من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحثّ على التوكّل في أمر الرزق وترك الحرص
قال أبو الدرداء ﵁: إن في القرآن آية لو أن جميع الناس أخذوا بها لكفتهم في القناعة. قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
وسئل بزرجمهر عن الرزق، فقال: إن كان قد قسم فلا تعجل وإن كان لم يقسم فلا تتعب. وقال الحسن ﵁: الحريص الجاهد والقنع الزاهد كلاهما مستوف حظّه، وأكله غير منتقص ما قدر له، فعلام التهافت في النار؟
وقال النبي ﷺ: لو توكلتم على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا. وقيل للحارث كيف قال ذلك والطير تغدو في طلب الرزق وتروح؟ فقال: مهلا إن الطير يأخذ في الحوصلة وأنت لا تقنع بذلك، مع أن الطير لم يخاطب بالضمان منه لرزق ولم ينزل عليه كتاب.
وقال سهل بن وهبان: لا تكونوا للمضمون مهتمين. وقال أعرابي لآخر رآه حريصا:
يا أخي أنت طالب ومطلوب، يطلبك طالب ولن تفوته وتطلب ما كفيته كأنك لم تر حريصا محروما ولا زاهدا مرزوقا.
وقال آخر: إنك لا تدرك أملك ولا تسبق أجلك ولا تغلب على رزقك ولا تعطي حظ غيرك، فعلام تهلك نفسك؟ لكل صباح صبوح ولكل عشاء عشاء. وفي بعض كتب الله: يا ابن آدم لو أن لك الدنيا كلها لم تنل منها إلا القوت فإذا أعطيتك القوت، وجعلت حسابه على غيرك ألم أكن محسنا إليك.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع