من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الوأواء الدِّمَشْقِي مُحَمَّد بن أَحْمد وَقيل مُحَمَّد بن مُحَمَّد أَبُو الْفرج الوأواء الغساني الدِّمَشْقِي
شَاعِر مطبوع منسجم الْأَلْفَاظ عذب الْعبارَة حسن الأستعارة جيد التَّشْبِيه بني الحريري مقامة على قَوْله
وأمطرت لؤلؤاً من نرجس فسقتوردا وعضت على الْعنَّاب بالبرد
وَأرى أَن قَوْله وعضت أحسن من قَول الحريري وضرست البلور بالدرر لِأَنَّهُ أتم وتتمة هَذَا الْبَيْت مَشْهُورَة وَمن شعره
وليل كفكري فِي صدود معذبيوَإِلَّا كأنفاسي عَلَيْهِ من الوجد
)
وَإِلَّا كعمر الهجر فِيهِ فَإِنَّهُإِذا قسته بالوصل كَانَ بلاحد
وَمِنْه
سقياني ذَبِيحَة المَاء فِي الكاس وكفا عَن شرب مَا تسقياني
أنني قد آمَنت بالْأَمْس إِذْ مت بهَا أَن أَمُوت موتا ثَانِي
قهوة تطرد الهموم إِذا مَاسكنت فِي مَوَاطِن الأحزان
نثرت رَاحَة المزاج عَلَيْهَاحدقاً مَا تَدور فِي أجفان
فَهِيَ تجْرِي من اللطافة فِي الأرواح مجْرى الْأَرْوَاح فِي الْأَبدَان
يتهادى بكأسها من هَدَايَاهـ إِلَيْنَا طرايف الأشجان
مَا رَأينَا وردا كورد بخديهـ بدا طالعاً على غُصْن بَان
زارني والصباح فِي ساعد الأفق كنحر فِي نصفه نصف جَان
وَغدا والهلال فِي شرك الْفَجر شَرِيكي فِي قَبْضَة الأرتهان
وَيَمِين الجوزاء تبسط باعاًلعناق الدجى بِغَيْر بنان
وَكَأن الأكليل فِي كلة الليل ثلث من فَوق عقد ثَمَان
وَكَأن الذِّرَاع فَوق الثرياراية ركبت بِغَيْر سِنَان
وَكَأن المريخ إِذْ رمى الغرب بِهِ حَرْبَة من النيرَان
وَكَأن النُّجُوم أحداق رومركبت فِي محاجر السودَان
رشأ تشره النُّفُوس إِلَى مَافِي ثناياه من رحيق اللِّسَان
لَا وَمَا أَحْمَر من تورد خديهـ وَمَا أصفر من شموس الدنان
لأطلت السُّجُود فِي قبْلَة الكأس بتسبيح ألسن العيدان
كم صلوة على فَتى مَاتَ سكراقد أُقِيمَت فِينَا بِغَيْر أَذَان
أَيهَا الرايح الَّذِي راحتاهبخضاب الكؤس مخضوبتان
عج بضحك الأقداح فِي رهج القصف إِذا مَا بَكت عَلَيْهَا القناني
وأسقني القهوة الَّتِي تنْبت الورد إِذا شِئْت فِي خدود الغواني
لَا تدغدغ صدر المدام بأيدي المزج مَا دغدغت صُدُور المثاني
فِي رياض تريك بِاللَّيْلِ مِنْهَاسرجاً من شقايق النُّعْمَان
)
كتبتها أَيدي السَّحَاب باقلام دموع على طروس المغاني
الفات مؤلفات ولامات تكون من ضمير الْمعَانِي
أنظر إِلَى مَا فِي هَذِه القصيدة من جودة التَّشْبِيه وَصِحَّته ولطف الاستعارات ورشاقة ألفاظها وَمن شعره
وجلا الثريا فِي ملاءة نوره الْبَدْر التَّمام
فَكَأَنَّهَا كأس ليشرَبهَا الدجى والبدر جَام
وَكَأن زرق نجومهاحدق مفتحة نيام
وَمن شعره وَهُوَ مَشْهُور
سقيا ليَوْم غَدا قَوس الْغَمَام بِهِوَالشَّمْس مشرقة والبرق خلاس
كَأَنَّهُ قَوس رام والبروق لَهُرشق السِّهَام وَعين الشَّمْس برجاس
وَمِنْه أَيْضا
والبدر أول مَا بدا متلثماًيُبْدِي الضياء لنا بخد مُسْفِر
وكأنما هُوَ خوذة من فضَّةقد ركبت فِي هَامة من عنبر
وَمِنْه أَيْضا
لست أنسى قلبِي وَقد رَاح نهباًبَين بَين مبرح وصدود
وسماء الْعُيُون إِذا ذَاك تسقىبسحاب الدُّمُوع روض الخدود
وَمِنْه وَهُوَ لطيف عذب
بِاللَّه رَبكُمَا عوجا على سكنيوعاتباه لَعَلَّ العتب يعطفه
وعرضا بِي وقولا فِي حديثكمامَا بَال عَبدك بالهجران تتلفه
فَإِن تَبَسم قولا فِي ملاطفةمَا ضرّ لَو بوصال مِنْك تسعفه
وَأَن بدا لَكمَا فِي وَجهه غضبفغالطاه وقولا لَيْسَ نعرفه
أَخذه القايل فنظمه دوبيت
باللطف إِذا لقِيت من اهواهعاتبه وَقل لَهُ الَّذِي القاه
أَن أغضبهُ الْوِصَال غالطه بِهِأَو رق فَقل عَبدك لَا تنساه
وَقَالَ الآخر)
أَلا يَا نسيم الرّيح بلغ رسالتيسليمي وَعرض بِي كَأَنَّك مازح
فَإِن اعرضت عني فموه مغالطاًبغيري وَقل ناحت بِذَاكَ النوايح
وَقَالَ الآخر حلاوى
بِحرْمَة الْعَهْد أَن جزت النقايا سعدوابصرت ذَات الْمحيا والأثيث الْجَعْد
عرض بذكرى وغالطها وَقل يَا دعدإِذْ لم تجودي بوصلك فأسمحي بالوعد
وَقلت أَنا من أَبْيَات
وَيَا رَسُولي إِلَيْهِم صف لَهُم أرقيوَأَن طرفِي لضيف الطيف مرتقب
وأسأل مواهبهم للعين بعض كرىعساي أَن يهبوا لي بعض مَا نهبوا
ولطف القَوْل لَا تسأم مُرَاجعَةوأشك الْهوى والنوى قد ينجح الطّلب
عرض بذكرى فَإِن قَالُوا أتعرفهفأسأل لي الْوَصْل وأنكرني إِذا غضبوا
وَالْأَصْل فِي هَذَا كُله قَول عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي
فأتتها طبة عَالِمَةتمزج الْجد مرَارًا باللعب
تغلظ القَوْل إِذا لانت لَهَاوتراخي عِنْد سورات الْغَضَب
والوأواء الدِّمَشْقِي من شعراء سيف الدولة ابْن حمدَان وَمن مديحه فِيهِ من جملَة قصيدة
من قَاس جدواك بالغمام فَمَاأنصف فِي الحكم بَين إثنين
أَنْت إِذا جدت ضاحكٌ أبداوَهُوَ إِذا جاد دامع الْعين
وَمن شعره أَيْضا
أيا ملزمي ذَنْب الدُّمُوع وَقد جرتفأبدت من الْأَسْرَار كل مصون
أَعنِي على تَأْدِيب دمعي فَإِنَّهُيَتُوب إِذا مَا كنت أَنْت معيني
وَمِنْه أَيْضا وَهُوَ لطيف جدا
إِذا أَشْتَدّ مَا ألقِي جَلَست حذاءهونار الْهوى قد أضرمت بَين أوصالي
أقبل من فِيهِ نسيم كَلَامهإِذا مر بِي صفحاً بأفواه آمالي
وَمِنْه أَيْضا
يَا من بزرقة سيف اللحظ طل دميوَالسيف مَا فخره إِلَّا بزرقته
علمت أنسان عَيْني أَن يجود فقدجَادَتْ سباحته فِي مَاء عبرته
)
وَمِنْه أَيْضا
وَلما وقفنا ساحة الْحَيّ لم نطقكلَاما تناجينا بِكَسْر الحواجب
نناجي بأضمار الْهوى ظَاهر الْهوىبأطيب من نجوى الْأَمَانِي الكواذب
توفّي الوأواء الدِّمَشْقِي فِي عشر التسعين وَالثَّلَاث ماية تَقْرِيبًا
الخباز الْبَلَدِي مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدَان الْمَعْرُوف بالخباز الْبَلَدِي نِسْبَة إِلَى بلد وَهِي مَدِينَة بالجزيرة الَّتِي مِنْهَا الْموصل قَالَ صَاحب الْيَتِيمَة كَانَ أُمِّيا وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ يقتبس مِنْهُ وَكَانَ يتشيع قَالَ
كَأَن يَمِيني حِين حاولت بسطهالتوديع الفي والهوى يذرف الدمعا
يَمِين ابْن عمرَان وَقد حاول الْعَصَاوَقد جعلت تِلْكَ الْعَصَا حَيَّة تسْعَى
وَقَالَ
أَتَرَى الجيرة الَّذين تداعوابكرَة للزيال قبل الزَّوَال
علمُوا أنني مُقيم وقلبيراحل فيهم أَمَام الْجمال
مثل صَاع الْعَزِيز فِي أرحل القوم وَلَا تعلمُونَ مَا فِي الرّحال
وَقَالَ
سَار الحبيب وَخلف القلبايُبْدِي العزاء ويضمر الكربا
قد قلت إِذْ سَار السفين بهموالبين ينهب مهجتي نهبا
لَو أَن لي عزا أصُول بِهِلأخذت كل سفينة غصبا
وَقَالَ
أَلا آن أخواني الَّذين عهدتهمأفاعي رمل لَا تقصر عَن لسعي
ظَنَنْت بهم خيرا فَلَمَّا بلوتهمنزلت بواد مِنْهُم غير ذِي زرع
وَقَالَ
أَنا فِي قَبْضَة الغرام رهينبَين سيف مجاذب ورديني
وَكَأن الْهوى أمره علويظن أَنِّي وليت قتل الْحُسَيْن
وَكَأَنِّي يزِيد بَين يَدَيْهِفَهُوَ يخْتَار أوجع القتلتين
وَقَالَ)
وحمايم نبهننيوَاللَّيْل داجي المشرقين
شبهتهن وَقد بكين وَمَا ذرفن دِمَاء عَيْني
بنساء آل مُحَمَّدلما بكين على الْحُسَيْن
وَقَالَ
ليل المحبين مطوي جوانبهمشمر الذيل مَنْسُوب إِلَى الْقصر
مَا ذَاك إِلَّا لِأَن الصُّبْح نم بِنَافَأطلع الشَّمْس من غيظ على الْقَمَر
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع