من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ الأوّل في العقل والعلم والجهل وما يتعلّق بها
فيما جاء في العقل والحمق وذمّ اتباع الهوى
ما يحدّ به العقل وبنوه والحمق وذووه: قيل: العقل الوقوف عند مقادير الأشياء قولا وفعلا وقيل النظر في العواقب وقال المتكلّمون اسم لعلوم إذا حصلت للإنسان صحّ تكليفه.
وقيل: العاقل من له رقيب على جميع شهواته. وقيل: من عقل نفسه عن المحارم، ولذلك لم يصح وصف الله تعالى به.
والحمق قلّة الإصابة ووضع الكلام في غير موضعه، وقيل: فقدان ما يحمد من العاقل.
مدح العقل وذمّ الحمق: قال النبي ﷺ: ما اكتسب ابن آدم أفضل من عقل يهديه إلى هدى، أو يرده عن ردى.
وقيل: الحمق يسلب السلامة ويورث الندامة والعقل وزير رشيد وظهير سعيد، من أطاعه أنجاه، ومن عصاه أرداه.
وقيل: لو صوّر العقل لأضاء معه الليل ولو صوّر لأظلم معه النهار.
وقال المتنبّي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغمأدنى إلى شرف من الإنسان
حاجة الفضائل إلى العقل: قيل: العقل بلا أدب فقر، والأدب بغير عقل حتف. وقيل: بلوغ شرف المنزلة بغير عقل أشفاء على الهلكة. وقيل: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه.
ذمّ من له أدب بلا عقل: وصف أعرابيّ رجلا، فقال: هو ذو أدب وافر وعقل نافر:
فهبك أخا الآداب أيّ فضيلةتكون لذي علم وليس له عقل
وقيل: ازدياد الأدب عند الأحمق، كازدياد الماء العذب في أصول الحنظل، كلّما ازداد ريا ازداد مرارة.
حاجة العقل إلى الأدب: عاقل بلا أدب كشجاع بلا سلاح. العقل والأدب كالروح، والجسد بغير روح صورة، والروح بغير جسد ريح.
وقيل: العقل بغير أدب كأرض طيّبة خربة، وأن العقل يحتاج إلى مادة الحكمة، كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الطعام.
ضياع العقل بفقد التقوى: قيل: كان رسول الله ﷺ إذا بلغه عن إنسان عبادة، قال: كيف عقله؟ فإن قالوا عاقل، قال: ما أخلقه أن يبلغ؛ وإن قالوا ليس بعاقل، قال: ما أخلقه أن لا يبلغ.
وقال الحسين: ثلاثة تذهب ضياعا: دين بلا عقل، ومال بلا بذل، وعشق بلا وصال. وقيل: لا تعتدّوا بعبادة من ليس له عقدة من عقل.
فضل اجتماعهما: قال معاوية، لرجل حكيم مسنّ: أيّ شيء أحسن؟ فقال: عقل طلب به مروءة، مع تقوى الله وطلب الآخرة.
عزّة العقل: كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه كلما كثر كان أغلى. ولو بيع لما اشتراه إلا العاقل لمعرفته بفضله. أوّل شرف العقل أنه لا يشترى بالمال.
قلّة العقل وذويه: قيل لبهلول: عدّ لنا المجانين، فقال: هذا يطول، ولكنّي أعد العقلاء. ومثله وإن لم يكن من بابه- أن رجلا كتب كتابا وعرضه على آخر، فقال: فيه خطأ كثير، فقال الكاتب: علّم على الخطأ لأصلحه، فقال: بل أعلّم على الصواب فهو أسهل.
وقيل لرجل: ما جماع العقل؟ فقال: ما رأيته مجتمعا في أحد فأصفه وما لا يوجد كاملا لا يحدّ.
فضل مصاحبة العقلاء: قال الزهري: إذا أنكرت عقلك، فاقدحه بعاقل.
وقال: عدوك ذو العقل أبقى عليك، وأرعى من الوامق الأحمق.
تبرّم العقلاء بصحبة الجهّال: قيل: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسرّ منه بلين العيش مع السّفهاء وقيل: قطيعة الجاهل تعدل صحبة العاقل:
لم يبل ذو الجهل الذيدارت عليه صروف دهره
ببليّة أشجى لهمن جاهل يزري بقدره
يمضي حكومته عليهبجهله وجواز أمره
النّهي عن مصاحبة الجاهل: قال لقمان: لا تعاشر الأحمق وإن كان ذا جمال؛ وانظر إلى السيف ما أحسن منظره.
وقال الجاحظ: لا تجالس الحمقى، فإنه يعلق بك من مجالستهم من الفساد، ما لا يعلق بك من مجالسة العقلاء دهرا، من الصّلاح. فإنّ الفساد أشد التحاما بالطّباع.
وقيل: العاقل يضلّ عقله بمصاحبة الجاهل.
استعمال العقل والجهل مع ذويهما: قيل: العاقل يعامل الإنسان على خليقته، ويجاري الزمان على طريقته:
فكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهموإن كنت في الحمقى فكن مثل أحمق
وقال آخر:
أحامقه حتّى يقال سجيّةولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
ذمّ عاقل متجاهل: قيل: عظمت المؤنة في عاقل متجاهل، وجاهل متعاقل. وددت أني مثلك في ظنّك، وأن أعدائي مثلك في الحقيقة.
قال المتنبيّ:
ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهليرى النّاس ضلالا وليس بمهتد
صعوبة مداواة الأحمق
لكلّ داء دواء يستطبّ بهإلا الحماقة أعيت من يداويها
وقال المتنبيّ:
ومن البليّة عذل من لا يرعويعن جهله وخطاب من لا يفهم
روي أن عيسى ﵊، أتى بأحمق ليداويه، فقال: أعياني مداواة الأحمق ولم يعيني مداواة الأكمه والأبرص.
وقال الحجّاج: أنا للعاقل المدبّر أرجى منّي للجاهل المقبل.
وقيل: أنك تحفظ الأحمق من كل شيء إلا من نفسه، وتداويه إلا من حمقه.
تعب العاقل واستراحة الجاهل: قيل لحكيم: من أنعم الناس عيشا؟ فقال: من كفى أمر دينه، ولم يهتم لأمر آخرته.
قال أبو علي كاتب بكر:
من رزق الحمق فذو نعمةآثارها واضحة ظاهره
يحطّ ثقل المرء عن نفسهوالفكر في الدنيا وفي الآخره
وقال آخر (المتنبّي):
ذو العقل يشقى في النّعيم بعقلهوأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم
موصوف بالعقل: كان ابن المقفع والخليل يحبّان أن يجتمعا. فاتفق التقاؤهما، فاجتمعا ثلاثة أيام يتحاوران. فقيل لابن المقفع: كيف رأيته؟ فقال: وجدت رجلا عقله زائد على علمه.
وسئل الخليل عنه، فقال: وجدت رجلا علمه فوق عقله.
قال بعض العلماء: صدقا فإن الخليل مات حتف أنفه في خص وهو أزهد خلق الله، وتعاطى ابن المقفع ما كان مستغنيا عنه حتى قتل أسوأ قتلة.
قال الصنوبري:
فإن يلتمس يوما حجاكم فإنّكمجبال الحجا لكنّكم أبحر الجدوى
وقال آخر:
فإن يك حائلا لوني فإنّيلعقل غير ذي سقط وعاء
صعوبة اجتماع العقل والجدّ: قيل: من زيد في عقله نقص من حظّه. وما جعل الله لأحد عقلا وافرا إلا احتسب عليه من رزقه. وقال شاعر في المعنى:
وخصلة ليس فيها من يخالفنيالرزق والجهل مقرونان في قرن
كون الجدّ من جملة العقل: روى في الخبر، أن الله تعالى إذا أراد أن يزيل نعمة عبد، فأوّل ما يسلب منه عقله.
وفي كتاب كليلة السبب المانع. حظّ العاقل، هو السبب لحظّ الجاهل.
وسئل بعضهم العقل أفضل أم الجدّ؟ فقال: العقل من جملة الجدّ.
موصوف بالجنون
وكأنّه من دير هرقل مفلتجرد يجرّ سلاسل الأقياد
قال آخر:
به ما شئت من حمقومن جهل ومن هوج
قال آخر:
به طائف من جنّة غير معقب
قال آخر:
كأنّه من شهود الجنّ محتضروقد رأى عقله منه على سفر
ويقال: فلان سمين الجهل مهزول العقل.
كون الهوى غالبا للهدى: قال عامر بن الظرب: الرأي نائم والهوى يقظان فإذا هوي العبد شيئا نسي الله، ثم تلا قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
- العقل صديق مقطوع والهوى عدوّ متبوع.
- كم من عقل أسير في يدي هوى أمير.
وقيل: الهوى شريك العمى واتباع الهوى أوكد أسباب الردى. قال منصور الفقيه:
إنّ المرآة لا تريكخدوش وجهك في صداها
وكذاك نفسك لا تريكعيوب نفسك في هواها
النهي عن اتّباع الهوى: قال الله تعالى: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
وقال النبي ﷺ: اعص هواك والنساء، وأطع من شئت.
وقيل للناس: في قصة يوسف ﵊ آيات أعظمها قوله تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
وقال بعض الحكماء: إذا اشتبه عليك أمران فانظر أيهما أقرب من هواك مخالفة فالصواب في مخالفة الهوى.
قال:
من أجاب الهوى إلى كلّ ما يدعو إليه داعيه ضلّ وتاها
النهي عن اتّباع هوى غيرك: قال الله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
وقال: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
. وقال: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ
. وقال بعضهم لرجل: أني أهوى أن تقتل فلانا، فقال له: إني لا أدخل النار في هوى غيري وإن كنت أدخلها في هواي.
ذمّ من اتبع هواه: قال الله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ
وقال النبيّ ﷺ: ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه.
وقيل: اتباع الهوى أوكد أسباب الردى.
ووقّع عبد الله بن طاهر إلى عامل له:
نفسك قد أعطيتها مناهافاغرة نحو مناها فاها
وقيل: إن قدمت هواك على عقلك لم تصب رشدا في حياتك، ولا أمنا بعد وفاتك. وأنشد:
إنّ الهوان هو الهوى جزم اسمهفإذا ألقيت هوى لقيت هوانا
حمد مخالفته: قال الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
وبعث ملك إلى عابد مالك لا تخدمني وأنت عبدي. فقال: لو اعتبرت لعلمت أنك عبد عبدي. قال: كيف؟ قال: لأنك تتبع الهوى فأنت عبده وأنا أملكه فهو عبدي. فقال: صدقت.
وقيل: سلطان من ملك الهوى فوق سلطان من ملك الدنيا.
ذمّ من يجهل نفسه: قال أبو علي الورّاق: آفة الناس قلّة معرفتهم بقدر أنفسهم.
قيل لبزرجمهر: أيّ العيوب أعظم؟
قال: قلّة معرفة المرء بنفسه.
وقال المتنبّي:
ومن جهلت نفسه قدرهرأى غيره منه ما لا يرى
وقال سقراط: لا شيء أضرّ بالإنسان من رضاه عن نفسه، فإنه إذا رضي عنها اكتفى باليسير فعابه كل خطير.
مدح من يعرفها: قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: لن يهلك امرؤ عرف قدره. وقيل: أجمع كلمة قول الحكيم: أفضل العقل معرفة المرء بنفسه.
وقال النبي ﷺ: من أراد الله به خيرا فقّهه في الدين وعرّفه عيوب نفسه.
وقيل في قوله تعالى: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
: معناه عرّفناهم عيوب أنفسهم.
وقوف المرء على عيب نفسه: قيل: لحكيم ما أصعب الأشياء؟ قال: معرفة الإنسان عيب نفسه، والإمساك عن الكلام في ما لا يعنيه.
وقيل: قد يعرف نقص غيره من لا يعرف نقص نفسه، ولا يعرف نقص نفسه من لا
يعرف نقص غيره. فآكل الثوم لا يجد نتن نفسه.
الحثّ على تدبّر معايبك: قال لقمان ﵇: لا تدع النظر في مساويك كلّ وقت، لأنّ ترك ذلك نقص من محاسنك. وقيل: كن في الحرص على تفقّد عيوبك كعدوّك.
الحثّ على قذع النفس
قال الحسن ﵁: أقذعوا هذه النفوس فإنها طلعة.
وقال حكيم: لا ينبغي لحكيم أن يطلب طاعة غيره وطاعة نفسه عليه ممتنعة.
وقال أبو ذؤيب:
والنّفس راغبة إذا رغّبتهاوإذا تردّ إلى قليل تقنع
وقيل: العاجز من يعجز عن قذع نفسه.
وقال النبي ﷺ: ألا أخبركم بأشدّكم من ملك نفسه عند الغضب.
النهي عن الركون إلى النفس: قال الجنيد ﵀: لا تسكن إلى نفسك وإن دامت طاعتها فإنّ لها خدائع؛ وإن سكنت إليها كنت مخدوعا.
وقيل: من رضي عن نفسه سخط الناس عليه.
المسرور بأن عرف عيوبه: قال عمر ﵁: رحم الله امرا أهدى إلينا عيوبنا.
وقالت الحكماء أنت لا ترى عيب نفسك، فسل من ترضى عقله ونصحه يعرّفك.
وقال رجل لمسعر: أتحبّ أن تهدى إليك عيوبك؟ فقال أمّا من ناصح فنعم، وأمّا من شامت فلا. وقيل: ينبغي للرجل أن يكون مرآة أخيه تريه خيره وشرّه.
قال الشاعر:
أصبحت في هيئة المرآة تخبرناعيوبنا كلّ ما فينا من الكدر
ما جاء في الحزم والعزم وما يضادهما، والظن والشك والتثبت والعجلة
ماهية الحزم والعزم: قال عبد الملك لعمر بن عبد العزيز: ما العزيمة في الأمر؟ قال: إصداره إذا ورد بالحزم. فقال: وهل بينهما فرق؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
ليست تكون عزيمة ما لم يكنمعها من الرأي المشيد رافع
فقال: لله درّك عشت دهرا وما أرى بينهما فرقا.
وقيل لبعضهم: ما الحزم؟ قال: التفكر في العواقب.
النهي عن الدخول فيما يصعب الخروج منه: قال: معاوية لعمرو بن العاص ﵄: ما بلغ من دهائك؟ قال: ما دخلت في أمر إلا عرفت كيف الخروج منه. فقال: لكنّي ما دخلت في أمر قطّ وأردت الخروج منه.
وقيل في الحكمة: إن اتسع لك المنهج، فاحذر أن يضيق بك الخروج.
قال الشاعر:
وإذا هممت بورد أمر فالتمسمن قبل مورده طريق المصدر
حمد تلقّي الأمر بالجزم: قيل: من لم يقدّمه حزمه أخّره عجزه. من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ.
خذ الأمر بقوابله، إن رمت المحاجزة فقبل المناجزة. قبل الرمي تملأ الكنائن. قبل
الإقدام تراش السهام. دمث لنفسك قبل اليوم مضطجعا. اتّق العثار بحسن الاعتبار.
قال البحتري:
فتّى لم يضيّع وقت حزم ولم يبتيلاحظ أعجاز الأمور تعقبا
قال آخر:
وخير الأمر ما استقبلت منهوليس بأن تتبعه اتباعا
مدح التفكّر في العواقب: قال أزدشير: ليس للأيام بصاحب، من لم يتفكر في العواقب. يا عاقد اذكر حلا، من لم ينظر في العواقب تعرض لحادثات النوائب.
قال الشاعر:
ومن ترك العواقب مهملاتفأيسر سعيه أبدا تبار
وقيل: الفكرة مرآة تريك الحسنات والسيئات.
إقامة العذر باستعمال الحزم: قيل: من استشار فيما نزل به صديقه واستخار به، وأجهد رأيه، فقد قضى ما عليه، وأمن رجوع الملامة إليه. وقيل: من أعجب الأشياء جاهل يسلم بالتهوّر، وعاقل يهلك بالتوقّي.
قال كشاجم:
وعليّ أن أسعى وليس عليّ إدراك النّجاح
تفضيل الحزم على الجهل: الحيلة أنفع من الغيلة. قال حكيم لابنه: كن بحيلتك أوثق منك بشدّتك فالحرب حرب للمتهوّر، وغنيمة للمتحذّر.
وقيل: الاهتداء لوجه الحيلة غنيمة جليلة.
قال الموسوي:
ولست مقارعا جيشا ولكنبرأيي يستضيء ذوو القراع
فضل التدبير وذويه: نظام الأمر التدبير، ورأس الأمر التقدير. وقيل: من فعل بغير تدبير، وقال بغير تقدير، لم يعدم من الناس هازئا ولا حيا.
وقيل: فلان يعرف من أين تؤكل الكتف ويعرف منابت القصيص، وهما مثلان يقالان في من يعرف وجه الأمر.
الحثّ على الاشتغال بما يعنيك عمّا لا يعنيك: قيل لبعض الحكماء: ما الحزم؟ قال: حفظ ما كلفت وترك ما كفيت. وقيل للأحنف: بم سدت قومك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك.
وقال رجل لأفلاطون لم تختمت في يمينك؟ فقال لأعرف المتكلفين، ومن يسأل عمّا لا يعنيه.
قال الشاعر:
ولا تعترض في الأمر تكفي شؤونه
ذمّ تارك ما يعنيه لما لا يعنيه: قال ابن هرمة:
كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
وقال آخر:
هراق الماء واتّبع السّرابا
عتب من نصر نفسه لنفع غيره: قال الشاعر:
يكسي الأنام ويعري إستهوينسل من خلفه الأسفل
وقال العبّاس بن الأحتف:
صرت كأنّي ذبالة نصبتتضيء النّاس وهي تحترق
ذمّ طلب الأمر بعد فوته: قيل: لبعض الحكماء هل شيء أضرّ من التواني؟ فقال: الاجتهاد في غير موضعه.
وقيل: العجز عجزان عجز التقصير وقد أمكن؟ والجدّ في طلبه وقد فات. أخذه الشاعر فقال:
تتبّع الأمر بعد الفوت تغريروتركه مقبلا عجز وتقصير
وقيل: شرّ الرأي الدبري.
قال الشاعر:
أصبحت تنفخ في رمادك بعدماضيّعت حظّك من وقود النّار
الأمر بترك التلهف على ما فات: قال الله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ.
قيل: أكبر الأدواء للبدن التلهف على ما لا يدرك. إن ليتاوان لو إعناء.
إظهار النّدامة والتأسّف: قال الشاعر:
عضضت أناملي وقرعت سنّي وقال الكسعي وخبره مشهور:
ندمت ندامة لو أنّ نفسيتطاوعني إذا لقطعت خمسي
تبيّن لي سفاه الرأي منّيلعمر أبيك حين كسرت قوسي
وهذا هو المضروب به المثل في الندامة وإياه عنى الفرزدق بقوله:
ندمت ندامة الكسعيّ لماغدت منّي مطلّقة نوار
وقال صخر بن عمرو:
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعهوقد حيل بين العير والنزوان
قال آخر:
وكنت كناشب في الوحل ينوينهوضا وهو يزداد ارتطاما
مدح من لا يندم فيما يباشره: قال أبو الأصمع: لا ينهض العجز في أعقاب نهزته، ولا يصاحب عزما حين يخترم المتنبي:
فما تكشّفك الأعداء عن مللمن الحروب ولا الآراء عن زلل
وقال الموسوي في مدح بعضهم:
في قرعه سنّه لا يطمع النّدم
النّهي عن الاعتذار: وقيل في المثل: عش ولا تغتر.
وقيل: الفرار بقراب أكيس. وقيل: لا تكن كمن أراق الماء واتبع السّراب.
الأمر بالإقدام بعد الاتضاح والمدح بذلك: قيل: روّ بحزم فإذا استوضحت فاعزم. وقيل: أحزم النّاس من إذا وضح له الأمر صدع فيه. وقيل: أعظم الخطأ العجلة قبل الإمكان، والتأنّي بعد الفرصة.
قال الشاعر:
وواقف عند الأمر ما لم يضح لهوأمضي إذا ما همّ من كان ماضيا
مدح التجارب: التجارب ليس لها نهاية والمرء منها أبدا في زيادة. وقيل: العقل كالسيف والتجربة أشطر. وقيل: التجارب مرائي الغيوب ونواظر العيوب.
مدح مجرّب: قيل: فلان حلب الدهر بأنقع وهو مؤدم مبشر.
قال الشاعر:
حلبت الدهر من عسل وصابوذرّيت الزّمان بكل ريح
ومدح أعرابي قوما فقال: أدّبتهم الحكمة وأحكمتهم التجارب ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة.
ذمّ غير مجرّب: قيل: فلان غفل لم تسمه التجارب، ولم تفترعه النوائب، وغفل لم تسمه النوب، ولم يعضّ غاربه القتب.
وصف إعرابي واليا مغتررا فقال: ما أطول سكر كأس شربها فلان، ولم يخف من عاقبتها الخمّار.
المصيب بظنّه: قيل: من لم ينتفع بظنّه، لم ينتفع بيقينه. وقال النبي ﷺ: إنّ لله عبادا يعرفون النّاس
بالتوسّم. وقال ﵊: اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله.
وكان عمر (رضي الله) عنه يقال له المحدّث لصحة ظنّه.
وقال النبي ﷺ: إن يكن في هذه الأمة محدّث فهو عمر. ويقال: فلان ألمعيّ، وقيل: ما تزاحمت الظنون على أمر مستور إلا كشفته.
قال الشاعر:
إذا ما ظنّ أعرض أو أصابا
وقال:
نجيح مليح أخو مارقيكاد يخبر بالغائب
وقال البحتري:
وإذا صحّت الرويّة يومافسواء ظنّ امرىء وعيانه
وقال الموسوي:
ولا علم لي بالغيب إلا طليعةمن الحزم لا يخفى عليها المغيب
مدح الشكّ وسوء الظنّ: قيل: بوحشة الشكّ ينال أنس اليقين. وقيل: عليك بسوء الظنّ، فإن أصاب فالحزم، وإن أخطأ فالسلامة.
قال الشاعر:
وحسن الظنّ عجز في أموروسوء الظنّ يأخذ باليقين
وقيل:
من أطال الركون قلّ ركونه
وقول الله تعالى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
دلالة على أن جلّه صواب. وقال عبد الملك: فرق ما بين عمر وعثمان إنّ عمر أساء ظنّه فاحكم أمره وعثمان أحسن ظنّه فأهمل أمره.
وقيل لبعضهم: أسأت الظنّ، فقال: أن الدنيا لما امتلأت مكاره وجب على العاقل أن يملأها حذرا، وقال أبو محمد الخازن:
وما شكّي وإن أكثرت إلامحاماة على الشيء اليقين
ذمّهما: قال الله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
، وقال شيخ لرجل: أظنّك كاذبا فقال: أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنّه، وقال:
وأضعف عصمة عصم الظّنون
وقال المتنبّي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونهوصدّق ما يعتاده من توهّم
مدح التغافل: سئل حكيم: ما اللبيب؟ فقال: الفطن المتغافل. ولما أمضى معاوية بيعة يزيد قال:
يزيد: يا أبت ما أدري أنخدع النّاس أم يخدعوننا بما يأخذون منّا؟ فقال: يا بنيّ من خدعك فانخدعت له فقد خدعته. وقيل: إذا أردت لباس المحبّة فكن عالما كجاهل.
وقيل: من تغافل فعقلوه، ومن تكايس فطبطبوه أي العبوا به على الطبطابة.
قال الشاعر:
ليس الغنيّ بسيّد في قومهلكنّ سيّد قومه المتغابي
ولأبي فراس وقد أجاد:
تغابيت عن قومي فظنّوا غباوتيبمفرق أغبانا حصى وتراب
من لا يخدع لعقله: قال عمرو بن العاص: ما رأيت أحدا كلّم عمر ﵁ إلا رحمته لأنه كان لا يخدع أحدا لفضله، ولا يخدعه أحد لفطنته. وقال أياس بن معاوية:
لست بخبّ ولا الخبّ يخدعني
وقيل لرجل:- فيك فطنة، فقال: ما ذنبي إذ خلقني الله عاقلا.
مدح التثبّت: قال الشعبيّ: أصاب متأمل أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد. وقال عمرو بن العاص:
لا يزال المرء يجني من ثمرة العجلة الندامة. وروى عن النبي ﷺ: ما دخل الرفق في شيء إلا زانة ولا الخرف إلا شأنه.
قال الشاعر:
لا تعجلنّ فربّماعجل الفتى في ما يضرّه
وقال الموسوي:
وشوكة ضغن ما انتقشت شباتهاذهابا بنفسي أن يقال عجول
مدح العجلة: لأبي العيناء وقد قيل له لا تعجل فالعجلة من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال نبيّ الله موسى ﵇ وعجلت إليك ربّ لترضى.
وقيل: المتأنّي في علاج الداء بعد أن عرف الدواء كالمتأنّي في اطفاء النار وقد أخذت بحواشي ثيابه وسأل أبو عليّ البصير ابن منارة حاجة فقال: رح إلى وقت العصر فجاء عند الظهر فقال: ألم أعدك وقت العصر؟ فقال: نعم ولكن رأيت الإفراط في الاستظهار أحمد.
ما تحمد فيه العجلة: قال معاوية: ما من شيء يعدل التثبت، فقال الأحنف: إلا أن تبادر بالعمل الصالح أجلك تعجل إخراج ميتك وتنكح الكفء ابنتك.
مدح انتهاز الفرصة: قيل: الهيبة خيبة والفرصة تمرّ مرّ السحاب. وقيل: انتهز الفرصة قبل أن تعود غصة الإفتراض اقتناص. وقيل: الفرصة ما إذا أخطأك نفعه لم يصبك ضرّه.
التفكّر في العواقب: قيل: إحمد تغنم، ولا تفكّر في العواقب فتهزم.
قال الشاعر:
إذا حدّثته النفس أمضى حديثهاوهان عليه ما يرى في العواقب
وقيل: من تفكّر في العواقب لم يشجع في النوائب.
طلب الأمر بالمداراة: قال الأحنف: عجبت لمن طلب أمرا بالمغالبة، وهو يقدر عليه بالملاينة ولمن طلب أمرا بخرق، وهو يقدر عليه برفق.
وقيل لبعضهم: ما الدهاء؟ فقال: قتل العدوّ في لطف.
مدافعة العدوّ بالمداراة: في كتاب كليلة: لا تسلم من العدو القويّ بمثل التذلّل والخضوع، كما أن الحشيش إنما يسلم من الريح العاصف بانثنائه معها، أينما مالت به الريح ساعدته.
أخذه ابن الرومي فقال:
كالريح والزرع استكان لمرّهاوعتت فلم تقدر على تقصيفه
كم قد نجا منه الضعيف وما نجامنه العنيف بلفّه ولفيفه
وتهاتن الجذع الأبي مهزّهفأتت عليه ولم ترع لخفيفه
ولهذا الباب نظائر في العداوات.
الجهل بمستقبل الزّمان: قال الله تعالى مخبرا عن النبي ﵇: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسّني السوء.
قال القطامي:
وما يعلم الخير امرؤ قبل أن يرىولا الشرّ حتّى تستبين دوائره
وقال آخر:
تبين أعقاب الأمور إذا مضتوتقبل أشباها عليك صدورها
ومما جاء في المشاورة والاستبداد بالرأي: الحثّ على مراجعة الأودّاء ومدح المشاورة
قال الله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
وقيل من شاور أهل النصيحة سلم من الفضيحة. وقال النبي ﷺ: المشاورة حصن من النّدامة وأمن من الملامة.
وقيل: ما هلك امرؤ عن مشورة. وقيل: الرأي الواحد كالسجيل والرأيان كالحيطتين والثلاثة أمداد لا ينقض.
وقال النبي ﷺ: نعم الموازرة المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد. الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة والاستبداد عن الاستخارة. من شاور الأودّاء أمن من الأعداء.
نصف رأيك مع أخيك فاستشره.
الحثّ على مشاورة الحازم اللبيب: قال الجاحظ: أحسن ما قيل في المشورة قول بشّار:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعنبحزم نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشّورى عليك غضاضةفإنّ الخوافي قوّة للقوادم
وقوله:
ولا كلّ ذي رأي بمؤتيك نصحهولا كلّ مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحدفحقّ له من طاعة بنصيب
وقال عبد الله بن معاوية:
وإن باب أمر عليك التوىفشاور نبيها ولا تعصه
وقال عمر ﵁: الرجال ثلاثة رجل ذو عقل ورأي فهو يعمل عليه، ورجل إذا أحزنه أمر أتى ذا رأي فاستشاره، ورجل جائر بائر لا يأتي رشدا ولا يطيع مرشدا.
الحثّ على استشارة الكبار: قال زياد لأبي الأسود: لولا أنّك كبرت لاستعملتك واستشرتك، فقال: إن كنت تريدني للصراع فليس في، وإن كنت تريد الرأي فهو وافي. وقيل: زاحم بعود أو دع.
وقيل: عليك برأي الشيوخ، فقد مرّت على وجوههم عيون العبر وتصدّعت لاسماعهم آثار الغير.
الحثّ على استشارة الصّغار: قال هرم: عليكم في المشاورة بالحديث السنّ الحديد الذهن. وقيل: رأي الشيخ كالزند قد انثلم، ورأي الشاب كالزند الصحيح الذي يوري بأيسر اقتداح.
الحثّ على مشاورة العدوّ: في كتاب كليلة: لا ينبغي للعاقل أن يترك استشارة عدوّه ذي الرأي فيما يشركه ذلك العدو في نفعه وضرّه. وقيل: استشر عدوّك تعرف مقدار عداوته.
المستدعي المشورة: قال عمر ﵁: صاحب الحاجة أبله لا يرشد إلى الصواب فلقّنوا أخاكم وسدّدوا صاحبكم.
وقال إعرابي:
دلّا على حيلة فيها لنا فرجإذ الدليل على خير كمن فعلا
وقال آخر:
خليليّ ليس الرأي في صدر واحدأشيرا عليّ اليوم ما تريان
من يجب أن يشار عليه إذا استشار: قيل: لا تشر على مستبدّ ولا على وغد، ولا على لحوح، ولا معجب، ولا على متلّون، وخف الله في موافقة المستشير، فالتماس موافقته لؤم وسوء الاستماع منه خيانة.
وقيل: من طلب الرخص من الإخوان عند المشاورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبه، فقد خدع نفسه.
من ضرب لمستشيره مثلا صمم في مشورته: شاور المنصور سلم بن قتيبة في قتل أبي مسلم صاحب الدولة فقال: لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا فقال عيشك، واستشار فيه آخر فقال: ولن يجمع السيفان ويحك في غمد.
واستشار معاوية الأحنف في بيعة يزيد فقال الأحنف: أنت أعلم بليله ونهاره وسرّه وإجهاره، فإن كنت تعلمه لله رضا وللأمة صلاحا، فلا تشاور فيه أحدا. وإن كنت تعلم غير ذلك فلا تزوّده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا.
الممدوح بأنّه مستشار: وقالت امرأة من أياد:
المستشار لأمر القوم يجزئهمإذ الهنات أهمّ القوم ما فيها
وقال أبو تمّام:
يطول استشارات التجارب رأيهإذا ما ذوو الرأي استشاروا التجاربا
المتفادي من أن يستشار: استشار عبد الله بن عليّ عبد الله بن المقفّع، فيما كان بينه وبين المنصور، فقال:
لست أقود جيشا ولا أتقلّد حربا ولا أشير بسفك دم وعثرة الحرب لا تستقال، وغيري أولى بالمشورة في هذا المكان.
واستشار زياد رجلا فقال: حق المستشار أن يكون ذا عقل وافر واختبار متظاهر ولا أراني هناك.
واجتمع رؤساء بني سعد إلى أكثم بن صيفي يستشيرونه فيما دهمهم من يوم
الكلاب، فقال: إن وهن الكبر قد فشا في بدني وليس معي من حدة الذهن ما ابتدىء به الرأي، ولكن اجتمعوا وقولوا فإني إذا مرّ بي الصواب عرفته.
ومما جاء في وصف العلم والعلماء مدحا وذما ووصف الحفظ والنسيان
عزّ العلم: قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
، وقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
وقال الإمام أبو حنيفة: إن لم يكن العلماء أولياء الله في الأرض فليس لله فيها ولي.
قال الأحنف: كلّ عز لم يؤيد بعلم فإلى ذلّ يصير. وقيل: العلم يوطىء الفقراء بسط الملوك.
الأدب كالحسب: قيل: من نهض به أدبه، لم يقعد به حسبه، وقيل: شرف الحسب يحتاج إلى شرف الأدب، وشرف الأدب مستغن عن شرف الحسب.
وقال الأحنف: من لم يكن له علم ولا أدب لم يكن له حسب ولا نسب.
وقال الشاعر:
كن ابن من شئت واكتسب أدبايغنيك محموده عن النسب
وقال آخر:
ما ضرّ من حاز التأدّب والنّهىأن لا يكون من آل عبد مناف
البالغ بعلمه مبلغ الملوك: قيل: لما وقعت الفتنة بالبصرة ورضوا بالحسن اجتمعوا عليه، وبعثوا إليه. فلما أقبل قاموا، فقال يزيد بن المهلّب: كاد العلماء يكونون أربابا، أما ترون هذا المولى كيف قام له سادات العرب.
وقيل: تعلموا العلم فإنه يوطىء المساكين بسط الملوك. ونظر عمر ﵁ إلى رجل في هيئة نفيسة فقال: ألست ابن قيس بالبصرة؟ قال: نعم. ولكني كاتب فقال لله درّ العلم ما زال يرفع أهله.
قال الشاعر:
العلم يرفع بالخسيس إلى العلاوالجهل يقعد بالفتى المنسوب
قيمة المرء علمه: قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: قيمة كلّ امرىء ما يحسنه. وأخذ ابن طباطبا هذا المعنى فقال:
حسود مريض القلب يخفي أنينهويضحي كئيب البال عندي حزينه
يلوم على أن رحت في العلم دائباأجمع من عند الرواة فنونه
فيا عاذلي دعني أغالي بقيمتيفقيمة كل النّاس ما يحسنونه
فضل العلم على المال: قال عبد الملك: اطلبوا معيشة لا يقدر سلطان جائر على غصبها، قيل ما هي؟ قال:
الأدب ولصالح بن عبد القدوس:
قد يجمع المرء مالا ثم يسلبهعمّا قليل فيلقى الذلّ والحربا
وجامع العلم مغبوط به أبدافلا يحاذر منه الفوت والطلبا
وقيل: العلم ميراث غير مسلوب، وقريب غير مغلوب. وقيل: الفضيلة بكثرة الآداب، لا بفراهة الدواب.
وقال الجنيد: من فضيلة العلم على المال أن الله فهم سليمان مسئلة فمّن عليه
وقال ففهمناها سليمان. وأعطاه الملك ولم يمنّ عليه، بل قال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب.
من ذمّه وفضل المال عليه: قال الشاعر:
ما المرء إلا بما يحوي من النّشب
وقال آخر:
لا تغبطن أديبا ماله نشبلا خير في أدب إلا مع النّشب
وقال جحظة:
إن الزّمان لمن تقدّم في النباهة منقلب
وقال البديهي:
أكثر المقتفين للعلم والآداب في ذلّة وفي أملاق
وصف العلم بأنه يورث الغنى: قيل: الأدب يجلب الجمال ويفيد المال. وقيل: من لم يفد بالأدب ما لا استفاد به جمالا. وفي كتاب كليلة: العالم إذا افتقر فعلمه الذي معه يقوّيه كالأسد معه قوّته التي يعيش بها حيث توجه.
قال الأصمعي لرجل: ألا أدلك على خليل إن صحبته زانك وإن احتجت إليه مانك، وإن استعنت به أعانك قال: نعم، فقال عليك بالأدب.
وصفه بأنه يورث الزهد: العلم يزهد في الدنيا الضارّة، ويرغّب في الآخرة السارّة. وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: تعلّموا العلم فإنه عون للفقير أما أني لا أقول يطلب به الدنيا ولكن يدعوه إلى القنوع.
قلة الاعتداد بالخلوّ من العلم: كان الوليد يلاعب عبد الله بن معاوية بالشطرنج، فاستأذن عليه ثقفي موصوف بالثروة فستر الشطرنج بمنديل. فلمّا دخل وجلس استنطقه فقال: أحفظت القرآن وشيئا من الفقه، قال: لا، قال: أفرويت شيئا من الآثار والأشعار وأيام العرب قال: لا. فكشف الشطرنج، وقال: شاهك فنحن في خلوة.
ودخل حكيم دار رجل خلو من العلم فرأى أثاثا وهيئة فاخرة، وأراد الرجل الداخل أن يبزق بزقة فبزق في وجه الرجل، فقيل له: ما تفعل؟ قال: نظرت فلم أجد في هذه الدار أخسّ منه لخلوّه من المعاني الفاضلة وإنما يرمي بالبزاق إلى أخس المواضع، فلذلك رميت به في وجهه.
تلذّذ العلماء بعلمهم: كان أبو حنيفة ﵀ إذا أخذته هزّة المسائل يقول: أين الملوك من لذة ما نحن فيه لو فطنوا لقاتلونا عليه. وقيل: من خلا بالعلم لم توحشه الخلوة، ومن تسلّى بالكتب لم تفته السلوة.
وقيل لابن المبارك: من تجالس؟ فقال أصحاب النبي ﷺ. إني أنظر في كتب آثارهم وأخبارهم.
التناسب في العلم: قيل لعالم: أي المناسبة أخلد؟، فقال: مناسبة العلم التي غذتها عواطف الشيم.
وقيل للنوفلي: ما بلغ من شهوتك للعلم؟، قال: إذا نشطت فلذّتي وإذا اغتممت فسلوتي. قال أبو تمّام:
وقرابة الآداب تقصر دونهاعند الأديب قرابة الأرحام
قال الصّولي:
إنّ الكتابة والآداب قد جمعتبيني وبينك يا زين الورى نسبا
وقيل: لا ينبغي للأديب أن يخالط من لا أدب له، كما لا ينبغي للصّاحي أن يناظر السكران.
نهي العلماء عن التّهافت على باب السّلطان: قال بعض العلماء: شرار الأمراء أبعدهم عن العلماء، وشرار العلماء أقربهم إلى الأمراء. ودنا سقاء من فقيه على باب السلطان فسأله عن مسألة فقال: أهذا موضع المسألة؟
فقال السقاء: أو هذا موضع الفقيه؟
وكتب عبد الله بن المبارك ﵀ إلى ابن علية حين ولي صدقات البصرة:
يا جاعل العلم له بازيايصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذّاتهابحيلة تذهب بالدّين
فأين ما كنت به واعظامن ترك أبواب السّلاطين
إن قلت أكرهت فما هكذازلّ حمار العلم في الطين
من زان علمه بعمله: قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: اعقلوا الخير إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية فرواية العلم كثيرة ورعايته قليلة. كثرة العلم في غير طاعة الله مادة الذنوب. وقيل:
العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.
ذمّ من شان علمه بتقصير: قال النبي ﷺ: أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه، وقال ﵇:
أشدّ الناس ندامة عند الموت العلماء المفرطون.
وقال ﷺ: اللهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ونفس لا تشبع، وأعوذ بك من شرّ هؤلاء الأربع.
كتب الشافعي ﵁ إلى عالم: قد أوتيت علما فلا تطفىء نور علمك بظلمة الذنوب، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنورهم.
تفضيل العلم على العمل: قال النبي ﷺ: فقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد.
وقال ﷺ: عمل قليل في علم خير من كثير منه في جهل.
وقال الحسن ﵁: أدركت قوما من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من عمل بغير علم كان ما أفسد أكثر مما أصلح.
ذمّ شره العالم وطلب الدنيا بالعلم: قال ﷺ: من إزداد في العلم رشدا ولم يزدد في الدنيا زهدا، لم يزدد من الله إلا بعدا.
وروى في الخبر من آتاه الله علما فلم يتنزّه به عن الدنيا كتب بين عينيه الفقير إلى يوم القيامة.
قال مالك: قلت للحسن: ما عقوبة العالم؟ قال: موت قلبه. قلت: وما هو؟ قال:
طلب الدنيا بعمل الآخرة. قال بعض الأدباء؟ لأن تطلب الدنيا بأقبح ما تطلب به أحسن من أن تطلبها بأحسن ما تطلب به الآخرة.
قلّة العلم وكثرة الجهل: قال الطائي:
أبا جعفر إنّ الجهالة أمّهاولو دوام العلم جدّاء حائل
وقال علقمة:
الجهل ذو عرض لا يستزاد لهوالحكم آونة في النّاس معدوم
مدح الحديث: قال النبي ﷺ: من حفظ حديثا واحدا من أمر دينه أعطاه الله أجر سبعين صديقا.
وقال ﷺ: من حفظ على أمتى أربعين حديثا، بعث يوم القيامة فقيها.
وقال ابن عبّاس: سمعت النبي ﷺ يقول: اللهم ارحم خلفائي فقلت: ومن خلفاؤك؟
قال: الذين يروون الأحاديث بعدي.
ذمّه وذمّ أصحابه: ؟
قال شعبة: إن هذا الحديث يصدّكم عن ذكر الله، وعن الصلاة فهل أنتم منتهون؟
وقال محمد بن مطيع: رأيت الحسن بن زياد أسوأ الناس صلاة فعاتبته، فقال: ما طلب الحديث أحد إلا ساءت صلاته.
وقال عمرو بن الحارث: ما رأيت علما أشرف ولا أوضع أهلا من الحديث وهم شرّ خلف من خير سلف.
مدح الإسناد: قيل: الإسناد قيد الحديث. وقيل: الحديث من غير إسناد كالجمل بلا زمام وخطام.
وصف إعرابي رجلا فقال: ما أحسن حديثه لو أنّ له سلاسل يقاد بها يعني الأسانيد، قال:
ونصّ الحديث إلى أهلهوإن الأمانة في نصّه
وقيل: في قوله تعالى: أو أثارة من علم، أنه الأسانيد.
ذمّه: طلب رجل من الحسن إسناد حديث فقال: وما تصنع به؟ وقد نالتك عظته وقامت عليك حجته. وقيل لرجل: كتبت حديثا بغير إسناده، قال: إني أريده للعمل لا للتسوّق والتجمّل.
وسأل رجل آخر عن إسناد شعر فقال: والله ما تركت الحديث إلا بغضا للإسناد وأنت تسألنيه في الأشعار.
مدح النحو: النحو نصاب العلم ونظامه وعموده وقوامه ووشي الكلام وحلّته وجماله وزينته.
وقيل: النحو يرفع الوضيع ويخفض الرفيع. وكان معلم الرشيد يضرب على الخطأ واحدا وعلى اللحن سبعا.
ذمّه
نظر بعض الرؤساء إلى ابنه، وهو ينظر في كتاب سيبويه فقال: أفّ لك علم المؤدّبين وهمّة المحتاجين. وقيل: من كثرت عليه العربية أظلمت عليه الرويّة.
وقيل: إذا كتبت كتابا فالحن فيه فإنّ العربية مجدودة. وممّا يتّصل بهذا الباب أنّ بعض الفصحاء كان يدخل على بعض عمال البصرة، وهو يعرب في كلامه، فقال له يوما: إن لم تترك الإعراب ضربتك، فقال: إني إذا أشقى الناس، به ضربت صغيرا لأتعلّم وضربت كبيرا لأترك.
ذمّ الكثير منه: ذكر النحو عند المأمون فقال: علم يغنيك أدناه عن أقصاه. وقال أبو حنيفة:
المكثر من النحو كالمكثر من غرس شجر لا يثمر. وقيل: النحو ملح العلم ومتى استكثر من الملح في الطعام فسد.
وذكر أهل النحو عند بعض البلغاء فقال: أغزرهم علما أنزرهم فهما.
مدح الملح: قال الأصمعيّ: نلت بالعلم وصلت بالملح. وقيل: النوادر تفتح الآذان وتفتّق الأذهان.
قال أبو عبيدة: الملح مروءة تنفق عند الإشراف، فارتادوا لها وانظروا عند من تضعونها.
ذمّه: قال أبو يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق. وقيل ما تعلم أحد الكلام إلا ساء ظنه بالنّاس.
وقيل: من جعل غرضا للجدال أكثر التنقل من رأى إلى رأي.
وحكى بعض الصوفية قال: استشرت أبا عبد الله بن حنيف في تعلم الكلام فقال: لا تفعل، فأقلّ ما فيه أنك تسىء عشرة الربّ. فقلت كيف ذلك؟ فقال: لأنك أبدا تقول لو فعل الله كذا لكان جاهلا ولو كان كذا لكان عاجزا، ونحو ذلك مما يجري في كلامهم.
مدح الفقه: قال النبي ﷺ: إذا أراد الله بعبد خيرا فقّهه في الدّين، وعرّفه عيوب نفسه.
وقال ﷺ: لكل شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه. وقال ﷺ الأنبياء سادة والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة. وقال ﷺ: فقيه واحد أشدّ على إبليس من ألف عابد.
مدح الحساب: قال الله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
، وقال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
وقيل الحساب ديباج العلم، وقال علي بن زين: لو رفع الحساب لبطلت العلوم ولو رفعت العلوم لم يبطل الحساب.
مدح إستخراج المعمّى» وذمّه والحاذق فيه: قيل: إستخراج المعمّى يدقق النظر ويصقل الذهن ويفطن القلب. وقيل: إن بعض اليونانيين كتب بلغتهم كتابا إلى الخليل فخلا به شهرا حتى فهمه فقيل له في ذلك، فقال:
علمت أنه لا بدّ من أن يفتتح الكتاب باسم الله فبنيت على ذلك فقست عليه وجعلت ذلك أصلا ففتحت ثم وضع كتاب المعمى على ذلك.
وقال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن المعمّى فقال هو عمى القلب. وقال الجاحظ: ليس المعمّى بشيء قد كان كيسان مستملي أبي عبيدة يسمع خلاف ما يقال، ويكتب خلاف ما يسمع، ويقرأ خلاف ما يكتب، يتعسر عليه إستخراج أخف نكتة من المعمّى.
معرفة النسب: سئل بعضهم عن علم النسب، فقال: هو علم لا تنفع معرفته ولا يضرّ جهله.
وقال رجل لأبي عبيدة: علّمني شيئا من النسب، فقال: ما تستفيد بذلك إلا معرفة المعايب. وقيل: فلان أنسب من دغفل ومن ابن لسان الحمرة. وقال المتنبّي في نبطي عارف بالنسب:
وماذا بمصر من المضحكاتولكنّه ضحك كالبكا
بها نبطيّ من أهل السّواديدرس أنساب أهل العلا
وصف فنون من العلم: قيل: علم الملوك النسب والخبر والشعر، وعلم السلطان المغازي والسير وعلم التجار الحساب، وعلم الكتاب معرفة الخط وتصريف اللغات.
وقيل العلوم ثلاثة: علم الدين لمعادكم وعلم الطب لأبدانكم، وعلم الهندسة لمعاشكم.
وقيل تعلّموا الفقه لأديانكم والطب لأبدانكم والنّحو لبيانكم.
متبجّح باستيعاب العلم: قال ابن المنجّم: أحبّ أن ألقى عديّ بن الرقاع فأقول له: ألست القائل:
وعلمت حتى ما أسائل واحداعن علم واحدة لكي أزدادها
ثم أريه أنه قد جهل كل علم إلا قوله الشعر الذي يتقدمه عليه غيره ثم أحسن أدبه وأعرك أذنه.
ولكشاجم في معناه:
وما زلت أبغى الشعر من حيث يبتغىوأفتنّ في أفنائه أتعرّفه
فقد صرت لا ألقى الذي أستزيدهولا يذكر الشّيء الذي لست أعرّفه
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع