من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الشكوى من ذهاب النّاس
دخل عبيد الله بن شبرمة على معاوية وقد أتت عليه مائتان وعشرون سنة، فقال له: يا عبيد ما شهدت من الزمان وما أدركت؟ فقال: أدركت الناس يقولون ذهب الناس ذهب الناس فلا مرتع ولا مفزع، وقيل ما بقي من الناس إلا كلب نابح أو حمار رامح أو أخ فاضح.
وكانت عائشة تنشد قول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلد كجلد الأجرب
فقال ابن عباس: لئن شكت في زمانها فقد شكت قوم عاد في زمانهم إذ قد وجدوا في خزائنهم سهما مكتوبا عليه:
بلاد بها كنّا ونحن نحبّهاإذ الناس ناس والبلاد بلاد
قال أبو الدرداء: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فقد صاروا شوكا لا ورق فيه إن نافرتهم نفروك، وإن تركتهم ما تركوك.
وقال عدي بن حاتم لمعاوية: معروفك الذي نعده اليوم منكرا معروف لم يأت. وعن أبي صالح في قول الله تعالى: وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
أي بسراة الناس.
قال شاعر:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهموالمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهمبعضا ليدفع معور عن معور
قال بعضهم: كأنّ الله تعالى ما عنى بقوله-: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
في البخل والجهل- إلا أهل زماننا فإنهم ما تفاوتوا في البخل والجهل.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع