان مندقّ اللواء لريبةتخشى ولا أمر يكون مبدلا
لكنّ هذا الرمح ضعف متنهصغر الولاية فاستقلّ الموصلا

فبلغ ذلك المأمون فزاد في ولايته قنسرين.

ولما صعد قتيبة بن مسلم منبر الريّ سقط القضيب من يده فتطيّر بذلك الناس، فأنشد:

فألقت عصاها واستقرّ بها النّوىكما قرّ عينا بالإياب المسافر

وصف الفأل السوء بأنه يصيب من تفاءل به: قيل إياك والفأل السوء، فقد قالت الفلاسفة: ما للنوائب رسول أبلغ في قبض الأرواح من الطيرة والفأل السوء. وقال ابن عبّاس ﵄: كنت أنا وأمير المؤمنين عند النبي ﷺ وكان يحبّ الفأل فلما خرج أنشد:

تفاءل بما تهوى يكن فلقلّمايقال لشيء كان إلا تكوّنا

وقال علقمة:

ومن تعرض للغربان يزجرهاعلى سلامتها لا بدّ مشؤم
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «هل ما علمت وما استودعت مكتوم»

من تشوئم به فدفع ذلك عن نفسه: خرج هشام بن عبد الملك يوما فلقي أعور، فأمر بأن يضرب ويحبس، وقال:

تشاءمت بك. فقال الأعور: إن الأعور يكون شؤمه على نفسه وشؤم الأحول على غيره.

ألا ترى أني استقبلتك فلم يصبك شيء، وأنت استقبلتني فنالني منك سوء. وكان هشام أحول فخجل من ذلك وخلّاه.

وخرج بعض ملوك الفرس إلى الصيد فاستقبله أعور فأمر بحبسه وضربه، ثم مضى فتصيّد صيدا كثيرا، فلما عاد استدعى بالأعور وأمر له بصلة، فقال الأعور: لا حاجة لي في الصلة، ولكن ائذن لي في الكلام، فأذن له فقال: تلقيتني فضربتني وحبستني وتلقيتك فصدت وسلمت، فأينا أشأم؟ فضحك وأعطاه.

الخطّ: كان زاجر العرب يخطّ خطّين فيقول ابنى عيان أسرعا البيان. وقال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ

أنها الخط.

الطرق: هو نثر الحصى والاستدلال باجتماعه وتفرّقه، كما يعمل صاحب الشعير. وأصل الطرق الضرب، قال الشاعر:

لعمرك ما تدري الطوارق بالحصىولا زاجرات الطّير ما الله صانع
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

وقال حمّاد عجرد: الطرق من الجبت.

ومما جاء في تأويل الرؤيا

العارف بتأويل الرؤيا: كان ذلك من علم يوسف ﷺ وقد وصفه الله تعالى في قوله تعالى: وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ

وكان أبو بكر ﵁ موصوفا بذلك. وقال الحسن لابن سيرين: تعبّر الرؤيا كأنك من ولد يعقوب، فقال: وأنت تفسّر القرآن كأنّك ممّن شهد التنزيل.

وقال ابن شبرمة: ما رأيت أحدا أجرأ على النوم ولا أجبن على اليقظة، من ابن سيرين أي يعبر الرؤيا ولا يجيب عن الفتوى.

ومما جاء في علوم الأمم ورموز العرب

فنون العلوم: قيل: علوم الأدب عشرة، ثلاثة شهر جانية: الطبّ والهندسة والفروسية، وثلاثة أنوشروانية: ضرب العود ولعب الشطرنج وضرب الصوالجة، وثلاثة عربيّة: الشعر والنسب وأيام الناس. وواحد أبر على كل ذلك مقطعات الحديث والسمر وما يتعاطاه الناس بينهم في المجالسات.

وقال بعضهم: رأيت العلوم والامور تدور على أربعة أشياء: نحو يقيم به الرجل لسانه، وطبّ يقيم به بدنه، وحكايات يقيم بها أدبه، وحسن تدبير يتوصل به إلى معاشه.

وكان الإسكندر وأرسطوطاليس إذا تسايرا تناظرا في العلم وإذا خليا تشاورا في الملك، وإذا قعدا للشرب تحدّثا في الشجاعة وإذا أرادا الإنصراف إلى مضجعهما تذاكرا الفقه والعفة.

علوم العرب: علم بديع الشعر، وبلاغة المنطق، وتشقيق اللفظ، وتعريب الكلام، وقيافة البشر، وقيافة الأثر، وصدق الحسّ وصواب الحدس، وحفظ النسب، ومراعاة الحسب، وحفظ المناقب والمثالب، وتعرّف الأنواء، والاهتداء بالنجوم، والتبصّر بالخيل والسلاح واستعمالهما، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، ويبلغون بالزجر ما يقصر عنه غيرهم.

علوم الرّوم: لهم الطب والنجوم والألحان وجودة التصوير، حتّى إن أحدهم يصور الإنسان شابا وكهلا، فيجعله بحيث إذا رأى صورته ثم رآه عرفه.

ولهم البناء العجيب ولهم من الرأي والنجدة والمكيدة ما لا ينكره من يعرفه.

علوم الفرس: لهم العقول والأحلام، والسياسة العجيبة، وترتيب العلوم والأمور، والمعرفة بعواقب الأمور. ولهم من اللغات ما لا يحصى كثرة، كالزمزمة والفهلوية والخراسانية والجبلية.

علوم اليونانيّة: اليونانيون كانوا ذوي أذهان بارعة، ولا يشتغلون بمكاسب الآلات والأدوات والخلال، التي تكون جماما للنفوس. ولهم القبّانات والاصطرلابات، وآلات الرصد والبركار، وأصناف المزامير والمعازف، والطب والحساب والهندسة، وآلات الحرب كالمجانيق والغرادات. وكانوا أصحاب حكمة ولم يكونوا عملة.

كانوا يصورون الآلة ولا يخرطون الأداة، يشيرون إليها ولا يمسّونها، يرغبون في التعلم ويرغبون عن العمل.

علوم الصّين: أهل الصين أصحاب الأعمال، كالسبك والصياغة والإفراغ والإذابة والأصباغ العجيبة، والخرط والنحت والتصاوير، والخطّ والنسج ورفق الكف في كل ما تناولوه.

وكانوا يباشرون العمل ولا يعرفونا الملل لأنهم فعلة، واليونانيون يعرفون العلل، ولا يباشرون العمل لأنهم حكماء.

علوم الهند: لهم معرفة الحساب والنجوم، والخط الهندي وأسرار الطب، وعلاج فاحش الأدواء، والرقى وعلم الأوهام، وخرط التماثيل ونحت الصور، وطبع السيوف والشطرنج والحنكلة. وهي وتر واحد يجعل على قرعة فيقوم مقام العود ولهم ضروب الرقص والثقافة والسحر والتدخين.

التّرك: هم كالعرب، في أنهم أصحاب قيافة ومعرفة بالحروب وآلاتها، وهم أعراب العجم، كما أن العرب أكراد النبط. فصاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة، والصين في الصناعة، وهم في البيطرة والرياضة فوق كل أمة. وأحدهم يركب ظهر فرس فوق ركوبه الأرض يغزو أحدهم بأرماكه ومهورة، فمتى أتعب واحدة ركب أخرى فلا يستريح ولا ينزل إلى الأرض.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «محاضرات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.