تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

الحدّ الأوّل في العقل والعلم والجهل وما يتعلّق بها (٣)

وقال أبو عطاء:

أقلّبه كيلا يكلّ بحبسةوأبعثه في كلّ حقّ وباطل

تفضيل الصمت: قال النبي ﷺ: رحم الله عبدا صمت فسلم، أو قال خيرا فغنم، فجعل الصمت أفضل لأن السلامة أصل والغنيمة فرع.

قال الشاعر:

أقلل كلامك واستعذ من شرّهإنّ البلاء ببعضه مقرون
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

مت بداء الصّمت خيرلك من داء الكلام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خل جنبيك لرام»

تفضيل كل واحد منهما في أوانهما والتمدّح بهما: قيل لبعضهم: السكوت أفضل أم النطق؟ فقال: السكوت حتّى يحتاج إلى النطق، فإذا احتيج إلى النطق فالسكوت حرام.

وقيل ليونس بن حبيب: السكوت أفضل أم الكلام؟ فقال: السكوت عن الخنا أفضل من الكلام بالخطأ، وقيل: الضراط في أوانه خير من الكلام في غير زمانه.

قال الشاعر:

والصمت أزين بالفتىمن منطق في غير حينه

وقيل: ربما كان الصمت أبلغ من الإبلاغ في النطق مع عدم إصابة الفرصة.

قال ابن الرومي:

ناهيك من صمت بلا عيّ بهوكذاك من لسن بغير سفاه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا طول غلة نفسي المبلاه»
ملكت سكينته عليه أمرهفكأنه ساه وليس بساه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا طول غلة نفسي المبلاه»

وقال ابن علقمة:

صموت في المجالس غير عيّجدير حين ينطق بالصّواب

ذمّ الإكثار من الكلام: قيل: من أكثر أهجر. المكثار كحاطب الليل، من أطلق لسانه بكل ما يحبّ كان أكثر مقامه حيث لا يحبّ.

وقال الجريمي:

وخير حال الفتى في القول أقصدهابين السبيلين لا عيّ ولا هذر
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

وقال أياس لخالد بن صفوان: لا ينبغي أن نجتمع في منزلك لأنّك تحبّ أن لا تسكت، وأنا أحبّ أن لا أسمع.

الحثّ على ترك فضول الكلام: قال النبي ﷺ: رحم الله من أمسك الفضل من قوله.

قال عبد الله بن الحسين لابنه: استعن على الكلام بطول الفكر، في المواطن التي تدعو نفسك إلى الكلام، فإن للقول ساعات يضرّ خطؤها، ولا ينفع صوابها، وقيل: من حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه.

وقال عبد الله بن طاهر لبعض منادميه: يا هذا أما أقللت فضولك أو أقللت دخولك؟

وقيل: فضل النظر يدعو إلى فضل القول.

الحثّ على السكوت مطلقا: قيل: إن كانت العافية من مالك فسلّط السكوت على لسانك. الصمت داعية المحبّة، الصمت زين العاقل وستر الجاهل.

قال الشاعر:

لو كان من فضّة تكلّم ذيالنطق لكان السكوت من ذهب

الحثّ على تدبّر الكلام قبل إيراده: قال الحسن: لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام رجع إليه فإن كان له تكلم به وإلا تركه، ولسان الجاهل قدام قلبه يتكلّم بما عرض له. وقيل: من لم يخف الكلام تكلّم ومن خافه تبكم.

قال الشاعر:

تأمّل فلا تستطيع ردّ مقالةإذا القول في زلّاته فارق الفما

وقال بعضهم: ذر الرأي الفطير، والكلام القضيب، فلا يطيب الخبز إلا بائتا.

متكلّم بكلام أذى إلى هلاكه: بينما المنذر في بعض متصيّداته إذ وقف على رابية فقال بعض أصحابه: أبيت للعن لو أن رجلا ذبح على هذه الرابية إلى أيّ موضع عسى أن يسيل دمه؟ فقال: أنت والله المذبوح لننظر ذلك، وأمر به فذبح.

ومر ببهرام طائر بالليل فصاح فرماه بسهم فأصابه فقال: لو سكت الطائر لكان خيرا له.

التثبّت في الجواب والتسرّع فيه: سأل يهودي النبي ﷺ مسألة، فمكث ﵇ ساعة ثم أجابه عنها، فقال اليهودي: ولم توقفت فيما علمت؟ قال: توقيرا للحكمة.

وقيل: من إمارة الحكيم التروّي في الجواب بعد استيعاب الفهم.

وقيل: من علامة الحمق سرعة الجواب وطول التمنّي والاستغراب في الضحك.

وقال رجل لإياس ليس فيك عيب غير أنّك تعجل بالجواب، فقال: كم أصبع في يدك؟ فقال: الرجل خمس، فقال: لقد عجلت أيضا، فقال: هذا علم قد قبلته فقال إياس وأنا أعجل أيضا في ما قد قبلته علما.

الحثّ على حسن الاستماع، والممدوح به: قيل: تعلّم حسن الإستماع، كما تتعلم حسن المقال، ولا تقطع على أحد حديثا.

وقيل: استمع، فسوء الإستماع نفاق. وقيل للسائل: على السامع ثلاث أمور: جمع البال، وحسن الإستماع، والكتمان لما يقتضي الكتمان.

وقيل: أساء سمعا فأساء إجابة.

وقال فيلسوف لتلميذ له: أفهمت؟ قال: نعم. قال: كذبت لأن دليل الفهم السرور ولم أرك سررت.

وقيل: نشاط القائل على قدر فهم السامع.

وقيل: من سعادة القائل أن يكون المستمع إليه فهيما.

وقيل فلان في الاستماع ذو أذنين وفي الجواب ذو لسانين.

قال الشاعر:

إذا حدّثوا لم يخش سوء استماعهموإن حدّثوا قالوا بحسن بيان

وقال رجل: أذني قمع لمن يحدّثني.

النّهي عن محادثة من ساء استماعه: قيل: من لم ينشط لاستماع حديثك ما رفع عنه مؤنة الإستماع. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: حدث الناس ما حدجوك بأسماعهم، ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم إعراضا فأمسك.

وقيل: لا تطعم طعامك من لا يشتهيه. وقيل حدث حديثين امرأة فإن لم تسمع فأربع، أي كفّ.

الحثّ على إزدياد السّماع على المقال: سمع بقراط رجلا يكثر من الكلام، فقال له: إن الله تعالى جعل للإنسان لسانا واحدا وأذنين، ليسمع ضعف ما يقول.

تفضيل السماع على المقال: كان أعرابي يجالس الشعبي فأطال الصمت، فسأله عن ذلك، فقال: أسمع فأعلم، واسكت فأسلم.

وقيل لأعرابي: لم لا تتكلم؟ فقال: حظّ لسان الرجل لغيره وحظّ سمعه له. وقال محمد بن المنكدر: لأن أسمع أحبّ إليّ من أن أنطق، لأن المستمع يتّقي ويتوقّى.

الحثّ على التصامم عن الخنا والتمدّح به: قال محمود الورّاق:

وسمعك صن عن سماع القبيحكصون اللسان عن النّطق به
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «تحر من الطرق أوساطها»

وقال أبو تمّام:

أذن صفوح ليس يفتح سمّهالدنيئة وأنامل لم تقفل

وقال آخر:

فتى عزلت عنه الفواحش كلّها

وقال آخر:

عيّ عن الفحشاء أما لسانهفعفّ وأما طرفه فكليل

وقال الموسوي:

إذا العدوّ عصاني خاف حديديوعرضه آمن من هاجرات فمي

وله أيضا:

ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفهاولا أنطق العوراء والقلب يعرب
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «لغير العلى مني القلى والتجنب»

ومما جاء في المذاكرة والمجادلة

فضل المذاكرة في العلوم: قال الله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ

وقال النبيّ: لقّحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم بالمشاورة.

وقال ابن المقفع: لا تخل قلبك من المذاكرة فيعود عقيما ولا تعف طبعك من المناظرة فيعود سقيما.

وقال الحسن ﵁: حادثوا هذه القلوب فإنّها سريعة الدّثور، وقال المأمون: لا تتقد مصابيح الأذهان، إلا بصفو مواردها. وقيل: من أكثر مذاكرة العلماء، لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم.

المستكثر بمناظرته الفائدة: قال رجل لآخر: مناظرة مثلك في الدّين فرض، والاستماع منك أدب، ومذاكرتك تلقيح للعقل.

وقال عمر بن عبد العزيز: ما كلّمني أسديّ إلا تمنيت أن يمدّ في حجته لتكثر منه فائدتي.

صعوبة الجدال: قال ابن الراوندي: ما التّصدي للحراب والقضاب ومبارزة الأبطال بأصعب من

التصدّي للجواب لمن أمّك بالسؤال، وقال: تحت كلّ «لم» أسد ملم.

نظر يزل مواقع الأقدام

وسئل الشعبي عن مسألة فقال: زيادات وبر لا تنساب، ولا تنقاد لو نزلت بأصحاب محمد ﷺ لأعضلت.

الدافع باطل خصمه بحقّه: قيل: لا تدفع الباطل بالغلبة إذا أمكنك أن تدفعه بالحجّة.

وقال ابن عباس عجبا لمن يطلب أمرا بالغلبة، وهو يقدر عليه بالحجّة، فالحجّة دين يعقد به الطاعة، وسلطان الغلبة يزول بزوال القدرة.

وقال ثعلبة:

ولربّ خصم جاحدين ذوي شذاتقذى صدورهم بهتر هاتر
لقد ظأرتهم على ما ساءهموخسأت باطلهم بحقّ ظاهر

وقال آخر:

ألا ربّ خصم ذي فنون علوتهوإن كان ألوى يشبه الحقّ باطله

وهذا معنى قول العتابي: البلاغة تصوير الباطل في صورة الحقّ.

المشاغب من يشاغبه: قال أبو الأسود:

فشاغبته حتّى ارعوى وهو كارهوقد يرعوي ذو الشغب بعد التّحامل
فإنّك لم تعطف إلى الحقّ جائرابمثل خصيم عاقل متجاهل

وقال آخر:

وما خصم الأقوام من ذي خصومةكمثل بصير عالم متجاهل

القائم في المناظرة مقام الغيب: وقال شاعر:

ومشهد قد كفيت الغائبين بهفي مجمع من نواصي النّاس مشهود
للشاعر أم قيس الضبية، اقرأ القصيدة
فرجته بلسان غير ملتبسعند الحفاظ وقلب غير مردود
للشاعر أم قيس الضبية، اقرأ القصيدة

وقال حسّان:

كفى وشفى ما في النفوس فلم يدعلذي حاجة في القول جدّا ولا هزلا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه»

الموصوف بإنصاف النظّار لديه والسكون في مجلسه: قال أبو تمّام:

ثبت الخطاب إذا اصطكّت بمظلمةفي رحله ألسن الأقوام والركب
لا المنطق اللخي يزكو في محافلهيوما ولا حجّة الملهوف تستلب

وقال المتنبّي:

الفاصل الحكم عيّ الأوّلون بهوالمظهر الحقّ للساهي على الذهن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

وكان أبو الشمر إذا ناظر لم يحرّك يديه ولا رأسه، ولا منكبيه حتّى كان كلامه يخرج من صدع صخرة.

وقال الأنصاري:

مجالسهم خفض الحديث وقولهمإذا ما قضوا في الأمر وحي المحاجر
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «مجالسهم خفض الحديث وقولهم»

وقال المتنبّي:

وإذا هو لا يستبّ خصمان عندهولا الصوت مرفوع بجدّ ولا هزل

وهذا منقول من قول الآخر:

واستبّ بعدك يا كليب المجلس

المدفوع عن حجّة قويّة لا تعرف لغموضها: قال ابن الرومي:

غموض الحق حين تذبّ عنهيقلّل ناصر الحقّ المحقّ
يضلّ عن الدقيق عقول قومفتحكم للمجلّ على المدقّ

وقيل ما دقّ من الكلام يعجز عنه كثير من الأنام، فينسب إلى الإحالة وإن كان في غاية الجلالة، ولذلك قال أبو تمّام:

فصرت أذلّ من معنى دقيقبه فقر إلى فهم جليل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كأني لم أبثكما دخيلي»

مدح الراجع إلى الحقّ في المناظرة: قال عمر ﵁: الرجوع إلى الحقّ خير من التمادي في الباطل. وقيل:

المبطل مخصوم، وإن خصم والمحق فالج، وإن خصم.

وقال عمر ﵁ يوما: أيّها الناس ما هذه الصدقات التي أحدثتم لا يبلغني أن أحدا أتجاوز صداق النبي ﷺ إلا استرجعته منه فقامت إليه امرأة فقالت: ما جعل الله ذلك إليك يا ابن الخطاب، إن الله تعالى يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً

، فقال عمر: أما تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت. ناضلت أميركم فنضلته.

وقال الشعبيّ: إنّي لأستحي أن أعرف الحق فلا أرجع إليه.

وقيل لم ير أذعن للحجة إذا لزمته من عمرو بن عبيد.

المستمرّ على خطأه وقد بان له الصواب: قال عمارة: أني لأمضي على الخطأ إذا أخطأت أهون عليّ من نقض وإبرام في مجلس واحد.

وقال بعضهم: نعم المركب اللجاج بعد الحجاج.

ذمّ من تشكّك في الضروريّات: قيل: من شكّ في المشاهدات فليس بتامّ العقل.

قال المتنبي:

وليس يصحّ في الأفهام شيءإذا احتاج النّهار إلى دليل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتيت بمنطق العرب الأصيل»

حكى المتكلّمون أنّ جماعة يلقّبون السوفسطائية، يقولون: لا نعرف لشيء حقيقة، ويقولون لمّا كان أحدنا يرى الشيء في رقدته فيتصور له بصورة ما يشاهده في يقظته، ونرى الصورة في الماء ثم لا حقيقة لها، لم يمتنع أن لا يكون لما نعاينه ونشاهده حقيقة. وذكر بعض العلماء أنه لم يكن قطّ على هذه الصفة أحد وأن السوفسطائية أنما هو شيء من توليدات المتكلمين ومنحولاتهم.

الحثّ على السؤال على غير التعنت: قيل: إذا جالست عالما فسل تفقّها لا تعنّتا.

وقال مسهر: سألت مالكا عن شيء، فقال: لا تسألني عمّا لا تريد فتنسى ما تريد.

وقال النبيّ ﷺ لرجل وقد أكثر من سؤاله تعنتا: اتركوني ما تركتكم. وقال ﵊: إن بني إسرائيل هلكوا بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم.

النّهي عن المناظرة ما أمكن: قال ابن المقفع: لا تعرضنّ عقلك على النّاس، فإذا اضطرك أمر فكن كصاحب الشطرنج، بيني أمره على القائمة فإن وجد ضربة غريبة انتهزها، وإيّاك أن تبتدىء في مجلس لم تسبر عقول أصحابه، فبين العقول بون بعيد.

الحثّ على المخالفة ودفع الصواب بالخطأ: قالت إعرابية لابنها: إذا جلست مع القوم، فإن أحسنت أن تقول كما يقولون، وإلا فخالف تذكر ولو كان بتعليق أير حمار في عنقك. وقال أعرابي: إذا لم يكن لك في الخير اسم فارفع لك في الشر علما، وقال بعضهم: خالف تذكر، فقالوا: إنما هو تنكر، فقال:

هذا أول الخلاف.

ذمّ مخالف ألدّ في كلّ صواب: قال الله تعالى: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا

وقال تعالى: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ

وقال تعالى: فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ

وقال الشاعر:

رقيع خصيم في الصّواب كأنّهبرد على أهل الصّواب موكل

وقال ديمقراطس: عالم معاند خير من جاهل منصف، فقال تلميذه: الجاهل لا يكون منصفا، والعالم لا يكون معاندا.

وقيل: كثرة الخلاف حرب وكثرة الموافقة غشّ.

المستأذن في سؤال مسألة: قال ابن شبرمة لأياس بن معاوية: أتأذن لي في مسألة ألقيها إليك؟ فقال إياس:

استربت بك حين استأذنت، فإن كنت لا تسوء جليسا، ولا تشين مسؤولا فهاتها.

وقال أبو العيناء: لعبيد الله: أسأل أم أسكت؟ فقال: إن سألت أفدت وإن سكت كفيت.

مدح الجواب الحاضر: قال مسلمة بن عبد الملك: ما أوتي العبد بعد الإيمان بالله شيئا أحبّ إليّ من جواب حاضر، لأن الجواب إذا كان بعد نظر وتفكّر، لم يكن بشيء. ألم تسمع قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ

إلى قوله: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ

، وقال عمرو ابن العاص: ما اتقيت جواب أحد من الناس غير جواب ابن عبّاس ﵁،

لبداهته. وقال الحجّاج: من لم يخف الجواب تكلّم، ومن خافه تبكّم.

قال الشاعر:

ما أحرّ الكلام يرحمك اللهولكنّ أحرّ منه الجواب

إضجاع القسيّ، والاعتماد عليها في الخطاب: وما جاء من الأجوبة الجيّدة فهي مذكورة في أمكنتها المختصّة بها. كانت العرب إذا اجتمعت للمناظرة والمفاخرة يضجعون قسيّهم ويعتمدون عليها.

وقال الحطيئة في مرثية:

أم من لخصم مضجعين قسيّهمميل خدودهم عظام المفخر
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «يا جفنة ترك ابن هوذة خلفه»

وقال:

إذا اقتسم النّاس فضل الفخارأطلّنا على الأرض ميل العصا
للشاعر لبيد بن ربيعة، اقرأ القصيدة

ومما جاء في وصف الشعر والشعراء

جواز إجازة الشّعراء: قال النبي ﷺ: إعطاء الشعراء من برّ الوالدين. وقال ﷺ في شاعر مدحه وعاتبه في بعض ما فعله: اقطعوا لسانه يعني بالعطية.

وأعطى الزهري شاعرا، فقيل له في ذلك، فقال: إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر.

وحرم الشعراء الحجّاج في أوّل مقدمه العراق، فكتب إليه عبد الملك: أجز الشعراء فإنهم يجتبون مكارم الأخلاق ويحرضون على البرّ والسخاء.

قال الشاعر:

صونوا القريض فإنّهمثل المياسم في المواسم
الشعر جامعة المفاخر والمحاسن والمكارم

منفعة الشّعر: قال الحجّاج للمساور بن هند لم تقول الشعر، فقال: اسقي به الماء وارعى به الكلأ، وتقضى لي به الحاجة. وإن كفيتني تركته.

وقال عمر بن الخطاب ﵁: الشعر يسكن به الغيظ، وتطفأ به النائرة، ويتبلغ القوم ويعطى به السائل.

وقال: نعم الهدية للرجل الشريف الأبيات يقدّمها بين يدي الحاجة يستعطف بها الكريم ويستنزل بها اللئيم.

وقال عبد الملك تعلّموا الشعر ففيه محاسن تبتغى ومساوىء تتقى.

وقال ابن الروميّ:

وما المجد لولا الشعر إلا معاهدوما النّاس إلا أعظم نخرات
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أكف الغواني بالخنا خضرات»

وقال أبو تمّام الطائيّ:

ولولا خلال سنّها الشعر ما درتبغاة العلا من أين تؤتى المكارم»

تعظيم الشعر: مرّ الفرزدق بمؤدّب، وكان ينشد عليه صبيّ، قول الشاعر:

وجلا السيول عن الطلول كأنّهازبر تجدّ متونها أقلامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

فنزل وسجد فقال المعلم: ما هذا؟ فقال هذه سجدة الأشعار نعرفها كما تعرفون سجدة القرآن.

ولما قدم أبو تمّام على الحسن بن رجاء، فأنشده قصيدته فيه حتى انتهى إلى قوله:

لا تنكري عطل الكريم من الغنىفالسيل حرب للمكان العالي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كفي وغاك فإنني لك قالي»

قام قائما، وقال: والله ما سمعتها إلا وأنا قائم، لما تداخله من الأريحية فلما فرغ قال: ما أحسن ما جلوت هذه العروس. فقال أبو تمام: لو أنها من الحور العين لكان قيامك أوفى مهر لها.

ما استحبّه الأكابر من فرص الشّعر: قال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: إنك قد لهجت بالشعر فإيّاك والتشبيب بالنساء فتعرّ شريفة؛ والهجاء فتهجّن كريما أو تثير لئيما؛ وإيّاك والمدح فهو كسب الأنذال. ولكن افخر بمآثر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك، وإن لم تجد من المدح بدّا فكن كمالك المرادي حين مدح فجمع في المدح بين نفسه وبين الممدوح، فقال: أحللت رحلي في بني ثعل، إنّ الكريم للكريم محلّ.

قال الشاعر:

أشغل قريضك بالنسيب وبالفكاهة والمزاح
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا مادح القوم اللئام»
يا مادح القوم اللئام وطالبا نيل السّماح
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لولا عبيد الله قلت ولم أخف رهق الجناح»

الممدوح بإجادة نسجه والتمدّح بذلك، والحثّ عليه: ذكر عند أبي بكر ﵁ الشعراء، فقال: أشعر الناس النابغة أحسنهم شعرا، وأعذبهم بحرا وأبعدهم غورا.

وقول عمر ﵁ في زهير من هذا الباب وقد تقدم آنفا. وقيل: فلان إذا قال أسرع، وإذا مدح رفع وإذا هجا وضع. وسئل البحتري عن أبي تمام، فقال مدّاحة نواحة، عديّ بن الرقاع:

وقصيدة قد بتّ أجمع بينهاحتى أقوّم ميلها وسنادها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «عرف الديار توهما فاعتادها»
نظر المثقّف في كعوب قناتهحتّى يقيم ثقافه منآدها
للشاعر عدي بن الرقاع، اقرأ القصيدة

وقال يزيد بن الحكم، متهكما بحمزة بن بيض: إنك لأستاذ الشعر. فقال: إني لأدق الغزل وأصفق النسج وأرق الحاشية.

ويقال: شعر مخشوب إذا كان جديدا لم يثقف. وقال ابن مقبل: إني لأرسل القوافي عوجا، فتأتيني وقد ثقفتها. وقيل: استجيدوا القوافي فإنها جراز الأشعار.

الموصوف بالسّلامة من الشّعر: قال أبو تمّام:

يودّ ودادا أنّ أعضاء جسمهإذا أنشدت شوقا إليها مسامع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألا صنع البين الذي هو صانع»

وقال إبراهيم بن رجاء: يطيب بأفواه الرماة سماعها. وقال الناشي:

إنما الشعر من تحصل من قبل ظهور الأقوال في الأذكار
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
فأتى لفظه يطابق معناهـ بحسن الإيراد والإصدار
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
مطمع مؤيس قريب إلى الفهم بعيد الأغوار ضاحي القرار

وقيل لمعتوه: ما أجود الشعر؟ فقال: ما دلّ صدره على عجزه. ولم يحجبه شيء دون بلوغه.

شاعر رديء النّسج: أنشد رجل شعرا فقال لصاحبه: كيف تراه؟ فقال: سكر لا حلاوة له.

وأنشد عمارة شعر أبي العتاهية فمجه سمعه وقال: هو أملس المتون قليل العيون.

وما كان مثله من الشعر يسمى مغسولا.

وأنشد رجل أعرابيا شعرا وقال: هل تراني مطبوعا؟ فقال: نعم على قلبك.

وأنشد رجل الفرزدق شعرا وقال: كيف تراه؟ فقال لقد طاف إبليس بهذا الشعر في الناس فلم يجد أحمق يقبله سواك.

وقال شاعر:

وأبو الدفاتر لا يزال يجيئنابقصيدة قد قالها من دفتر

وقال آخر:

وبات يدرس علما لا قران لهقد كان ثقّفه حولا فما زادا

وقال ابن أبي عيينة:

أقمت حولا على بيت تقوّمهفلم تصب وسطا منه ولا طرفا

شعر رديء النّسج: أنشد ابن الأعرابي:

وشعر كبعر الكبش فرّق بينهلسان دعيّ في القريض دخيل
للشاعر عمر بن لجأ التيمي، اقرأ القصيدة

وقال العجاج في ابنه: إنه يقول الشعر وابن عمه، وفي مثل هذا الشعر.

قال بعضهم:

وبعض قريض الشعر أولاد علّةيكدّ لسان النّاطق المتحفّظ

وقال ابن الحجّاج:

فمن كان يحوي العطر دكان شعرهفشعري بيتا مستراح ومخرج

وقال الجماز:

كأنّ أشعاره إذا انتقدتأنصاف كتب ليست بمؤتلفه

نهي المسيء عن نسجه: قيل لابن المقفع: لم لا تقول الشعر؟ قال: لأن الذي أرتضيه لا يجيبني، والذي يجيبني لا أرتضيه. وعرض رجل على أديب شعرا فقال: أخبأه كما تخبأ الهرة خرءها.

وقال شاعر:

لا تعرضنّ الشعر ما لم يكنعلمك في أبحره بحرا
فلا يزال المرء في فسحةمن عقله ما لم يقل شعرا

وقال الوائلي:

وحاطب ليل في القريض زجرتهوقلت له قول الفصيح المجامل
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «أمير العلا لا زلت كهفا لآمل»
إذا أنت لم تقدر على درّ لجّهفدعه ولا تعرض لحصباء ساحل

التوارد في الشّعر وادعاء ذلك: التوارد أن يتفق الشاعران في معنى، من غير أن يسمع أحدهما بمقالة الآخر. وسئل أبو عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى: كيف يتفق الشاعران؟ فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها.

ولأحمد بن أبي طاهر يعتذر لشعر ادّعى البحتري أنه سرقه منه:

الشعر ظهر طريق أنت راكبهفمنه منشعب أو غير منشعب
وربّما ضمّ بين الركب منهجهوألصق الطنب العالي إلى الطنب
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

وقال آخر وقد أتى سلطانا يمدحه فحرمه وزعم أنه مسروق:

وهبني سرقت الشعر ثمّ مدحتهأما كان يؤتيني عليه جزائيا

وقال أبو المضاء:

لو أنّ جريرا جاءه في زمانهوأنشده شعرا لقال تنحّلا

وقال أبو تمام في مدح شعر غير مسروق:

منزّهة عن السّرق المورىمكرمة عن المعنى المعار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»

شعر أعاده قائله في غير الممدوح: أنشد أبو القاسم بن أبي العلاء يوما شعرا كاتب به رئيسا وكنّا سمعناه منه قبل.

فعوتب في ذلك فقال: أنا نظمته أقلّد به من أشاء.

وكان قد وقع إلى أبي الفضل بن العميد قصيدة المتنبي التي أولها:

أغالب فيك الشوق والشوق أغلب

فلما ورد عليه مدحه بها وبدل قوله:

أبا المسك هل في الكأس فضل أنالهفإني أغنّي منذ حين وتشرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

فجعله أبا الفضل. فلما أنشدها استطال وتكبر وأظهر إعجابا بها فقال أبو

الفضل لبعض ندمائه أخرج هذه القصيدة لينخفض فلما رآها تبسّم وخجل.

النابغ في الشّعر بعد أن كان مكديا: قال السيّد الحميري: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، كأنه في حديقة سبخة فيها نخل طوال، وبجنبها أرض كأنها كافورة، ليس فيها أشجار، فقال لي: أتدري لمن هذه النخيل؟ فقلت: لا. فقال: لامرىء القيس، فاقلعها واغرسها في هذه ففعلت.

فلما أصبحت أتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه، فقال: أتقول الشعر؟ قلت: لا.

فقال: أما أنك ستقول مثل شعر امرىء القيس، إلا أنك تقوله في قوم طهرة فما انصرفت إلا وأنا أقول الشعر والنابغتان سمّيا بذلك لأنهما عاشا دهرا لا يقولان شعرا ثمّ نبغا فيه.

تسهيل قول الشّعر على ذي آلته: عمل سقراط بيتين، فقيل له: ما أحسن ما قلت. فقال: إن حفر بئر بقرب قناة يجري منها الماء، سهل. قال البديهي:

وأرى القوافي لا تصير مطيعةإلا إلى المثرين من أدواتها
والطبع ليس بمقنع إلا إذاحصلت إضافته إلى آلاتها

وقال آخر:

وما الطبع مغن وحده في نظامهولا العلم من حدّ الطّباع بنائب
إذا لم تكن مجموعة أدواتهفأيسر مبناه كنسج العناكب

وقيل: أصح الشعر وأسهله ما يقوله من بعثه أنف أو دخله كلف.

من تداخله لسماعه الأنفة والحميّة: كان بالمدينة فتى يتعشق امرأة، فوعدته يوما، فلمّا اجتمعا غنّت مغنية بهذا الصوت:

من الخفرات لم تفضح أخاهاولم ترفع لوالدها شنارا

فأبت إلا الخروج فرجعت إلى منزلها، وبعثت إلى الرجل ألف دينار، وقالت: إن رغبت في فاجعل هذا مهري واخطبني من أبي.

ودخل رجل على أبي دلف فاستماحه فقال له: أتسأل وجدّك يقول:

ومن يفتقر منّا يعش بحسامهومن يفتقر من سائر النّاس يسأل
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

فقال: نعم، وتضجّر. فلقي وكيلا لأبي دلف يأتي بمال فسلبه. واتصل الخبر بأبي دلف فقال: أنا الذي علمته هذا فدعوه. وهذا الباب من جنس منفعة الشعر.

شعر سائر: قال أبو العتاهية:

في كلّ أرض قرى من منطقي مثلابين المشاهد أو يبكي به وتر

وقال الطرمي:

لقد سار لي شرقا وغربا قصائدتغبّر حسنا في وجوه القصائد
للشاعر الطرمي، اقرأ القصيدة

وقال المتنبّي:

أبقى على كنف الأيام من كنفيرضوى وأسير في الآفاق من مثل

وقال الكندي:

يقصر عن مداها الريح جرياوتعجز عن مواقعها السّهام
تناهب حسنها حاد وشادفحثّ بها المطايا والمدام

وقال المسيّب:

ترد المياه فلا تزال غريبةفي القوم بين تمثّل وسماع

وقال النّابغة:

أوابد كالسّلام إذا استمرّتفليس يردّ فدفدها التمنّي

شعر أثّر في المقول فيه فرفعه أو وضعه: كان بنو قريع متى قيل لهم أنف الناقة استحيوا، حتى قال فيهم الحطيئة:

قوم هم الأنف والأذناب غيرهمومن يسوّي بأنف النّاقة الذنبا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»

فصاروا بعد ذلك يتبجّحون به ويقولون نحن من أنف الناقة.

ونمير كانوا يتبجّحون باسمهم حتى قال فيهم الشاعر:

فغضّ الطرف إنّك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

فكانوا بعد إذا سئلوا قالوا: من بني عامر.

وقال جرير:

والتغلبيّ إذا تنحنح للقرىحكّ استه وتمثّل الأمثالا
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

فقالوا لو طعنوا بعد هذا في أستاههم ما حكّوها.

اشتمال الشعر على نقاية ونفاية: قال أبو عمرو بن العلاء: شعر بشّار سباطة الملوك فيها قطعة ذهب، وما شئت من رماد، والسباطة الكساحة، وأنشد بعضهم:

يا عائب الشعر مهلافعيبك الشعر عيب
الشعر كالشّعر فيهمع الشّيبة شيب

وقال بعضهم في وصف شاعر: ثوب بواف ومطرف بآلاف.

وقال شدّاد الأعرابي: مثل الشعر مثل الإبل، فيها الكرام والخساس يسدّ بعضها خصاص بعض.

وقيل لجرير: ما تقول في الجعديّ، فقال: سوق خلقان ترى ثوبا يروعك وثوبا تستهجنه عينك. وقيل: إذا كان الكلام كلّه منقّى لم تبن فيه اللمعة والنكتة، ولذلك لم يستعذب الناس شعر صالح بن عبد القدوس، لما كان كلّه حكما.

وقال المتنبّي:

وفي الشعر ما تهوى النفوس إستماعهوفي الشعر ما قد ضمّه حبل حاطب

ضنّ الشاعر برديء شعره: قال عبد الله بن طاهر: آفة الشاعر البخل، لأنه يقول خمسين بيتا وفيها بيت رديء فلا يحتمل قلبه أن يسقطه.

وقيل: الشاعر كالصيرفيّ يجتهد في أن يروّج ما في كيسه من الزيوف.

اعتذار من قصّر عن مساجلة: . قال العتّابي:

ولا عار إن قصّرت دون مبرّزشأى الناس قبلي سعيه وشآني
وإنّي كمن جارى جوادا بمقرفقوائمه مشكولة بحران

وممّا يحسن أن يتمثّل به هنا قول الدارمي:

كلانا شاعر من قول صدقولكنّ الرّحى فوق التفال

كلام نثر صار شعرا من غير قصد: كتب عقال بن شبة:

للأمير المسيّب بن زهيرمن عقال بن شبّة بن عقال

فاتفق منه شعر.

وحضر الصاحب الحسن بن سعد، فرأى على عنوان كتاب: أبو الحسين أحمد بن سعد. فقال هذا شعر ثم قال: قل:

إلى الهمام الأريحيّ الفردأبي الحسين أحمد بن سعد

فقال أبو الحسين: علمت بعد ثمانين سنة أن كنيتي واسمي واسم أبي شعر، وعلى ذلك كتب عبد الله الخازن على عنوان كتابه:

حضرة الصاحب الجليل أبي القاسم كافي الكفاة إسماعيلا

وقال رجل لمناد:

يا صاحب المسح تبيع المسحا

فقال صاحبه:

تعال إن كنت تريد الربحا

فسمع أبو العتاهية ذلك فقال: قد قالا شعرا وهما لا يدريان.

ما جاء من لفظ القرآن والخبر موزونا: من ذلك قوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ

، وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ

وقال النبي ﷺ: أنا النبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب وكان النبي ﷺ يحرّض أصحابه على حفر الخندق ويقول: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا. وكان أصحابه يجيبونه: أنك لولا أنت ما اهتدينا.

متناد في مدح أو هجو أول على ضدّه: مدح أعرابي نبطيا فقال:

إن أبا الهيجاء أريحيّللريح في أثوابه دويّ

فقال النبطيّ: عنى أني أفسو. فقال الأصمعي: انظروا كيف ضاع هذا البيت. وسمع بعضهم قول الحطيئة:

يغشون حتّى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السواد المقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

فقال هذا بيت قواد.

وأنشد قول الأخطل:

وإني لقوّام مقاوم لم يكنجرير ولا مولى جرير يقومها
للشاعر الأخطل، من قصيدة «عفا الجو من سلمى فبادت رسومها»

فقال جرير: صدق ما قمنا بين يدي قيس لأخذ قربان ولا لأداء جزية بين يدي سلطان.

شعر لا يدرى أمدح هو أم هجاء: دفع أعرابي ثوبا إلى خيّاط، فقال الخياط: لأخيطنه خياطة لا تدري أقباء هو أم دواج، فقال: لأقولن فيك شعرا لا تدري أمدح هو أم هجاء. وكان الخياط أعور. ثم أنشد:

خاط لي زيد قباليت عينيه سوا

فلم يدر أدعا له أم دعا عليه. ولما أنشد النابغة النعمان قوله:

تخفّ الأرض ما غبت عنهاويبقى ما بقيت به ثقيلا

غضب، وقال: لا أدري أمدحني أم هجاني؟ فأتى زهير فأخبره فقال حق له أن يغضب ولكن قل بعده هذا البيت:

أظنّك مستقرّ العزّ منهافتمنع جانبيها أن تزول

فأتاه فأنشده ذلك فرضي، وقال: أما الآن فنعم.

من قصّد مديحا، فاتّفق منه هجو: جاء شعرور إلى زبيدة فمدحها فقال:

أزبيدة بنت جعفرطوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ماتعطي الأكفّ من الرغاب

فوثب إليه الخدم ليضربوه فمنعتهم، وقالت: إنه قصد مدحا وأراد ما يقول الناس شمالك أجود من يمينه، فظنّ أنه إذا ذكر الرّجل كان أبلغ وقد حمدنا ما نواه وإن أساء فيما أتاه.

ومدح شاعر أميرا فقال:

أنت الهمام ابن الهمام الواسع ابن الواسعه

فقال: من أين عرفتها قال قد جرّبتها، فقال: أسوأ من شعرك ما أتيت به من عذرك.

شاعر مغلوب بشعر ركيك: أتى أبو الشمقمق بشّارا فقال: يا أبا معاذ أعطنا شيئا وصل إليك من السلطان، فقال: أتسألني وأنا شاعر؟ فقال: نعم إني مررت بالصبيان وهم يقولون:

إنّما بشّار فينامثل تيس في سفينه

فرفع مصلاه عن ثمانمائة درهم وأعطاها له، وقال له: لا تكن راوية للصبيان بعد هذا.

وقال دعبل: وردت قمّ وكان لي على أهلها رسم، فاتفق أن جاءني شعرور فأخذ يناكدني ويؤذيني، فازدريت به وزجرته فذهب وهجاني فقال:

في إست دعبل بلابلليس يشفى لقابل
ليس يشفيه منه غيرأير بغل بكابل

فلهج الصبيان بذلك وصاروا يصيحون خلفي إذا رأوني ففررت من قمّ استحياء وما عاودتها بعد.

معرفة نقد الشّعر: قال أبو عمرو: انتقاد الشعر أشدّ من نظمه، واختيار الرجل الشعر قطعة من عقله.

وقيل: إنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه.

وقيل: كن على معرفة الشعر أحرص منك على عقله. وقيل: كن على معرفة الشعر أحرص منك على حوكه.

وقال الفرزدق: لا يكون الشاعر متقدّما حتى يكون باختيار الشعر أحذق منه بعمله.

وقال أبو أحمد بن المنجم:

ربّ شعر نقدته مثل ما ينقد رأس الصيارف الدينارا
للشاعر يحيى بن علي المنجم، اقرأ القصيدة

وقال الأهوازي:

ويزعم أنه نقّاد شعرهو الحادي وليس له بعير

وقال آخر:

قد عرفناك باختيارك إذا كان دليلا على اللبيب اختياره

عذر من يعرف الشعر ولا يصوغه: قيل لابن المقفع: لم لا تقول الشعر؟ فقال: أنا المسنّ أسنّ الحديد ولا أقطع.

وقيل لأديب: أشاعر أنت؟ فقال: لا، ولكني بهم خابر. وقال الشاعر:

وقد يقرض الشعر البكيّ لسانهوتعيي القوافي المرء وهو خطيب

وقيل لأبي عبيدة: لم لا تقول الشعر مع غزارة علمك وجودة فهمك؟ فقال: لأن

الذي يجيبني لا أرتضيه، وما أرتضيه لا يجيبني. ولبعضهم في المعنى:

أبى الشعر إلا أن يفيء رديئهعليّ ويأبى منه ما كان محكما
فيا ليتني إذ لم أجد حوك وشيهولم أك من فرسانه كنت مفحما

كثرة الشعر في الناس: قال إبراهيم الموصليّ: لولا أني أعلم أنّ الشعر من شرّ الكلام لقلت الشعر أكثر من النثر.

وقال أبو تمّام:

ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرتحياضك منه في العصور الذواهب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
ولكنّه صوب العقول إذا انجلتسحائب منه أعقبت بسحائب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

وقيل: الشعر أكثر من الكلام البليغ. فقد تجد عشرة آلاف شاعر ولا تجد خطيبا.

المستحسن الإنشاد: دخل أبو تمّام على إسحاق المصعبيّ فقال له: رأيت المخزوميّ آنفا وهو ينشد شعرا، فقال: أيها الأمير نشيد المخزومي يطرق بين يدي شعره، وشعري يطرق بين يدي نشيدي.

ومدح رجل آخر بحسن الإنشاد فقال: هو صنّاجة الشعر.

وقال الفرزدق لعبّاد العنبري: حسن إنشادك يزين الشعر في فهمي.

وقيل: إذا أنشدت المديح ففخّم، أو المراثي فحزّن أو من النسيب فأخضع، أو من الهجاء فسدّد وبالغ.

المستقبح الإنشاد: قال عبد الله بن معاوية:

يزين الشعر أفواه إذا نطقتبالشّعر يوما، وقد يزري بأفواه

وقال أبو خليفة:

كان الشعر من فيهإذا تمّت قوافيه

كنيف قد خرى فيه

ومما جاء في الكتابة والكتاب

اتفاق الحروف مع النّجوم: عدد الحروف العربية عدد منازل القمر، ثمانية وعشرون. وغاية مبلغ الكلمة مع الزيادة سبعة على عدد النجوم السبعة. وصورة الزوائد اثنا عشر على عدد البروج. وأربعة عشر تندرج مع لام التعريف، مثل منازل القمر التي تستتر تحت الأرض وأربعة عشر فوقها وهذا اتفاق صحيح.

أسامي المترجمين: نقل ديوان الفارسيّة إلى العربية صالح بن عبد الرحمن، فقال له رجل من الفرس: كيف

تكتب دهيوده وبنجيوده؟ فقال: عشير ونصف عشير. فقال: وكيف تكتب أندى؟ قال أيضا.

فقال: قطع الله أصلك من الدنيا، كما قطعت أصل الفارسية، وقال لقومه اطلبوا مكسبا غيره.

وممّن نقل العلوم الكبار: ابن بطريق وابن ناعمة وأبو فروة وابن المقفع وأرسطو طاليس وأفلاطون من متقدّمي الحكماء ومستخرجي العلوم.

أجناس الكتابة: قال الكلبيّ كتابة الأمم نوعان: أحدهما يبتدأ باليمين، وهي العربية والعبرانية.

والثاني من اليسار، وهو اليونانية والرومية. وكل كتابة من اليسار فهي مفصولة وكتابة الصين نقوش تصوّر.

وحكي أن ملك الروم قال ما حسدت العرب على شيء كحسدي على أشكال خطوطهم.

مرافق الخطّ: قيل: الخطّ لسان اليد وهو الطلسم الأكبر، وقيل: الخط هندسة روحانيّة ظهرت بآلة جسمانية.

وقيل: العلم شجر، والخطّ ثمر. وفضّل بعضهم الخطّ على اللفظ، فقال: الخطّ للقريب والبعيد، واللفظ للقريب فقط. وفضّل جالينوس اللفظ فقال: الخطّ كلام ميت واللفظ كلام حيّ.

اختلاف الخطوط وتشابهها: قيل: من أعجوبة الخطوط كثرة اختلافها مع اتفاق أصولها، كاختلاف الأشخاص مع اتفاقها في الصنعة.

وعجب بعض الكتاب من إلحاق القافية بالولد بالشبه، فقال له قائف. أعجب من هذا ما يبلغنا من تمييزكم الخطوط وإلحاق كل بصاحبه.

وحكي أن رجلا ادّعى على آخر بخطّ له معه فجحد المدعى عليه خطّه فتحاكما إلى سليمان بن وهب. فأحضر الخطّ وأملى على الرجل كتابا طويلا ردّد فيه الحروف، فتصنّع الرجل في كتابته فأبت سجيته في أحرف إلا أن تأتي كما جرت به عادته، فتبيّن لسليمان كذبه. فاستقصى عليه حتى اعترف بخطّه.

ذمّ عجزة الكتّاب: قال الحجام الأهوازي يهجو الكتّاب:

تعيس الزّمان لقد أتى بعجابومحا رسوم الظرف والآداب
وأتى بكتاب لو انبسطت يديفيهم رددتهم إلى الكتّاب
للشاعر علي بن بسام العبرتائي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

دعيّ في الكتابة يدّعيهاكدعوة آل حرب في زياد

ولما ولي الفضل بن مروان ديوان الخراج وموسى بن عبد الملك ديوان الضياع، قال محمد بن يزيد المراعي:

أرى التدبير ليس له نظاموأمر النّاس ليس بمستقيم
فديوان الضّياع بفتح ضادوديوان الخراج بغير جيم

وذمّ رجل آخر فقال فيه: من أخلاق النبي ﷺ عدم الكتابة والعجز عن تقويم الشعر.

من يسدّ كتابه مسدّ السّلاح والعساكر: قال ابن الرومي:

في كفّه قلم ناهيك من قلمنيلا وناهيك من كفّ به اتّشحا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أما الزمان إلى سلمى فقد جنحا»
يمحو ويكتب أرزاق العباد بهفما المقادير إلا محا ووحى

وقال المتنبيّ:

يا من إذا ورد البلاد كتابهقبل الجيوش ثنى الجيوش تحيّرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
ورسائل قطع العداة سخاءهافرأوا قنا وأسنّة وسنوّرا

وفي وصف القلم باب يجري هذا المجرى.

وممّا هو كالمضادّ لهذا الباب: ما روي أن عكلا أغارت على إبل لبني حنظلة فاستغاثوا بإسحاق بن إبراهيم، فكتب إلى عامل كتابا، فخرج صاحب الكتاب وخرق الكتاب وقال:

جعلتم قراطيس العراق سيوفكمولن يقطع القرطاس رأس المكابر
وقلتم خذوا البرّ التقيّ فإنّهأقلّ امتناعا واتركوا كلّ فاجر
فرحنا بقرطاس طويل وطينةوراحت بنو أعمامنا بالأباعر

وقال البحتري:

فلا غرّني من بعده عزّ كاتبإذا هو لم يأخذ بحجزة رامح

ذمّ الكتابة إذا تولّاها النساء: قال عمر ﵁ جنّبوهنّ الكتابة. وقال دقنس الفيلسوف وقد رأى جارية تتعلّم الكتابة: تسقي سهمها سما لترميك به يوما. وقال السامي:

ما للنساء وللكتابة والعمالة والخطابه
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
هذا لنا ولهنّ منّاأن يبتن على جنابه

سمع جرير شعرا فسأل عن قائله. فقيل: امرأة فلان. فقال: إذا زقت الدجاجة زقاء الديك فاذبحوها.

شكوى التأخّر في الكتابة

حتّام لا أنفكّ حارس سلّةادعى فاسمع مذعنا وأطيع
وأكلف العبء الثقيل وإنّمايبلى به الأتباع لا المتبوع
فعليهم ثقل الأمور وحملهاوعلى الرئيس الختم والتوقيع

نقص الأميّ وفضله: قال أميّ: كان النبي ﷺ أميّا، فقيل له: أما علمت أنه كان لي منقبة ولك مثلبة ؟

وقال المأمون: لأحمد بن يوسف: وددت أن يكون لي خطّ كخطك، فقال: يا أمير المؤمنين لو كان في الخطّ حظّ ما أحرمه الله تعالى نبيّه ﷺ.

وكانت أم سلمة تقرأ ولا تكتب ومحمّد بن الوليد المازني يكتب ولا يقرأ، وكان يتنافس فيما يكتب بيده. وولي عمر بن هبيرة العراق فكان يحفظ جمل حسابها ولا يكتب.

كتاب الرجل منبىء عن عقله: قال زياد: ما قرأت كتابا قطّ لرجل إلا عرفت مقدار عقله فيه.

وقال طريح بن إسماعيل: عقول الرجال في أطراف أقلامها.

وقال يزيد بن المهلّب لابنه، حين استخلفه على خراسان: إذا كتبت كتابا فأكثر النظر فيه، فإنما هو عقلك تضع عليه طابعك، وإن كتاب الرجل موضع عقله، ورسوله موضع رأيه.

بقاء الخطّ: قال بعض الشّعراء

وما من كاتب إلا استبقىكتابته وإن فنيت يداه
فلا تكتب بخطّك غير شيءيسرّك في القيامة أن تراه

وقال الخليل:

كتبت بخطّي ما ترى في دفاتريعن النّاس في عصري وعن كلّ غابر
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
ولولا عزائي أنّه غير خالدعلى الأرض لاستودعته في المقابر
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

من حسن خطّه وخدّه: وصف أحمد بن أبي خالد جارية كاتبة فقال: كان خطّها أشكال صورتها ومدادها سواد شعرها، وقرطاسها أديم وجهها، وقلمها بعض أناملها، وبيانها سحر مقلتها.

وقال:

بخطّ كأن الله قال لحسنهتشبّه بمن قد خطّك اليوم فائتمر

وقال الصاحب:

غزال يفتن النّاسمليح الخدّ والخطّ
فهذا النمل في العاجوهذا الدرّ في السّمط
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «أبو نصر بن بكران»

ذمّ الخطّ القبيح: قيل: رداءة الخطّ إحدى الزمانتين. قال الحسن المغربي:

جزعت من قبح خطّيوفيه وضعي وحطي
رجعت من بعد حذقيإلى كتابة حطي

وقال علي بن محمد العلويّ:

أشكو إلى الله خطّا لا يبلّغنيخط البليغ ولا حظّ المرجينا
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

وقال يحيى بن علي:

مع خط كأنّه أرجل البطّأو الشرط في طلى الفتيان

وقال ابن المستنير وقد سئل عن خطّ وزير ليس بالجيد، رأيت حظّه أحسن من خطّه.

الخطّ الدقيق والجليل: كتب رجل لصاحبه كتابا دقيقا، فقال: ما خاطبتني ولكن عوذتني.

وقال الناشىء:

كتبت إليكم أشتكي حرقة الهوىبخطّ ضعيف والخطوط فنون
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
فقلت حكاني في نحول ودقّةكذاك خطوط العاشقين تكون
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

ورأى محمد بن سعيد كتابا بخطّ دقيق، فقال: هذا كتاب من يئس من طول حياته.

التثبّت في الكتابة والإسراع فيها: قيل التثبّت في الابتداء بلاغة وبعده عيّ وبلادة. وكان ابن المقفع كثيرا ما يقف إذا كتب فقيل له في ذلك، فقال: إنّ الكلام يزدحم في صدري فأقف لتخيّره.

وقيل سرعة اليد محمودة ما أمنت نقصا أو سقطا.

حمد الشكل وذمّه: قيل: حلّوا عواطل الكتب بالتقييد، وحصّنوها من شبه التصحيف والتحريف.

وقيل: إعجام الكتاب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله.

قال الشاعر:

وكأنّ أحرف خطّه شجروالشكل في أضعافه ثمر

قال أبو تمّام، وقد ضرب بعضهم المثل في هذا الباب، بقوله:

إذا ما قيّدت رتكت وليستإذا ما أطلقت ذات انطلاق
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ذريني منك سافحة المآقي»

وعرض خطّ على عبد الله بن طاهر، فقال: ما أحسنه لولا أنّه أكثر شونيزه.

ونظر محمد بن عباد إلى أبي عبيد وهو يقيّد بسم الله فقال: لو عرفته ما شكلته.

الوصيّة بتقويم حروف في الكتابة: قال الحسن: من كتب اسم الله فحسّنه، أحسن الله إليه. وكان يزيد بن ثابت يكره أن يكتب بسم الله من غير السين فإذا رآه كذلك محاه.

ورأى محمّد بن عيسى كاتبا كتب عيسى وردّ الياء إلى خلف، فقال: لا تكتب كذا فأيسر ما فيه أن الياء إذا كان إلى قدّام كان إقبالا، وإذا كان إلى خلف كان إدبارا.

وقيل أرّخوا ذوائب الخطوط يعني ما كان من نحو الياء والنّون.

وقيل: المدّ في حرفين سوء التقدير. وقيل إذا اجتمع واوان وجب الفصل، والفصول حلى الكتاب وجودة القراطيس شفاء القلم.

وقال أمير المؤمنين ﵇: ألق دواتك وأطل سنّ قلمك، وفرّج بين السطور، وقرمط بين الحروف.

معرفة كتابة بإشارة: روي أنّ هشام بن عبد الملك كان يسايره أعرابيّ فقال له: انظر ما على ذلك الميل، فجاء الأعرابي وتأمله وقال: رأيت شيئا كرأس المحجن متّصلا بحلقة يتبعها ثلاث كأطباء الكلبة كأنها رأس قطاة بلا منقار. فعرف هشام أنه يصفه.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «محاضرات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.