من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
وصف الحمار مدحا وذمّا
وصف الفضل بن عيسى الحمار فقال: هو أقرب الدواب داء وأكثرها دواء وأكبرها جماحا. أنفض مهوى وأقرب مرتقى. قد تواضع راكبه. ولو أراد أبو سيارة لركب في الموسم مهريا وفرسا عربيا، لكنه ركب الحمار أربعين سنة، فعارضه أعرابي، فقال: الحمار إن وقفته أدلى وإن تركته ولى، كثير الروث قليل الغوث لا ترقأ به الدماء ولا تمهر به النساء ولا يندى به الإناء.
ونظر الرقاشي إلى حمار فاره لمسلم بن قتيبة، فقال: قعدة نبي وبذلة جبار، ذهب إلى حمار عزير وحمار عيسى وحمار بلعم.
وقرّب إلى أبي لجيم حمار له ليركبه وهو والي البصرة، فقال خالد بن صفوان:
أعيذك بالله أيها الأمير من ركوبه فإنه عير، والعير عار وشنار منكر الصوت بعيد الفوت متفرق الصحل، متورط في الوحل بسائره، مشرف ولراكبه مقرف. فقال أبو لجيم: أمصله.
فقال خالد: اجعله لي. فقال: هو لك فعاد عليه راكبا. فلما بصر به، قال: ما هذا؟ قال:
عير من نسل الكداد أصحر السربال محملج القوائم يحمل الرجل ويبلغ العقبة، ويمنعني أن أكون جبارا.
وقيل: شر المال مالا يزكى ولا يذكى يعني الحمير، لأنها لا تجب الزكاة في سائمتها.
وكتب قيصر إلى الرشيد على سبيل المعاياة: إبعث إليّ بشر الطعام على شرّ الدواب مع شر الناس فبعث إليه جبنا على حمار مع خوزي.
وقيل: اصبر على الذلّ من الحمار. ويضرب المثل به في الصوت، قال الله تعالى:
إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
وقيل لأعرابي: ألا تركب الحمار؟ فقال: إنه عثرة منخرة، تبوع للحجرة. وقيل: الحمار مطية الدجال قال شاعر:
إن الحمار مع الحمار مطيّةفإذا خلوت به فبئس الصاحب
وقيل لبعضهم: أي مركوب كلما كان أكبر كان أذلّ لصاحبه؟ فقال: الحمار. وقيل:
لا تركب الحمار فإنه إذا كان سلسا أتعب يديك، وإن كان بليدا أتعب رجليك.
ولقي جحظة بعض أصحابه على حمار فقال: مالك اقتصرت على ركوب حمار، لا يساوي ثمن قضيمه؟ فأنشأ يقول:
لا تنكرنّي على حماريضيع في مثله الشعير
وكيف لا يمتطي حمارامن جلّ إخوانه حمير
وقال:
ولا عن رضا كان الحمار مطيّتيولكن من يمشي سيرضى بما ركب
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع