من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ الأوّل في العقل والعلم والجهل وما يتعلّق بها (٤)
وأضلّ رجل بعيرا فقال لأعرابي: هل رأيت بعيرا سمته جعفر؟ فقال: ما أعرف جعفرا، ولكن رأيت بعيرا سمته محجن وسابورة وحلقة وهلال متصل بعضه ببعض، فقال: هاهوذا.
وقال مشمشة المخنّث للصولي: اكتب مشمشة يقرأ عليك السلام، فقال: قد كتبت.
فقال أرنيه فإن في اسمي دخالة الأذن فقال: فعجبت من جودة تشبيهه.
تشبيهات بعض حروف المعجم: دعا أبا النجم بعض أصدقائه فعاد عنه سكران فقال:
أقبلت من عند زياد كالخرفتخطّ رجلاي بخطّ مختلف
كأنّما يكتتبان لام الألف
وقال عبد السلام الحمصيّ:
كأنّ قافا أديرت فوق وجنتهواختطّ كاتبها من فوقها ألفا
وقال أبو نواس في حباب الكأس:
خلته في حببات الكاس واوات صغارا
وقال بعضهم في وصف بخيل: كأنّه جلمان من حيث جئته، وجدت لا، وفي تشبيه الشارب قال: فجاء كنصف الصاد من خطّ كاتب.
تتريب الكتب: قال النبي ﷺ: اتربوا الكتب فإنّه أنجح للحوائج.
وكان الفرزدق كتب وصيّة وأعتق عبدا عن دبر فترب الكتاب العبد، فقال:
استنجحت الحاجة واستعجلت المنيّة لي يا ابن الفاعلة، احذفوا اسمه من الوصيّة.
رفع رجل قصة إلى عبد الله بن طاهر وقد أكثر عليها من التراب، فوقّع فيها إن ضمن لنا من الصابون ما ينقّي ثيابنا من تراب كتابه ضمنا له قضاء حاجته.
الكتابة في الأنصاف والظهر: قال الشاعر:
أنت لما ابتدأت تكتب في الأنصاف خفنا من قلّة الإنصاف
وكتب أحمد بن يوسف إلى صديق له: كتبت إليك في الظهر تفاؤلا بأن يظهرك الله على من ناواك. ويجعلك ظهرا لمن والاك.
قال الشاعر:
العذر في الظهر عند الحرّ منبسطإذا رأى سطوات الدّهر بالنعم
لو كان يصلح خدّي ما جرى قلميإلا عليه على أن المداد دمي
وقال آخر:
كتب القراطيس لذي حشمةوكتب ما بالظهر للنّاس
المكتوب على الحواشي: قال بعضهم: اطلبوا النكت في الفواشي والحواشي. وقيل: التعليق في الحواشي كالشنوف في آذان الأبكار.
الحكّ: قيل: من كثر شكّه جاد حكّه.
وقال علي بن عيسى لجماعة من الكتّاب، رأى في كتابتهم حكّا كثيرا: ما زلتم تغلطون وتحكّون حتى حذقتم بالحك.
ورأى الصاحب حكّا كثيرا في حساب دفع إليه، فقال: أرى فيه تأثير السكين أكثر من تأثير القلم.
قال الشاعر:
حذقك بالحكّ دليل علىأنّك في الكتب كثير الخطأ
النّظر في كتاب الغير: قال الفضل بن الربيع: كنت أقرأ في كتاب، وإلى جانبي رجل من أهل المدينة، فجعل ينظر فيه: فلمحته وقلت: ما تصنع ويحك؟ قال: بلغني أن النبيّ ﷺ قال: من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما يتطلع في النار، ولنا أشياخ قد تقدّموا فقلت لعليّ أرى أعظمهم.
وكتب بعض الكتّاب كتابا وإلى جنبه رجل يتطلع، فكتب فيه: ولولا أنّ ابن الزانية فلانا يتطلّع عليّ فيما أكتبه، لشرحت كثيرا مما في قلبي، فقال الرجل: يا سيدي ما كنت أتطلع عليك، فقال: يا بغيض فإذا من أين علمت ما كتبت فيه.
ترشّش المداد على الثوب: قال محمد بن مهران:
لا تجزعنّ من المداد ولطخهإنّ المداد خلوق ثوب الكاتب
وقال الحسن بن وهب:
وما شيء بأحسن من ثيابعلى حافاتها سمة المداد
وقال آخر في نقيض هذا:
يدلّ على أنّه كاتبسواد بأظفاره راسب
فإن كان هذا دليلا لنافإسكافنا كاتب حاسب
التاريخ: كان الرسم أن يؤرخ بكل وقت تحدث فيه حادثة ظاهرة مشهورة. فالروم كانت تؤرخ بملك ذي القرنين وهو الإسكندر. والفرس كانت تؤرخ بأعدل ملك كان يتفق له، إلى أن باد ملكهم يزدجرد فهم يؤرخون منه. والعرب بمشاهير الحوادث كنزول إسماعيل مكّة، وعام الفيل، وهجرة النبي ﷺ. وعليها استقر الحكم إلى الآن. وأول من أرّخ بذلك في الإسلام عمر بن الخطاب ﵁.
العنوان: الرسم أن يكتب اسم الكاتب ضئيلا والمكتوب إليه فحلا جسيما. ورأى طاهر بن الحسين رقعة لابنه، إلى المأمون وعليه عبده عبد الله، فقال: يا بنيّ ابدل هذه اللفظة شيئا آخر فإني سميتك عبد الله فلا تشرك معه في ملكه غيره.
ووقّع المهدي في كتاب رجل كتب عليه عبده لا أعلمنّ أحدا ينسب نفسه إلى مخلوق مثله على عنوان، فإنه ملق كاذب لا يقبله إلا مفتون أو مأفون.
الختم: قيل في قوله تعالى: فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
، أي مختوم. وفي قوله تعالى: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
، أي مختوم.
وقال ابن عباس ﵄: الكتاب بلا ختم يسمى أقلف وهو استهانة بالمكتوب إليه.
وقال عمر ﵁: طينة خير من ظنّة.
وقيل: الختم ختم، وقيل: التصفّح قبل الختم والختم بعد العنوان.
وسأل بعض الأدباء رئيسا أن يختم كتابه فقال:
يا أيّها الملك المنفّذأمره شرقا وغربا
امنن بختم صحيفتيما دام هذا الطين رطبا
واعلم بأنّ جفافهمما يعيد السهل صعبا
وكتب بعضهم إلى رئيس: تختم كتبك لأنها مطايا البرّ، وأنا لا أختمها لأنها حوامل شكر.
القصّة والتّوقيع: قال الصاحب لرجل رفع إليه قصّة وهو يكثر الكلام: هذا رفع القصص لا رفع القصص.
وجاء رجل يطلب منه توقيعا بالجواز، فقال: يكتب جواز لحيته على طريق فقحته.
وقيل التوقيع إلى ذوي الأقدار موق.
مدح الورّاقين وذمّهم: قيل لا تقعدنّ في السوق إلا إلى ورّاق أو زرّاد، فهما مباينان للأوغاد.
وقال عبدوس الحكيم: لا تكوننّ وراقا لآلئيا فإن الدفاتر للعلماء والجواهر للملوك وهذان الصنفان في الناس قليل.
وقال الجاحظ في ذمّهم: لم أر شرا من الورّاقين مع أن صناعتهم نسخ الأخبار لذوي الآداب والألباب، وورّاق المصاحف شر.
وقال: نبئت أن شيخا منهم خثر عليه الحبر، فبال في المحبرة وكتب به المصحف والماء منه غير بعيد.
وقال ورّاق: عرضي أرقّ من الزجاج ومجالي في طلب الرزق أضيق من المحبرة ووجهي في الناس أشدّ سوادا من الحبر.
وقيل لورّاق: ما تشتهي؟ فقال قلما مشاقا وحبرا برّاقا وجلودا رقاقا والله سبحانه أعلم.
ومما جاء في التصحيفات
النّهي عن أخذ العلم من الصحفي: قيل لا تأخذوا العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي، وهجا بعضهم أبا حاتم فقال:
إذا أسند القوم أخبارهمفإسناده الصحف والهاجس
وقال أبو نواس في مرثية خلف:
أودى جماع العلم مذ أودى خلففليذم من العياليم الخسف
رواية لا يجتنى من الصحف
المهجّو بكثرة التصحيف: قيل: كيسان يمسخ على لسانه العلم ثلاث مرات، فإنه يكتب في ألواحه خلاف ما يسمع، وينقل من ألواحه إلى الدفتر، خلاف ما يكتب، ثم يقرأ من الدفتر خلاف ما يكتب. وقال شاعر:
ولم يسمع النحو لكنّهقرا منه شيئا وقد صحّفه
تصحيفات متوالية إلى ما لا معنى له: وجد معلم يلقن صبيا:
عفت الديار محلّها قمقامهابمنى بأبد غولها فرجامها
وإنما هو:
عفت الديار محلّها فمقامهابمنى تأبّد غولها فرجامها
قال الجاحظ: ومررت بمعلّم وهو يلقن صبيا:
يا أبا الفياش جثىاخرج الفتيان غثا
لبش في الأرض أباسشزنوا أيلج مثا
فقلت: بالعبرانية هذا؟ قال: لا، هو بالعربية. فلما تأمّلته إذا هو مكتوب:
يا أبا العباس حبىأخرج الفتيان عنّا
ليس في الأرض أناسشربوا أملح منّا
فقلت: أيها المعلم أنّك ضائع بهذا البلد. قال: نعم قدور ومزاريق. ورئي صبيّ يقرأ على معلم:
والشيخ لا يبرك أجلافهحتى يوارى في ثرى دمسه
فإذا هو:
والشيخ لا يترك أخلاقهحتى يوارى في ثرى رمسه
تصحيفات في القرآن مستهجنة: سمع رجل يقرأ: ربّنا إنّك من تدخل النار فقد أخزيته بالراء. فقال بعضهم أخراه:
ولكن بلفظ أحسن من هذا.
وقال رجل في مجلس الشافعي ﵁: كيف يقرأ بشوال يعجنك أو بشوال يعجبك؟ فقيل: ليس في القرآن شيء من ذلك. فقال الشافعي: دعوه لي إنما هو بسؤال نعجتك.
وقال الجاحظ: سمعت من يقرأ ض والقرآن وقرأ آخر وفرش مرقوعة. وقرأ آخر إن السموات والأرض كانتا ريقا. وقرأ آخر: نبية من ربكم وقرأ آخر ومريم بنت عمران التي أخصيت فرجها.
من صحّف وتأوّل برقاعته: قرأ بعضهم: فأوجس في نفسه جيفة، فقيل: هو خيفة. فقال: لا، بل لأنه توضأ ولم يغسل استه.
وقرأ آخر في روضة يخبزون. فقال: اخشكا رام جواري فقال: ما أرادوا ففيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين.
وقرأ آخر ما سأل به جبيرا. فقال: من جبير؟ فقال: والد سعيد. وقرأ رجل على محمد بن حبيب من شعر الراعي، تعود ثعالب السرقين منه، فقال: إنما هو ثعالب الشرفين منه فقال: إن الثعالب أولع شيء بالسرقين فقال: أتصحيف وتفسير!
تصحيف فيه نادرة: قرأ رجل على ابن مجاهد بل عجنت ويسجرون. قال: أحسنت فمع العجن سجر التنور.
وقرأ صبيّ على معلم أني أريد أن أنكحك، فقال هذا إذا قرأت على أمك.
وقرأ آخر وأما الآخر فتصلب، فقال: هذا إذا قرأت على أبيك الكشحان، وغنّى رجل.
خليلي هبا نصطبح بسماد
فقال اصطبح به وحدك، إنما هو بسواد.
تصحيف أفضى إلى مضرّة: كتب الوليد بن عبد الملك إلى والي المدينة: أحص من قبلك من المخنثين فونم الذباب على الحاء فقرأ الكتاب أخص. فقال العامل: لعلّه أحص فقال الكاتب: على الحاء نقطة كسهيل، فخصى جماعة منهم ولكل واحد نادرة.
وكتب صاحب الخبر بأصبهان إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فلانا يعني قائدا كبيرا له خزلجية، ويجلس مع النساء فكتب إلى العامل ابعث إلي فلانا وخزلجيته. فقرأ الكاتب:
وجزّ لحيته، فأخذه وحلق لحيته وأشخصه فلمّا أبصره رأى آية فضحك وخلاه.
وكان حيّان بن بشير يملي أن عرفجة أصيب يوم الكلاب وكان مستمليه يعرف ملحه، فقال: إنما هو الكلاب بالضم، وحبست أنا من أجله.
إدعاء تصحيف أدّى إلى خلاص: أتى عبد الملك بخارجيّ فأمر بقتله، وقال ألست القائل:
ومنا حصين والبطين وقعنبومنا أمير المؤمنين شبيب
فقال إنما قلت: أمير المؤمنين، أي يا أمير المؤمنين فأطلقه.
وأحضر جعفر بن سليمان الهاشمي خطابي المقدم الهذيلي وفيه:
يا ابن الزواني من بني معاويةأنت لعمري منهم ابن الزانية
فقال: إنما قلت: يا ابن الرواثي وأنت ابن الراثية أي اللواتي ينحن على موتاهم.
وحكي أن علوية الشاعر اجتمع عليه الصوفية، وقالوا له أنت أنشدت:
طاب لنا الرفض بغير حشمه
فقال: إنما قلت: طاب لنا الرقص فرضوا عنه وانصرفوا.
من هجا أو مدح بادّعاء تصحيف: هجا أبو نواس أبان اللاحقي فقال:
صحفت أمّك إذ سمّتك في المهد أباناقد علمنا ما أرادت
لم ترد إلا أتانا.
وقال آخر يهجو:
رأى الصيف مكتوبا فظنّ بأنّهلتصحيفه ضيفا فقام يواثبه
وقال المتنبّي:
جرى الخلف إلا فيك إنك واحدوإنك ليث والملوك ذئاب
وإنّك لو قويست صحّف قارىءذئابا ولم يخطىء فقال ذباب
كلمات تعسر قراءتها ويعسر تصحيفها: استؤمر عبد الله بن طاهر في ابتناء موضع، يقال له لبنا فوقّع له، لبنا لبنا لبنا لبنا لبنا ووقع في رقعة بسبب عزير بن نوح عزير غرير عزير علينا ومن عزير، ووقع أيضا معاوية ابن معاوية ليحيى ليحيا خراج جراح فقد فقد، ووقّع علي بن رستم لرجل: غرك عزك فصار قصار ذلك دلك فاخش فاحش فعلك فعلك نهدا بهذا والسلام.
ومما جاء في آلات الكتابة
تفضيل القلم على السّيف: قال محمّد بن علي يمدح:
في كفّه صارم لانت مضاربهيسوسنا رغبا إن شاء أو رهبا
السيف والرمح خدّام له أبدالا يبلغان به جدّا ولا لعبا
فما رأينا مدادا قبل ذاك دماولا رأينا حساما قبل ذا قصبا
وقال ابن الرومي:
كذا قضى الله للأقلام مذ بريتأنّ السيوف لها مذ أرهفت خدم
تفضيله على القلم: فاخر السيف القلم فقال القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر. فقال السيف: القلم خادم السيف إن نيل مراده، وإلا فإلى السيف معاده.
وقال البحتري:
وعادة السيف أن يستخدم القلما
وقال المتنبّي:
حتّى رجعت وأقلامي قوائل ليالمجد للسّيف ليس المجد للقلم
اكتب بنا أبدا بعد الكتاب بهفإنّما نحن للأسياف كالخدم
وصفه بأنه يكشف عن الضمائر: قال بعضهم: القلم يزفّ بنات القلوب إلى خدور الكتب، وقال ابن المعتز: القلم يخدم الإرادة ولا يملّ الإستزاده، يسكت واقفا وينطق سائرا، وقال شاعر:
ومكشف السرّ الضمير بلا معاناة السّؤال
وقال آخر:
نواطق إلا أنّهن سواكتيترجمن عمّا في الضمير مكتما
وفي وصفه:
عجبت لذي سنين والماء نبتهله أثر في كلّ مصر ومعمر
وقال ابن المقفع: القلم بريد القلب، يخبّ بالخبر وينظر بلا بصر، وقال ابن أبي داود: القلم سفير العقل، ورسول الفكر، وترجمان الذّهن.
وصفه بأنه أخرس ناطق: قال الشاعر:
وأخرس ناطق أعمى بصيربليغ عند منطقه عييّ
متى ترعف مناخره سوادايخبّر عنك بالمعنى المضيّ
وقال محمد العلويّ:
أخرس ينبيك بأطرافهعن كلّ ما شئت من الأمر
يذري على قرطاسه دمعةيبدي بها السرّ وما يدري
كعاشق يخفي هواه وقدنمّت عليه عبرة تجري
لغز في وصف القلم: قال الشاعر
وبيت بعلياء الفلاة بنيتهباسمي مشقوق الخياشيم يرعف
وقال آخر:
وأجوف يمشي على رأسهيطير حثيثا على أملس
فهمت بآثاره ما مضىوما هو آت ولم يلبس
وصف دواة وقلم: قال الشاعر:
وزنجيّة لم تلدها الإناثوفي جوفها من سواها ولد
وكتب ابن طباطبا إلى ابن أبي البغل، وبعث إليه قلما أسود وآخر أبيض وسبعة سمرا:
هذا ابن سام وبنت حامشعبهما اليوم ذو التئام
قد أظهرا في الورى ازدواجافامتزج النّور بالظّلام
وأنسلا صبية صغاراسبعا يوافين في نظام
هنّ مدى الدهر مرضعاتيشتقن ريا إلى الفطام
اختيار قلّة الأقلام: قال الصوليّ لغلام: ليكن قلمك صلبا بين الرقّة والغلظ، ولا تبره عند عقدة فإنّ فيه تعقد الأمور، ولا تجعلنّ في أنبوبه أنبوبة، ولا تكتبنّ بقلم ملتو ولا بذي شقّ غير مستو.
أدب بري القلم والاستنكاف منه: قيل: ليكن مقطك إذا قططت صلبا، لئلا يتشظّى القلم. وقال عبد الحميد الكاتب: أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها.
وقيل: تبطين القلم شؤم وحرفه حرف. وقيل: القلم المحرف للرجل المحارف.
وأوصى بعضهم كاتبا فقال: أجد قلمك فالقلم الرديء كالولد العاق.
وقيل: إذا لم تسمع لقطك صوتا كصوت القسيّ ووقعا كوقع المشرفيّ فأعد القطّ.
وقال الصاحب لكاتب في مجلسه: ليس لك في مجلسي إلا القطّ فقط.
التمدّح ببري القلم والاستنكاف منه: قال الشاعر:
دخيل في الكتابة ليس منهافما يدري دبيرا من قبيل
إذا ما رام للأنبوب برياتنكّب عاجزا قصد السّبيل
قال كشاجم:
لم ترني قطّ باريا قلمافي بريه كل مهنة وضعه
ما كلّ من يحمل الحسام لكييردي به سنّه ولا طبعه
وقال أبو الحسن بن سعد: كنت عند عليّ بن سعد فرأيت له أقلاما رديئة البري، فأخذتها وأحسنت بريها فقال: يا أبا الحسن عليك بالكتابة فإن هذه تجارة.
السكّين: قيل: السكّين مسنّ الأقلام تشحذها إذا كلّت، وتلمّها إذا تشعّثت، وأحسن السكاكين ما عرض صدره وأرهف حدّه ولم يفضل عن القبضة نصابه.
وقيل لكاتب: سكّينك ليس بقاطع فقال: هو أقطع من البين.
ولأبي حفص الورّاق كتبه على سكّين:
سكيننا من يره سيعجبهوقاه ربّي شرّ من يستوهبه
وكيد من يسرقه ويغصبهما أظلم اللّيل ولاح كوكبه
وقال ابن نباتة:
مرهفة تعجز وصف البيانللسيف معنى ولها معنيان
تخلفه في حدّه تارةوتارة تخلف حدّ السّنان
ما أبصر النّاظر من قبلهاماء ونارا جمعا في مكان
مقطّ ومحراك: وقال الشاعر:
معه مقطّ قد تحلّى سنّهاشبه الصدود بدا بخلف غرام
يحكي سويداء القلوب إذا رمتفيها لواحظ شادن بسهام
وانضاف محراك إليه كأنّماأخذوه قدّ الصارم الصمصام
وقال أبو الحسن المشطّب الهمداني:
إنّني منفذ إليك مقطّاسهرديزا كأير عير مريّ
سابغا طوله شديدا قواهفاتخذه كنانة لقسيّ
استهداء المداد وإهداؤه: كتب بعضهم إلى صديق يستمدّ منه مدادا:
أنا أشكو إليك من دواتيهي عوني وعدّتي وعتادي
عطلت من مدادها فاستعاضتيقق اللون من حلوك السّواد
لم تزل من بنات حام فجاءتمن بني يافث بغير ولاد
أنت للحادثات عدّة صدقفترى أن تمدّها بمداد
وقال عبدان:
هل لك في أن تحوز محمدةأنفس من فضّة ومن ذهب
زوّد فتاة أتتك رائقةبدرّة الفحم لابنة القصب
الحبر: قال بعض الأدباء: بالحبر تنصاغ حكم الأخبار، وبسواده تتضح شبه الآثار.
وقيل لورّاق: أخف رداءة خطّك بجودة حبرك، وقيل: عطّروا كتب علومكم بالحبر، فالحبر غالية والكتاب غانية.
وقال الشاعر:
وأكرم بحبر بها لجّةجواهرها حكم تنثر
وقال كشاجم في من أعطاه محبرة:
محبرة جاد لي بها قمرمستحسن الخلق مرتضى الخلق
كأنّما حبرها إذا نثرتأقلامنا طلّه على الورق
كحل مرته الجفون من مقلنجل فأوفت به على يقق
خرساء لكنّها تكون لناعونا على علم أفصح النطق
لوح الحساب: قال كشاجم:
نعم المعين على الآداب والحكمصحائف حلك الألوان كالظّلم
جفّت وخفّت فلم يدنّس لحاملهاثوب ولم يخش فيها نبوة القلم
لو كنّ ألواح موسى يوم أغضبههارون لم يلقها خوفا من النّدم
لوح الهندسة: وقال كشاجم:
وقلم مداده ترابفي صحف سطورها حساب
يكثر فيه المحو والإضرابمن غير أن يسوّد الكتاب
حتى يبين الحقّ والصّوابوليس إعجام ولا إعراب
فيه ولا شكّ ولا ارتياب
مرفع الدواة: قال الشاعر:
قرّب البعد مرفع لدواةملجم من حليه بلجام
كخوان الطّعام سهّل للآكل منه ما كان صعب المرام
الاصطرلاب: وقال الببغاء:
ومستدير معجم التقسيممنتسب الأشكال والرّسوم
دبّره فكر امرىء حكيمفصاغه في صغر التجسيم
مساويا للفلك العظيممقتطعا لسائر النّجوم
وكتب الصابىء إلى بعض أصدقائه وقد أهدي له اصطرلاب:
لم يرض بالأرض يهديها إليك وقدأهدى لك الفلك الأعلى وما فيه
نفع الكتب وكونها ذات أنس: ذكر الجاحظ الكتب فقال: نعم الذخر والعقدة، والجليس والعدّة والمشتغل والحرفة، ونعم القرين والدخيل والوزير والنزيل، والكتاب هو الأنيس الذي لا يطريك والصّديق الذي لا يغريك، يطيل امتاعك ويشحذ طباعك.
وقال ابن المقفع: كلّ مصحوب ذو هفوات والكتاب مأمون العثرات.
وقال الرفّاء:
اجعل جليسك دفترا في نشرهللميت من حكم العلوم نشور
ومفيد آداب ومؤنس وحشةوإذا انفردت فصاحب وسمير
وأنشد أبو محمد الخازن لنفسه:
فدفتري روضتي ومحبرتيغدير علمي وصارمي قلمي
وراحتي في قرار صومعتيتعلّمني كيف موقع القسم
التمدّح بالإنفاق على الكتب والحثّ عليه: قيل لابن درّاج، وقد أخرج شعر أبي الشمقمق، في جلود كوفيّة ودفّتين طائفيتين:
لقد ضيّع دراهمه من يجود لشعر أبي الشمقمق. فقال: لا جرم أنّ العلم يعطيكم على قدر ما تعطونه، ولو استطعت أن أكتبه في سواد عيني أو سويداء قلبي لفعلت.
وقيل: إذا حويت الكتب فقد أحرزت الأدب والنّشب، وقال شاعر:
تحرّض على تجويد كتبك أنّهامناهل ورّاد الحجى والفوائد
وقيل: إنفاق المال على كتب الأدب يخلفك عليه لباب الألباب.
ذمّ من يجمع الكتب ولم يحفظها: قال محمّد بن بشر:
أما لو أعي كلّ ما أسمعوأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمعتلقيل هو العالم المصقع
ولكنّ نفسي إلى كلّ شيءمن العلم تسمعه تنزع
فلا أنا أحفظ ما قد جمعتولا أنا من جمعه أشبع
ومن يك في دهره هكذايكن دهره القهقرى يرجع
مدح ملازمة الكتب: قال أبو عمرو: وما رأيت أحدا في يده دفتر، وصاحبه فارغ اليد، إلا اعتقدت أنه أعقل وأفضل من صاحبه.
وكان عبد الله بن عبد العزيز يلزم أبدا المقابر ومعه شيء من الدفاتر، فقيل له في ذلك، فقال: لم أر أوعظ من كتاب وأسلم من الإنفراد.
ونظر المأمون إلى بعض أولاده وفي يده كتاب فقال: ما هذا؟ قال بعض ما يشحذ الفطنة ويؤنس الوحشة، فقال: الحمد لله الذي جعل في أولادي من ينظر إليه بأدبه أكثر مما ينظر إليه بحسبه.
ومما جاء في الصدق والكذب
الممدوح بالصّدق: فلان أصدق من أبي ذرّ وأصدق من قطاة. وقال النبي ﷺ: ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذرّ.
وقال الجاحظ: أخبرني فلان وهو والكذب لا يجتمعان في طريق، ولا يقشعرّ من الكذب.
قال التنوخي:
وألسنهم وقف على الصّدق والرفاوأيمانهم وقف على القصد والنعمى
وقال جحظة البرمكيّ:
وكان صديق الورىبالحقّ ينطق عن لسانه
وفي المثل: لا يكذب الرائد أهله، لأن كذبه يجتثّ أصله.
النّهي عن رواية الكذب: قيل: من حدّث بحديث، وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين، وقيل أحد الشاتمين.
وقال النبي ﷺ: من قال عليّ ما لم أقله أو ردّ شيئا ممّا قلته فليتبوّأ مقعده من النار.
وقيل: إيّاك أن تكون للكذب راويا، أو واعيا.
النهي عن رواية ما هو بعرض التكذيب: قيل: من صفات العاقل أن يحدّث بما لا يستطاع تكذيبه.
وقيل: إياك وحكاية ما يستبعد فيجد عدوّك سبيلا إلى تكذيبك.
ترك الكذب صعب: قيل من استحلى الكذب عسر عليه فطام نفسه عنه.
وقيل لرجل: أترك الكذب، فقال: والله لو تغرغرت به وتطعمت حلاوته لما صبرت عنه.
وقال يحيى بن خالد: قد رأينا شارب خمر أقلع، ولصّا نزع، ولم نر كذّابا رجع. وقيل: كل ذنب يرجى تركه إما بتوبة أو إنابة ما، خلا الكذب، فإنّ صاحبه يزداد به ولوعا على الكبر.
مضرّة الكذب: قيل: دع الكذب فإنّه يضرّك حيث ترى أنه ينفعك، وعليك بالصّدق فإنه ينفعك حيث ترى أنه يضرّك.
وقيل: الحق أبلج والباطل لجلج، إذا كذب السفير بطل التدبير، إذا كذب الرائد هلك الوارد. الصدّق عزّ والباطل ذلّ.
من آثر الصدق في مواضع طلبا لجواز كذبه: قال خالد بن صفوان: أصدق في صغار ما يضرّك ليجوز لك الكذب في كبار ما ينفعك. وقيل: من عرف بالصّدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه.
حثّ الكاذب على التحفّظ: قيل: إذا كنت كذوبا، فكن ذكورا. وذكر عثمان البستي عكرمة، فقيل له: ما كان
يكذب، فقال: كان أحمق، من الحسن الكذب. إن الكذوب من يكون متحفّظا.
النهي عن سماع الكذب: قيل: أجعل قول الكذّاب ريحا لتستريح، وقال أبو تمّام:
ومن يأذن إلى الواشين تسلقمسامعه بألسنة حداد
وقالوا: نزّه سمعك عن سماع الكذب، كما تنزّه لسانك عن التفوّه به.
ما أجيز فيه الكذب: روي عن النبي ﷺ أنه قال: كلّ كذب مكتوب، إلا كذب الرجل في الحرب، فإنها خدعة، أو كذب المرء بين الرجلين ليصلح بينهما، أو كذبه لامرأته ليرضيها.
وقيل لفيلسوف: متى يحمد الكذب؟
قال: إذا قرّب بين المتقاطعين. قيل: فمتى يذمّ الصدق؟ قال: إذا كان غيبة.
أتى معاوية ﵁ بلصّ، فقال زياد: أصدق. فقال الأحنف: الصدق أحيانا معجزة.
قال الشاعر:
الصدق أفضل ما نطقت بهولربّما نفع الفتى كذبه
وقال آخر:
طلبنا النفع بالباطلإذا لم ينفع الصدق
جواز التعريض: أقبل رسول الله ﷺ مردفا أبا بكر عام الهجرة، فقيل لأبي بكر: من هذا قدّامك؟
قال: رجل يهديني السبيل، تعريضا بأنه يهديني سبيل الحق.
وقال النبي ﷺ: للرجل الذي سأله ممّن أنت؟ فقال: من ماء، وما حكى الله من قول إبراهيم ﵇ أني سقيم، وقوله: فعله كبيرهم هذا فاسألوهم وما روي عنه أنه قال عن امرأته هذه أختي كل ذلك تعريض. وقيل في قوله تعالى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
من معاريض الكلام ولم يكن قد نسي ما عهد عليه.
وقال عمر: في المعاريض مندوحة عن الكذب.
المعترف بالتزيّد والتكذيب: قال خالد بن صفوان: أني لا أسمع الحديث فلا أحدّث به، حتى أتوبله وأفلفله وأسعتره، وقال: أني لأسمع الحديث مجردا فأكسوه، وممرطا فأريشه. وقيل لحيّان: إنك لتكذب في الحديث. فقال: ما يضرّك كذبه ولا ينفعك صدقه، وما يدور إلا على لفظ جيّد ومعنى حسن. ولو أردته لتلجلج لسانك وذهب بيانك.
المعتذر منه: قال بعضهم: ونصرة الحق أفضت بي إلى الكذب.
قال الشاعر:
وزعمت أني قد كذبتك مرّةبعض الحديث وما صدقتك أكثر
وفي المثل: عند النوى يكذبك الصادق.
المتأهب في الكذب: تشاجر رجلان في سواد، تراءى من سطح، فقال أحدهما: غراب. وقال الآخر:
خفّ. وحلف كل منهما على صدق ما قاله. فدنوا منه فطار، فقال صاحب الغراب: كيف ترى؟ فقال الآخر: امرأته طالق ثلاثا، إن كان إلا خفا ولو بلغ مكة طيرانا.
وقال بعضهم لابنه: إكذب على الأموات وباهت مع الأحياء. وقيل لإعرابي: بم غلبت؟ فقال: أبهت بالكذب وأستشهد الموتى.
صعوبة سماع الكذب: قيل لبعض ندماء السلطان: ما حالكم معه؟ قال: نحن كما قال الله تعالى:
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
. وكان رجل يكثر الكذب وله غلام يخالفه ويكذّبه، فقال له يوما: كنت في ضيعة لي في حصاد زرع، فرميت طيرا فوجدت في حوصلته رطبة، لم ينضج نصفها. فقال الغلام: استدع السوط ولا تهذ متى يجتمع الحصاد والرطب يا أحمق.
ما يجوز أن يكذب المرء فيه: في كتاب جاويزان فروخ: محرم على السامع تكذيب القائل إلا في ثلاث: صبر الجاهل على مضض المصيبة، وعاقل أبغض من أحسن إليه، وحماة أحبّت كنّة.
وقيل: إذا أردت أن تعرف عقل الرجل فحدّثه في خلال حديثك بما لا يكون فإن أنكره فهو عاقل، وإن صدّقه فهو أحمق.
وقيل: كذّب بالمحالات، وأقر بالواجبات، وتوقّف عن الممكنات.
ومما جاء في السر
المنع من إظهار السرّ قبل تمامه: قيل: استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان، فإن كلّ ذي نعمة محسود.
وقيل: من وهي الأمر إعلامه قبل إحكامه. وقيل: من حصّن سرّه أمن ضرّه.
الحثّ على حفظ السرّ: قيل: من لم يكتم السرّ فقد استكمل الجهل.
وسمع ابن المقفع قول الشاعر:
إذا جاوز الاثنين سرّ فإنّهيبثّ وتكثير الحديث قمين
فقال: أراد بالاثنين الشفتين، ويدلّ على ذلك قول الآخر:
فلا تفش سرّك إلا إليكفإنّ لكلّ نصيح نصيحا
وفي المثل: اجعل هذا في وعاء غير ذي سرب. سرّك من دمك، فانظر أين تريقه.
وقيل: من أفشى سرّه كثر المتأمرون عليه. قال الصلتان:
سرّ الثلاثة غير الخفي
المستوخم عاقبة إفشاء السرّ: لما ولّى عمر بن الخطاب ﵁، قدامة بن مظعون بدل المغيرة أمره أن لا يخبر أحدا. فلم يكن له زاد فتوجّهت امرأته إلى دار المغيرة، فقالت: أقرضونا زاد الراكب، فإنّ أمير المؤمنين ولّى زوجي الكوفة، فأخبرت امرأة المغيرة زوجها، فجاء إلى عمر ﵁ واستأذن عليه، وقال: يا أمير المؤمنين ولّيت قدامة الكوفة وهو رجل قويّ أمين. فقال: ومن أخبرك؟ قال نساء المدينة يتحدّثن به، فقال: اذهب وخذ منه العهد.
من يكره اطلاعه على السرّ: قيل: لا تطلعوا النساء على سرّكم تصلح أموركم. وقيل: ما كتمته عدوّك فلا تطلع عليه صديقك.
المتبجّج بحفظ السرّ: قيل لرجل: كيف كتمانك السر؟ قال: قلبي قبره وصدري حبسه. وقال الأحوص:
ومستخبر عن سرّ ريّا رددتهبعمياء من ريّا بغير يقين
وقال أبو تمّام:
منيع نواحي السرّ منه حصينها
وقال المتنبّي:
وللسرّ منّي موضع لا ينالهنديم ولا يفضي إليه شراب
وقال ابن نباته:
أكاتم قلبي رأي عيني وإنّهليكتم منّي سرّ كلّ خليل
الممدوح بحفظه: قال الأحوص:
كريم يميت السرّ حتّى كأنّهعم بنواحي أمره وهو خابر
وقال قيس بن الحطيم:
كتوم لأسرار الخليل أمينهايرى أن بثّ السرّ قاصمة الظّهر
وقال كشاجم:
ويكاتم الأسرار حتّى أنّهليصونها عن أن تمرّ بخاطره
مدح كتمان السر: قال قتادة (رضي الله تعالى عنه): إذا تكلمت بالنهار فانظر من عندك، وبالليل، فاخفض صوتك. وقد نظمه الشاعر بقوله:
اخفض الصوت إن نطقت بليلوالتفت بالنّهار قبل الكلام
ودنا رجل من آخر فكلّمه، فقال: ليس ها هنا أحد، فقال: من حق السرّ التداني.
صعوبة حفظ السرّ: قيل: أصبر النّاس من صبر على كتمان سرّه فلم يبده لصديقه. الصّبر على التهاب النار أهون من الصّبر على كتمان السرّ.
عيب من لا يحفظ سرّه ويستحفظه غيره: وقال الشاعر:
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسهفصدر الذي يستودع السرّ أضيق
وقال بشّار:
تبوح بسرّك ضيقا بهوتبغي لسرّك من يكتم
وقال دعامة بن يزيد الطائي:
إذا ما جعلت السرّ عند مضيعفإنّك ممّن ضيّع السرّ أذنب
ذمّ مفش سرّه: قيل: فلان أنمّ من النسيم على الرياض، ومن العين منها الصفو والكدر، وقيل:
وهو أضيع للأسرار من الغربال للماء.
قال الشاعر:
أغربالا إذا استودعت سرّاوكانونا على المتكلّمينا
وقال آخر:
أمنت على السرّ أمرأ غير حازمولكنّه في النّصح غير مريب
أذاع به في النّاس حتّى كأنّهبعلياء نار أوقدت بثقوب
وقال ابن الرومي:
كان سرّي في أحشائه لهبفما تطيق له طيا حواشيها
الأحوال التي يفشو فيها السرّ: قال يحيى بن خالد: الرجل ينبىء عن نفسه في ثلاثة مواضع: إذا اضطجع على فراشه، وإذا خلا بعرسه، وإذا استوى على سرجه.
وقيل: إذا أردت أن تنزل الرجل عن سرّه، فتوصّل إليه من حال سكره:
فالسكر يظهر سرّه المكتوما
كتم ما لا ينكتم: قال الشاعر:
وليس الذي فيه خفاء لأمرهكمن دبّ يستخفي وفي العنق جلجل
وقال زهير:
مخاز لا يدبّ لها الخفاء
وفي المثل:
وهل يخفى على النّاس النّهار
وقال أبو نواس يصف الخمر:
نحن نخفيها ويأبىطيب ريح وفيوح
المساررة في المحافل: قال النبي ﷺ: إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث.
وكان مالك بن مسمع إذا سارّه إنسان يقول: أظهره فلو كان خيرا لم يكن مكتوما.
وهذا من قول زهير:
والستر دون الفاحشات ولايلقاك دون الخير من ستر
وقال الخبزارزي:
إذا أنت ساررت في مجلسفإنّك في أهله متّهم
فهذا يقول قد اغتابنيوذا يستريب وذايتّهم
الرخصة في إفشاء السرّ إلى الصّديق: ليم بعضهم في إفشاء السر، فقال: المصدور إذا لم ينفث جوي والمهجور إذا لم يشك وري. قال الشاعر:
ولا بدّ للشكوى إلى ذي حفيظةإذا جعلت أسرار نفسي تطلع
وقال محمود الورّاق:
إذا كتم الصّديق أخاه سرّافما فضل الصّديق على العدوّ؟
وقيل: لا يزال المرء في كربة ووحشة، ما لم يجد من يشكو إليه.
وقال الشاعر:
لا تكتمنّ داءك الطبيباولا الصّديق سرّك الهجوبا
وسارر المهدي وكيلا له، والعبّاس بن محمد حاضر، فقال: اسردوني ولو هجم بي نصحك على تلفى لما تركته، وأنشد:
بمثلى فاشهد النجوى وعالنبي الأعداء والقوم الغضابا
وكتب أبو الفضل بن العميد: من كتم عن طبيبه داءه، وستر عنه ظمأه بعيد عليه أن يبلّ عن علله ويعلّ من غلله.
المتبجّح بإظهار أسرار أصدقائه: قال الشاعر:
ولا أكتم الأسرار لكن أنمّهاولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
وإنّ قليل العقل من بات ليلةتقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
وقال رجل لصديق له: اكتم سرّي الذي أفشيته، فقال: كلا لست أشغل قلبي بنجواك ولا أجعل صدري خزانة شكواك فيقلقني ما أقلقك، ويؤرّقني ما أرّقك، فتبيت بأفشائه مستريحا، ويبيت بحرّه قلبي جريحا، وقال الشاعر:
ولا تودع الأسرار قلبي فإنّماتصبنّ ماء في إناء مثلم
ومما جاء في النصح
فضل النّصح والحثّ عليه: قال النبي ﷺ: الدّين النصيحة، وقال ﷺ: من غشّنا فليس منّا، وقال ﷺ: دعوا الناس يصيب بعضهم من بعض، فإذا استنصحك أخوك فانصحه، وقال أوس:
وإن قال لي ماذا ترى يستشيرنيفلم يك عندي غير نصح وإرشاد
الحثّ على قبول النّصح وإن كان مرّا: قيل: من أحبّك نهاك، ومن أبغضك أغراك.
وقال بعض الحكماء: من أوجرك المرّ لتبرأ، أشفق عليك ممّن أوجرك الحلو لتسقم، وقيل: النصيحة أمن الفضيحة.
معاتبة من لم يقبله: من لم يقبل رأي أصحابه، وإن حزنوه عاد ضرره عليه، كالمريض الذي يترك ما يصف له الطبيب، ويعمد لما يشتهيه فيهلك.
قال الله تعالى حكاية عن صالح: لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم، ولكن لا تحبّون الناصحين.
وقال أبو ساسان:
أمرتك أمرا جازما فعصيتنيفأصبحت مسلوب العبارة نادما
وقال آخر:
لو كنت تقبل نصحي غير متّهمملأت سمعك من وعظ وإنذار
وقال العرجي:
عرضت نصيحة منّي ليحيىفقال غششتني والنّصح مرّ
ضياع النّصح لمن لا يقبله: قال الشاعر:
وما خير نصح قيل لا يتقبّل
وقال الخبزارزي:
إن كان حمدي ضاع في نصحكمفإنّ أجري ليس بالضائع
وقيل: أخذ رجل ذئبا فجعل يعظه، ويقول: إياك وأخذ أغنام الناس فيعاقبك الله، والذئب يقول خفّف، واختصر فقدامي قطيع من الغنم لئلا يفوتني. وقال الشاعر:
لددتهم النصيحة أي لدّفمجّوا النصح ثمّ ثنوا وفاؤا
معاتبة من يستنصح النّاس ويستغشّ الناصح: وقال عبد الله بن همام:
ألا ربّ من تغتشه لك ناصحومؤتمن بالغيب غير أمين
وله:
وقد يستغشّ المرء من لا يغشّهويأمن بالغيب امرأ غير ناصح
وقال يزيد بن الحكم:
تصافح من لاقيته ذا عداوةصفاحا وحقد بين عينيك منزور
وقال آخر:
والعجز أن تجعل الموتور منتصحا
وقال آخر:
ألا ربّ نصح يغلق الباب دونهوغشّ إلى جنب السرير مقرّب
وقال آخر:
نصحت فلم أفلح وخانوا فافلحوافأنزلني نصحي بشرّ مكان
الحثّ على الغش لمن لا يقبل النّصح: قال عثمان البستي: إذا نصحت الرجل فلم يقبل منك، فتقرّب إلى الله بغشّه. وقال الشاعر:
أغشّ إذا النّصح لا يتقبّل
وأنشد الثوريّ:
تنحلت آرائي فسقت نصيحتيإلى غير طلق للنّصيح ولا هشّ
فلمّا أبى نصحي سلكت طريقهوأوسعته من قول زور ومن غشّ
كون النّاصح متّهما: قيل في المثل: المبالغة في النصيحة تهجم بك على عظيم الظنّة. وقال:
وقد يستفيد الظنّة المنتصح
وشاور المأمون يحيى بن أكثم فكان الرأي مخالفا لهوى المأمون، فقال يحيى: ما أحد بالغ في نصيحة الملوك إلا استغشّوه. قال: ولم يا يحيى؟ قال: لصرفه لهم عمّا يحبّون، إلى ما لعلّهم يكرهون في الوقت، والهوى إله معبود.
ومما جاء في الوعظ والمتعظين والآمرين بالمعروف والقصاص والمفتين
الحثّ على الوعظ بالفعال دون المقال: قال بقراط: لا تحثّ غيرك على فعل الفضائل ما لم تستكمل فيك فأفعالك تحت على المحاسن أكثر من مقالك.
وقال أبو جعفر النيسابوريّ: ليس الحكيم الذي يلقّنك الحكمة تلقينا، إنّما الحكيم الذي يعمل العمل فتقتدى به.
وقال أبو هاشم: أخذ المرء نفسه بحسن الأدب تأديب أهله. ومن هذا قول محمود الورّاق:
رأيت صلاح المرء يصلح أهلهويعديهم داء الفساد إذا فسد
وقال عديّ:
ونفسك فاحفظها من الغيّ والرّدىمتى تغوها تغو الذي بك يقتدي
التلطّف والملاينة في الوعظ: قيل: تصدّى رجل للرشيد، فقال: إني أريد أن أغلظ عليك لي في المقال، فهل أنت محتمل؟ قال: لا، لأن الله تعالى أرسل من هو خير منك إلى من كان شرا منّي، فقال: فقولا له قولا لينا لعلّه يتذكر أو يخشى.
وقيل: الواجب لمن يعظ أن لا يعنّف ولمن يوعظ أن لا يأنف.
الحثّ على الاتعاظ: قيل: من قلّ اعتباره قلّ استظهار من لم يتعظ بغيره وعظ الله به غيره. وقال حكيم:
السعيد من وعظ بغيره والشقيّ من وعظ به غيره. وقيل: يا لها من موعظة لو وافقت في القلوب حياة.
النّهي عن وعظ من لا يتّعظ: وقيل: وعظ من لا يعيرك سمعه، ولا يشحذ وعظك طبعه كمن وضع مائدة لأهل القبور، ورام بخرقة تليين الصخور.
وقيل: فلان في وعظه كنافخ في قفص وقاصّ في مقبرة.
وقيل: لا ينجع الوعظ في القلوب القاسية، كما لا يزكو البذر في الأرض الجاسية.
وقيل: صقلك سيفا ليس له سنخ تعب، وبذرك أرضا سبخة نصب.
وقيل: من استثقل سماع الحقّ فهو للعمل به أكثر استثقالا.
الحثّ على قبول وعظ من ليس بمتعظ: قال بعضهم: لا يمنعنّكم سوء ما تعلمون منّا، أن تعملوا بأحسن ما تسمعون منّا.
ووقف رجل على ابن عيينة وهو يعظ النّاس فأنشده:
وغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقىطبيب يداوي والطبيب مريض
فأنشده ابن عيينة:
إعمل بعلمي وإن قصّرت في عمليينفعك علمي ولا يضررك تقصيري
وقد قال النبي ﷺ: مروا بالمعروف، وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه.
وما أحسن ما قال يوسف بن الحسين الرازي في دعائه: اللهمّ أنك تعلم أنّي نصحت للناس قولا، وخنت نفسي، فهب خيانتي لنفسي لنصيحتي للناس.
الحثّ على الأمر بالمعروف: قال الله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وقال أبو بكر ﵁: سمعت النبي ﷺ قال: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده عمهّم الله بعقابه.
وقال النبي ﷺ: من رأى منكرا فاستطاع أن يغيّره بيده، فليفعل. فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. وقال خالد بن عبد الله في كلام له: حق على المسلمين التواضع والتناهي عن المعاصي.
الموضع الذي يجوز فيه ترك الأمر بالمعروف: قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
وقال أبو أمية الشعباني: سألت أبا ثعلبة الخشني عنها، قال: سألت عنها جبيرا. قال سألت: رسول الله ﷺ قال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، وإذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كلّ امرىء برأيه فعليك بنفسك ودع أمر العوام.
وقال أكثر المتكلمين: لا يجوز ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في كلّ موضع، لكن من علم أو ظنّ أنه ينفذ قوله ولا يناله مكروه إذا قاله، أو فعله، فعليه أن يفعل ذلك، ومتى خاف على نفسه، فعليه أن ينكر المنكر بقلبه دون لسانه.
أدعيتهم: دعا بعض القصّاص فقال اللهمّ جازفنا ولا تفتش عن ذنوبنا فتفضحنا. وكان بعضهم يقول: اللهم اغفر لنا كلّ نعمة وحسنة، واحشرنا في جملة سيدي أبو عبد الله بن حنبل ولا تغفر للرافضة.
من أفتى في مسألة برقاعة: ترك طبيب طبّه وقعد فقيها فقيل له: ما تقول في من زعف في صلاته؟ فقال: يحتجم، قيل: فمن قلس في صلاته، فقال: يتناول حبّ أيارج، قيل: ذا طبّ وليس بفقه.
وقيل لآخر: ما تقول في من خصى نفسه؟ قال: إن قصد الإضرار بامرأته حدّ.
وقيل لبعضهم: إن نصرانيا قال: لا إله إلا الله، فقال: يؤخذ بنصف الإسلام، وإن مات دفن بين مقابر المسلمين ومقابر النصارى.
وقيل لسيفويه ما تقول في الأضحية؟ فقال: علي لخبير سقطت، سألت عنها شيخا بنصيبين فلم يكن عنده فيها شيء. وقيل له: أتروي عن شريك شيئا؟ فقال نعم. حديثا واحدا قيل ما هو؟ قال: حدثنا شريك عن مغيرة عن إبراهيم مثله قيل مثل أي شيء قال ما أدري هكذا سمعته.
من استفتى فيما لا يعرفه فانفصل عنه بحيلة: قالت امرأة لرجل: إذا كان مكوك دقيق بدرهم ودانق، كم يكون بأربعة دراهم؟
فلم يعرف جوابها. فقال: ممّن اشتريت؟ قالت: من فلان قال اقنعي بما يعطيك فإنه ثقة.
وسأل رجل في الجامع أبا عقيل مسألة في الحيض فلم يعرفها. فقال يا أحمق أخرج هذه القاذورات والنجاسات من الجامع حتى تخرج منه.
وكان بعض القصاص في حديث قتلى بدر، فسئل عن النملة إذا ماتت في الماء، هل يجوز شربه؟ فقال: ما لنا وهذا؟ نحن في النوق لسنا العنوق أي نتكلم في الكبار فلا نخوض في الصغار.
ومما جاء في الخطبة وقراءة القرآن
ما يحتاج إليه في الخطبة: قيل: يجب أن يكون الخطيب رابط الجأش ساكن الجوارح، قليل اللحظ متخيّر اللفظ جهير الصوت، وأن يضع في صدر كل خطبة من النكاح والعيد والصلح ما يدل على عجزها، وأن يكون فيها آيات وإلا كانت شوهاء، ولذلك قال عمران بن حطان: أول خطبة خطبتها عند زياد، فقال: هذا الفتى أخطب الناس. لو كان في خطبته شيء من القرآن وليس من السنّة التمثل فيها بالشعر.
وقال الجاحظ: يجب أن يفرق بين صدر خطبة النكاح، وخطبة العيد وخطبة الصلح، وكانوا يحمدون الجهير الصوت ويذمّون ضئيله.
صعوبة تولّيها: قيل لعبد الملك: أسرع إليك الشيب، فقال: كيف لا؟ وأنا أعرض عقلي في كل جمعة على النّاس.
وقيل: نعم الشيء الأمارة، لولا قعقعة البريد وصعوبة المنبر.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع