من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
وجوب حقّ المنادمة وذكر من عظّم نديمه
روي أن النبي ﷺ لم ير مادا رجليه بين يدي جليس له قط، ولا أخذ بيد أحد فانتزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها. قال ابن عباس ﵄: لجليسي عليّ ثلاث، أرميه بنظري إذا أقبل وأوسع له إذا جلس وأصغي إليه إذا حدّث. قال شاعر:
أرى للكاس حقّا لا أراهلغير الكاس إلا للنّديم
وقال الجاحظ رويت هذا البيت دهرا لا أعرف له ثانيا، فسمعت يوما حماميا يوقد أتونه وينشد معه:
هو القطب الذي دارت عليهرحى اللذات في الزّمن القديم
وقال سعيد بن حميد:
الكاس حرمتها أولى من النسب
وقال حصابة: إن المنادمة الرضاع الثاني. وكان القعقاع إذا جالسه جليس فعرفه بالقصد إليه، جعل له نصيبا من ماله وأعانه على عدوه وشفع له في حاجته وغدا إليه بعد المجالسة شاكرا له، وفيه يقول:
وكنت جليس قعقاع بن شورولا يشقى بقعقاع جليس
قال يحيى بن أكثم: ما رأيت أكرم من المأمون بتّ عنده ليلة فعطش فكره أن يصيح بالغلمان، وكنت منتهبا فرأيته قد قام فمشى قليلا إلى البرادة حتى شرب ورجع. ورأيته ليلة وأنا عنده وحدي وقد أخذه سعال يسدّ فاه بكمه كيلا انتبه.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع