من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الوافر
كَأَنِّي لم أكن فِي مصر يَوْمًاقطعت بِهِ الْوِصَال مَعَ الْأَحِبَّة
ونلت الْقرب من سَادَات دستمحلهم علا كيوان رتبه
إِذا عَايَنت فِي الإنشا حلاهمتراهم بالنجوم الزهر أشبه
وَإِن سابقتهم علم فا وفضلاًفَأَنت إِذا نطقت سكيت حلبه
فَمَا ابْن الصَّيْرَفِي إِذا أَتَاهُميُسَاوِي عِنْدهم فِي الْفضل حَبَّة
خُصُوصا تاجهم سقى الغواديمَحل ضمه وأخضل تربه
(إِذا أَخذ اليراع فَلَيْسَ بَين الطروس وَبَين زهر الرَّوْض نسبه)
وَإِن نطق اسْتَفَادَ الْمَرْء مِنْهُمحَاسِن تستبي فِي الْحَال لبه
وَلَيْسَ الْملك مُحْتَاجا إِلَى أَنيعد كتائبا إِن عد كتبه
لَهُ الفضلان فِي نظم ونثرإِذا مَا جال فِي شعر وخطبه
أيا مولَايَ عفوا عَن محبتهجم فالبعاد إذاب قلبه
بعثت بهَا إِلَيْك عَسى ترَاهَاعلى بعد من الْمَمْلُوك قربه
فَكتب إِلَيّ الْجَواب الْبَسِيط
شكرا لغرس بروض الْفضل قد نبتاووده فِي صميم الْقلب قد ثبتا
أهْدى إِلَيّ كتابا كنت أرقبهأَزَال عني من عيث النَّوَى العنتا
مُبَارَكًا جَاءَ بِالْحُسْنَى فَأحْسن ليوَكَيف لَا وَهُوَ من عِنْد الْخَلِيل أَتَى
لَا زَالَت أَلْفَاظه حلية المماليك ووده فِي النُّفُوس ثَابتا وللقلوب خير مَالك ومنزله من فضل الله رحيب الساحات معمورا بالسماحات فِي رحبة مَالك وَينْهى وُرُود مشرف سمح ببيانه ونفح بعرفانه وجنح إِلَى عوائد إحسانه ولمح أشرف الْمعَانِي بإنسانه وَربح إِذْ بدا بفصل خطابه وَفضل بنانه أَبى الله إِلَّا أَن يكون لَهُ الْفضل فِي ابْتِدَائه والفوز بسبق تحيته وانشائه فَقبله الْمَمْلُوك تقبيلاً وفضه فَإِذا الْبَيَان جَاءَ كُله مَعَه قبيلا وَرَأى أدباً غضاً ونظماً ونثراً فاقاً من سلف عصره وتقضي وَلَقَد ذكر مَوْلَانَا بأوقات قربه على أَن الْمَمْلُوك مَا زَالَ يذكرهَا وَأقر عينا مَا بَرحت تشهد محاسنه وتنظرها الْبَسِيط
أبلغ أخانا أدام الله نعْمَتهأَنِّي وَإِن كنت لَا أَلْقَاهُ أَلْقَاهُ
الله يعلم أَنِّي لست أذكرهُوَكَيف يذكرهُ من لَيْسَ ينساه
)
وَلَقَد تحملت بمولانا جِهَة تصدر أَخْبَارهَا بأقلامه وتصدر مهماتها بمتين كَلَامه ويبدو
صَلَاحهَا بألفاظه الَّتِي هِيَ كالزلزال فِي رقته والدر فِي نظامه فَبسط الله ظلال من أمتع هَذِه المملكة بمولانا وسير ركابه إِلَيْهَا وطالما أولاه الْخَيْر وأولانا قد شَمل الْبعيد والقريب بفضله وَعمر مصر بسودده وغمر الشَّام بوبله الْكَامِل
كالبحر يقذف للقريب جواهراكرماً وَيبْعَث للبعيد سحائبا
ثمَّ يعود الْمَمْلُوك إِلَى وصف محَاسِن مَوْلَانَا الَّتِي مكنت فِي الْقلب حبه وأرضت بالود مَمْلُوكه وتربه وشيدت لَهُ فِي الأفئدة أرفع رُتْبَة الوافر
اتتنا من ودادك خير هبهفَنعم طيبها عَيْش الْأَحِبَّهْ
وزارتنا على نأي فَأَهْدَتْلنا أنسا بِهِ أنسى تنبه
تذكرني بزورتها ائتلافاووقتا طالما متعت قربه
نأى عَن مصر من مولَايَ أنسفألفى بعْدهَا رحباً ورحبه
للفظك فِي الطروس عُقُود معنىبهَا در الترائب قد تشبه
وخظك لم يزل درا ثميناًلَهُ بالجوهر الشفاف نسبه
بنانك مِنْبَر ترقى عَلَيْهِيراع كم لَهَا فِي الطرس خطبه
خطبت من الْمعَانِي كل بكرفلبت بالإجابة خير خطبه
كَأَنَّك قد رقيت الْأُفق عفوافَأعْطى طرسك الميمون شهبه
فدمت مُعظما فِي كل أَرضتنَال من السُّعُود أجل رتبه
وَكتب إِلَيّ وَنحن بالمخيم السلطاني على طنان ملغزا فِي كتاب السَّرِيع
يَا مبدعاً فِي النّظم والنثروفاضلاً فِي علمه يثري
ومودعا مهرقه كل مَايزري بِحسن الدّرّ والتبر
إِن أحكمت أَلْفَاظه أَصبَحتقواطعا تربى على البتر
مَا صَامت ينْطق أفضالهوكاتم للسر فِي الصَّدْر
تصلحه الرَّاحَة لكنهيتعب فِي الطي وَفِي النشر
قد أشبه الْبيض وَلكنهيحْتَاج يَا ذَا الْفضل للسمر
تفرق اللَّيْل بأرجائهكَأَنَّهُ وصل على هجر
)
يسير عَن أوطانه دَائِماللنفع فِي الْبر وَفِي الْبَحْر
إِن كَانَ يَوْمًا ضيف قوم غَدايقري وَخير النَّاس من يقري
فهات لي عَنهُ جَوَابا كَمَاعودتني يَا عالي الْقدر
فَكتبت إِلَيْهِ الْجَواب عَن ذَلِك السَّرِيع
أروضة تَبَسم عَن زهرأم أكوس دارت من الْخمر
أم نظم مَوْلَانَا فَإِنِّي الَّذِيأعده من جملَة السحر
إِذْ كل حرف مِنْك شمس وَأَنسامحت قلت الْكَوْكَب الدُّرِّي
يَا فَاضلا مَا مشتهي نظمهفِي النَّاس إِلَّا قطع الزهر
وكاتباً أصبح من خطهيُغني عَن الخطية السمر
حللت مَا ألغزته فِي الَّذِيتجلوه لي فِي حبر الحبر
مَا فَاه بالنطق وَلكنهلَهُ فنون النّظم والنثر
يخبرنا عَمَّا مضى وانقضىوَمَا جرى فِي سالف الدَّهْر
لَا يكذب القَوْل إِذا مَا روىفقد حكى صدق أبي ذَر
وَعِنْده لِلْحسنِ ديباجةشَبيهَة بِاللَّيْلِ وَالْفَجْر
ذرت على كافوره مسكةلَيْسَ لَهَا نشر مَعَ النشر
كم أقسم الْبَارِي بِهِ مرّةمرت لنا فِي مُحكم الذّكر
يَا حسن مَا قد قلت يقري وَهلتعرف فِي الْأَيَّام من يقري
وَمَا قراه غير سمع الَّذِييبثه باللب والفكر
هَذَا جَوَاب أَن تكن رَاضِيابِهِ فيا عزى وَيَا فخري
وَإِن أكن أَخْطَأت فِي حلّهفأبسط على مَا اعتدته عُذْري
لَا زلت ترقى صاعداً فِي العلىإِلَى مَحل الأنجم الزهر
وكتبت إِلَيْهِ عقيب ذَلِك السَّرِيع
بلغك الله الْأَمَانِي فقدأطربني لغزك لما أَتَى
حلا وَقد كررت إنشادهوَكَيف لَا يحلو وَفِيه كتا
وَكتب إِلَيّ أَيْضا وَنحن بالمخيم السلطاني على المنوفية الْكَامِل)
طرق الصَّوَاب بك استبان سَبِيلهَاوَبِك استقام على السوَاء دليلها
كم خلة محمودة أوتيتهافِي المكرمات وانت أَنْت خليلها
مَا ملغز الْفَاء مِنْهُ كَلَامهوحروفه مَا شأنهن قليلها
لَا شَيْء يَحْجُبهُ وَكم من دونهمن حَاجِب فعلاه تمّ أثيلها
إِن طَال مل وخيره يَا صَاح مَاقد طَال والنعماء طَابَ طويلها
وَإِذا أهل الْوَفْد من ميقاتهمطويت غمامته وَزَالَ ظليلها
كم أوضحُوا فرقا فأخفاه وَمَعَهَذَا أبانته دنا تَعْجِيلهَا
وَمحله بِمحل مَوْلَانَا غَدايسمو فَرَفَعته رسا تأصيلها
فأحلله لَا بَرحت يراعك كالظبيفصريرها مِنْهُ يمد صليلها
فحللته فِي شاش وكتبت الْجَواب إِلَيْهِ الْكَامِل
جَاءَت تدار على النُّفُوس شمولهاوتجر من فَوق الرياض ذيولها
أبياتك الغر الَّتِي أبدعتهاتطوي على جمل الْجمال فصولها
ويسير فِي الْآفَاق ذكرك لي بهَاوتهب بالإقبال مِنْك قبُولهَا
قد ألغزت لي فِي مُسَمّى وَاحِدوَله مقادير تفَاوت طولهَا
(كغمامة ترخى على ليل الشَّبَاب الغض أَو صبح المشيب فضولها)
لَا يَسْتَحِيل إِذا قلبت حُرُوفهبِالْعَكْسِ بل يبْقى لَهَا مدلولها
وحروفه بَيت وَبَاقِي لَفظهأس على التَّصْحِيف رحت أقولها
هَذَا الْجَواب وَغَايَة الْفضل الَّتِيقد نلتها فِي النّظم لست أطولها
فلك النُّجُوم تسير فِي فلك العلىمَا شَأْنهَا بعد الطُّلُوع أفولها
فَكتب إِلَى عقيب ذَلِك المجتث
الْمسك مِنْك ختاموراحتاك غمام
الْخط روض نديموَاللَّفْظ حُلْو مدام
وَالسحر قَوْلك لَكِنالسحر أَمر حرَام
اجبتني عَن معمىبِسُرْعَة لَا ترام
فِي الْقلب حبك ثاولَهُ أَقَامَ غرام
)
فَأَنت حَقًا خَلِيلعلى الْخَلِيل السَّلَام
فأجبته عَن هَذِه الْقطعَة المجتث
أجوهر أم كَلَاموقهوة أم نظام
أم البدور تجلتفأنجاب عَنْهَا الظلام
أم الحدائق وشىمِنْهَا البرود غمام
غصونها الفاتوالهمز فِيهَا حمام
أشبه السطر كاساًفِيهِ الْمعَانِي مدام
أَو أعيناً فاتناتيصبو لَهَا المستهام
وحشوها السحر بادوَلَا أَقُول السقام
أقلامك الْحمر فِيهَاللنائبات سِهَام
كم قد أَصَابَت لمرمىوَلم يفتها مرام
أثنت عَلَيْك الْمعَانِيوالكاتبون الْكِرَام
وقلدتك الْمَعَالِيإِذْ أَنْت فِينَا أَمَام
فَأَنت أشرف تَاجفِي فَضله لَا يرام
لَهُ على كل راسفَاء وضاد وَلَام
فَكتب الْجَواب أَيْضا المجتث
ألفاظك الغر أضحتبروقهن تشام
لأجل ذَلِك سحتمن سحبهن ركام
فأحبس سيولك أَن الْبيُوتهذي الْخيام
مصر بهَا قد تحلتكَمَا تحلى الشَّام
عَنْهَا يقصر قسوالسالفون الْكِرَام
أَمْثَالهَا سائراتوَمَا لَهُنَّ مقَام
بدورها طالعاتلَهَا التَّمام لزام
وَفِي الْعشي اتتنيمِنْهَا وُجُوه وسام
تعزى إِلَى الْعَرَب لمايرْعَى لَدَيْهَا الذمام
)
لَهَا الْعُيُون عُيُونوَالنُّون فِيهَا لثام
فَكُن خير سميرحَتَّى تقضى الظلام
وَكلما دَار دورمن خمرها جَاءَ جَام
هَذَا جَوَاب جَوَابقد كل فِيهِ الْكَلَام
فاستر لَهُ كل عَابَإِذْ أَنْت فِينَا إِمَام
نقلت من خطه فصلا كتبه فِي وصف يَوْم ماطر وَهُوَ مطر غامت لَهُ السَّمَاء وعامت الأَرْض لما كثر مِنْهُ المَاء ودامت بِهِ من الله الرَّحْمَة والنعماء وَغَابَتْ تَحت غمامه عين الشَّمْس فَمَا لَهَا إِشَارَة وَلَا إِيمَاء وتوالي كرمه إِلَى الرياض فَلهُ عِنْد كل ساف يَد بَيْضَاء إِلَّا أَن الأَرْض تغير حَالهَا وَاسْتقر فِي بطُون الأَرْض مَا أَرْسلتهُ جبالها فَتفرق فِي الأَرْض غدرانا وروت أَحَادِيثه السُّيُول عَن الحيا عَن الْبَحْر عَن جود مَوْلَانَا كَأَنَّمَا الأَرْض بِهِ سقيت فشفيت من باسها لَا بل كَأَنَّمَا أَبُو حَفْص هَذِه الْأمة استسقى الله بعباسها وأضحت فَاكِهَة الشتَاء كوجه المحبوب غير مملولة وَأمنت سحبه الْقُلُوب وَإِن كَانَت سيوف بروقها مسلولة وخمدت فِيهَا كل نَار قراك وَمَا غَابَتْ فِيهِ الشَّمْس وَنحن نرَاك وَمَا أطلق الْمَمْلُوك عنان الْقَلَم فِي هَذِه الْكَلم إِلَّا لما قيد نَفسه محبَّة فِي ذراك ونقلت من خطه مَا كتبه إِلَى القَاضِي عَلَاء الدّين ابْن الْأَثِير فِي قصيدة الْكَامِل
يَا من بِهِ جمع الألوف مفرقومفرق العلياء فِيهِ مجمع
يَا من إِذا وضع المكارم فِي الورىأضحى لَهُ عمل زكي يرفع
يَا من يعد مآثراً ومكارماًمَا عدهن عُيَيْنَة والأقرع
أبوابه محجوجة وجبينهبدر وبطن الْكَفّ مِنْهُ يَنْبع
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع