تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

العربدة

قال الأصمعي: العربدة حية تنفخ ولا تؤذي، ومنه قيل لمعربد بوجهه خموش: ما هذه الكلوم؟ قال: آثار الكلام. وكان رجل معربد له يسار، وكان إذا عربد على واحد أعطاه خمسمائة درهم، فقال لإنسان: هل لك أن تنادمني؟ قال: على أن تعربد عليّ عربدة نحو مائتين، فإني لا أقوى على عربدة خمسمائة. وقال الحسين بن خليع: نادمت يوما إبراهيم بن المهدي فسكّر وعربد عليّ، فدعا بالنطع والسيف، فتكلم في أصحابه فتجافى عنّي، ثم تأخرت عنه فدعاني، فكتبت إليه:

أمير غير منسوبإلى شيء من الحيف
سقاني مثل ما يشرب فعل الحرّ بالضّيف
فلمّا دارت الكاسدعا بالنطع والسّيف
للشاعر الحلاج، من قصيدة «نديمي غير منسوب»
كذا من يشرب الراحمع التنّين في الصّيف
للشاعر الحلاج، من قصيدة «نديمي غير منسوب»

فدعاني وأرضاني.

ثم كان المأمون يضاحك إبراهيم بهذه الأبيات ويولع بها.

وسئل عبيد الله بن محمد عن طنبوري له، فقال: هو بليد حديد عربيد أن حث عثر وإن أمسك قصر، وان ابتدأ غلط، وإن اقترح عليه سخط، وإن دعي مطل وإن ترك تطفل.

وقيل: صاحب السكر يصير إمّا إلى قردية وهو الذي يضحك ويرقص ويحاكي، أو إلى كلبية وهو الذي يهارش، أو إلى خنزيرية وهو الذي يتقيأ ويخرأ ويتلوّث فيه، أو إلى إنسانية وهو الذي يحسن خلقه. ولبعضهم يصف معربدا:

إذا انتشى خاصم في الدين وإنصادف إنسانا يماريه
ويدّعى الشرب ويهذي بهوالقدح الواحد يكفيه
يحبس كاس القوم في كفّهحتّى إذا قالوا له إيه
أفضل ثلث الكاس في قعرهاومجّ ثلث الكاس من فيه

وقال أبو نواس:

ومعربد أبرزتهللريح إذ سبّ الندامى
أغلقت بابي دونهوتركته يرعى الخزامى

ويضاد ذلك ما حكى أنه أتى العريان بشارب، فقال من أنت؟ قال أنا القائل:

إذا صدمتني الكاس أبدت محاسنيولم يخش ندماني على صدمها جهلي

فقال العريان: أنعم الله بك عينا، وقال لصاحبه: إحمله على دابتك وبلغه منزله.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الحد الحادي عشر في الشّرب والشّراب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.