من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
دخول البادية بلا راحلة ولا زاد
قال علي بن الموفق، وكان من كبار الصوفية متحققا مجتهدا: حججت ستين سنة فكنت سنة في محملي، فرأيت رجالة، فأحببت أن أمشي معهم، فنزلت ومشيت وتقدمت الناس ثم عدلنا إلى الطريق فنمت فرأيت في المنام جواري لم أر كحسنهنّ، معهنّ طسوت من ذهب وأباريق، فأقبلن على أولئك المشاة يغسلن أرجلهن حتى بقيت فأرادت واحدة أن تغسل رجلي، فقالت لها أخرى: ليس ذا منهم، هذا له محمل. فقالت: بلى أحبّ أن يماشيهم فغسلت رجلي فذهب عنّي كل تعب.
وسئل الجلاء عن رجال يدخلون البادية بلا زاد فقال: هم رجال الحق. قيل: فإن هلك أحدهم قال: الدية على العاقلة.
وقال بنان الحمال: دخلت بادية تبوك فاستوحشت، فهتف بي هاتف نقضت العهد تستوحش. أليس الحبيب معك؟ وقيل لبعضهم: أتدخل البادية بلا زاد؟ فقال: إن معي زادي وهو التقوى، أليس الله يقول: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. وأما الفقهاء فقد كرهوا ذلك لقول الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع