من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الصرايري الشَّاعِر مُحَمَّد بن أَحْمد بن خَليفَة أَبُو الْحسن التّونسِيّ
الشَّاعِر الشهير الملقب بالصرايري بالصَّاد الْمُهْملَة لَهُ شعر كثير على طَرِيق ابْن حجاج فِي هجو وقبايح دخل مصر وَمَات بالريف فِي سنة ثَمَان عشرَة وَأَرْبع ماية قَالَ ابْن رَشِيق فِي الأنموذج كَانَ يصحب القَاضِي حُسَيْن بن مهنا الفاسي وَأخذ بزيه فِي ترك شَاربه لَا يحفيه تَشْبِيها بِرِجَال الدولة من صنهاجة فَشَكَاهُ إِلَيْهِ بعض أَصْحَابه فأسمعه وَقَالَ لَهُ فِي بعض كَلَامه أَنا ظلمتك لِأَنِّي جعلتك تنفح شاربك على النَّاس كبرا وطغيانا وَسكت الصرايري فأنصرف وقص شَاربه وأودعه رقْعَة كتب فِيهَا
الله يَا قَاضِي على مَا أرىأراحني مِنْك وَمن كاتبك
كسبت فِي أيامكم شاربافَخذه والسلح على شاربك
وسافر من الْبَلَد وَقَالَ حدثت عَمَّن رَآهُ فِي سوق ابْن هِشَام مَاشِيا فِي فرو أَحْمَر قديم مَا يواري رُكْبَتَيْهِ وقلنسوة مثله وَهُوَ يشترى لَحْمًا فتواريت عَنهُ أكباراً لَهُ وحياء لَهُ من رُؤْيَته على تِلْكَ الْحَال وأتبعته إِلَى بَيته فَلَمَّا عَرفته ذهبت فَأَتَيْته بعيبة كَانَت لي فِيهَا ثِيَاب لأجعلها عَلَيْهِ وَنَفَقَة ليغير بهَا حَاله فَإِذا هُوَ يصلح الْقدر وَعَلِيهِ ثِيَاب نفيسة وعمة شريفة وَفِي وَسطه أحرام دبيقي مُرْتَفع فَسلمت عَلَيْهِ مُتَعَجِّبا مِنْهُ فانكر حَالي فَقَالَ مَا لَك فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة من أَولهَا إِلَى آخرهَا فَأثْنى بِخَير وَقَالَ قابلت الْعَامَّة العمياء بِمَا يشبهها وَأنْشد بعد أطراق سَاعَة
هَانَتْ على النَّفس وَهِي كَرِيمَةمن أجل قوم بَينهم أتصرف
فلقيتهم فِيمَا يَلِيق بمثلهمورجوت أَنِّي بَينهم لَا أعرف
وَإِذا خلوت بهمتي لم يرضنيإِلَّا الْأَجَل من الْأُمُور وأشرف
وَمن أعابيثه قَوْله فِي بعض أَحْدَاث بني زرت
يَا سيد النَّاس من بني زرتأحب لَو نمت سَاعَة تحتي
وَلَا تحفني فَإِن عَيْني مَاتراك إِلَّا كَمَا ترى أُخْتِي
)
أَولا فجرب فَإِن كذبت فَلَاترحم خضوعي وَلَا أباتي
وَأَجْعَل سبالي على شفا جرففَإِن ثَنَا قلت دسها فِي أسى
وَقَوله من أَبْيَات
أحبب بِهِ لَيْلَة عانقتهمرتشفاً مِنْهُ ثنايا عَذَاب
لله مَا أحْسنهَا لَيْلَةألزمني تذكارها الأكتياب
وسدت من اهوى يَمِيني بهَامن غير أَمر بَيْننَا يستراب
ثمَّ أعتنقنا فترانا مَعًافِي ظلمَة العتب وَنور العتاب
روحين فِي جسم لَهُ مشْهدلَا تنثني عدته فِي الْحساب
جسمان صَارا فِي الْهوى وَاحِدًاكشكلتين أختلطا فِي كتاب
قلت أَنا أَخذ هَذَا معنى من أبي الطّيب حَيْثُ يَقُول
دون التعانق ناحلين كشكلتينصب أدقهما وَضم الشاكل
لَكِن فِي قَول أبي الطّيب زيادات فَاتَت الصرايري لِأَنَّهُ قَالَ شكلتا نصب فَهُوَ أخص من قَول كشكلتين اختلطا لِأَن الشكلتين قد يَكُونَا ضمتين أَو غير ذَلِك وَالْأَشْبَه بالمتعانقين إِنَّمَا هُوَ النصبتان لِأَنَّهُمَا شكلان ممتدان على الأستواء وَقَالَ نصب وَلم يقل جر طلبا للمحل الأرفع وَقَالَ
أدقهما وَضم الشاكل مُبَالغَة فِي مقاربة الأتحاد وَهُوَ أحسن من قَول الصرايري أختلطا لِأَن قَول أبي الطّيب أقرب إِلَى الْحق وَفِي معنى قَول الصرايري مَا قَالَه ابْن سناء الْملك
وَلَيْلَة بتنا بعد سكري وسكرهنبذت وِسَادِي ثمَّ وسَّدته يَدي
وبتنا كجسم وَاحِد من عناقناوَإِلَّا كحرف فِي الْكَلَام مشدد
وَمَا أظرف قَول سيف الدّين المشد
وَلما زار من أهواه لَيْلًاوخفنا أَن يلم بِنَا مراقب
تعانقنا لأخفيه فصرناكأنا وَاحِد فِي عقد حاسب
سمع هَذَا بعض الظرفاء فَقَالَ لَعَلَّه كَانَ قواقياً فَإِن الصَّغِير كَانَ فَوق يُرِيد أَن الْخِنْصر فَوق البنصر فِي عدد الْحساب
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع