من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
إيثار الشّرب واللهو باللّيل
كان ابن المعتزّ لا يشرب إلا ليلا، ويقول: الليل أمتع، لا يطرقك فيه خبر فاظع ولا سبب مانع، والنهار أبرص لا يتم فيه سرور. أخذ ذلك كشاجم، فقال:
اتخذ الليل جملما حمل الليل حمل
آمن فيه زائرايشغلني عن الشّغل
وقال آخر:
ولم أر مثل الليل جنّة فاتكإذا همّ أمضى أو غنيمة ناسك
وقال بشّار:
قد نام واش وغاب ذو حسدفاشرب هنيئا خلا لك الجوّ
ويروى لمحمد بن بشير. ويقال: كتب معاوية إلى إبنه يزيد بهذه الأبيات:
شمّر نهارا في طلاب العلاواصبر على هجر الحبيب القريب
حتّى إذا الليل أتى مقبلاواكتحلت بالغمض عين الرّقيب
فقابل الليل بما تشتهيفإنّما الليل نهار الأريب
كم فاسق تحسبه ناسكايستقبل الليل بأمر عجيب
ويروى أن يحيى بن خالد كتب إلى الفضل ابنه، وهو بخراسان، وقد بلغه اشتغاله باللهو:
أما بعد فقد بلغني عنك ما كنت جديرا بغيره، وقد يهفو الحكيم ويزل الحليم ثم يرجع إلى ما هو به أولى، حتى كأن أهل دهره لم يعرفوه إلا به، وقد كتبت إليك بأبيات إن أنت خالفتها هجرتك وعزلتك. وكتب إليه بالأبيات المتقدّمة، فلما قرأها آلى على نفسه أن لا يشرب النبيذ بخراسان.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع