من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن نفادة
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن نفادة؟
أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن نفادة الأديب البارع بدر الدّين نشئ الدولة السّلمِيّ الدِّمَشْقِي شَاعِر محسن روى عَنهُ الشهَاب القوصي وَكَانَ رَئِيسا وديوانه مَوْجُود عَاشَ سِتِّينَ سنة وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وست مائَة وَله مدائح كَثِيرَة فِي السُّلْطَان صَلَاح الدّين الْكَبِير وَفِي أَوْلَاده وأخيه الْعَادِل وجماعته وَفِي الْوَزير صفي الدّين ابْن الْقَابِض وَفِي القَاضِي الْفَاضِل وَالْقَاضِي
ابْن الشهرزوري ضِيَاء الدّين وَالْقَاضِي محيي الدّين ابْن الزكي وَغَيره وَهُوَ أحد الْمَشْهُورين)
بِحسن النّظم فَمن شعره قَوْله
قيل تهوى ذَات اللمى قلت إِنَّهأوما سقمه عَلَيْهِ مئنّه
ولنار الْهوى دُخان بِهِ تعرف لكنه زفيرٌ وَأَنه
لسوى الحبّ ينفع الصَّبْر ذخْراوَسوى اللحظ ينسج الدرْع جنّه
يَا لقومي لأعينٍ نافذاتٍحَيْثُ لَا تنفذ القنا بالأسنه
وظباء تنضو لقلبي ظبى الألحاظ أجفانهن أجفانهنه وبنفسي هيفاء تقعدها الأرداف عجلى إِذا مشت مطمئنّه
ذَات وجهٍ إِن أَقبلت فصباحٌذَات شعرٍ إِن أَدْبَرت فدجنّه
من بَنَات الشموس أَو أَخَوَات الْبَدْر حسنا أَو بعض حور الجنّه نقلت من خطّ شهَاب الدّين القوصي قَالَ أَنْشدني ابْن نفاذة لنَفسِهِ ملغزاً فِيمَن اسْمه يُوسُف
يَا سائلي مَا اسْم الَّذِي أحببتهإِنِّي بسرّ هَوَاهُ غير مصرّح
لَكِن إِذا فَكرت فِيهِ وجدتهمعكوس سَابِع لفظةٍ من سبّح
قلت يُرِيد قَوْله تَعَالَى فسوى
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ
قل للزكيّ المرتضىذخر الورى بل ذِي الأيادي
يَا من غَدا شكري لَهُكفريضةٍ بَين الْعباد
قد كدت أنسخ شكرهلولاه فِي جاه الوداد
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ وَكتب بهما إِلَى الشَّمْس ابْن حيوس يطْلب مشمشاً يَا شمس لَا زلت مشكور الْخَلَائق محممود الفعال وَمن يشناك مَذْمُوم
هَل أَنْت من فلك الإنعام تطلع ليشمساً مصحفةً من قبلهَا مِيم
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ
إِن أعوز الحاذق فاستبدلوامَكَانَهُ آخر لم يحذق
فلاعب الشطرنج من شَأْنهوضع حصاةٍ مَوضِع البيذق
وَقَالَ عَارضه شَيخنَا عماد الدّين الْكَاتِب فَقَالَ
مَا سدّ مَوْضِعه بمشبه فَضلهوَلَقَد سما فضلا عَن الْأَشْبَاه
)
وضعُوا حَصَاة وَهِي يصغر قدرهَاعَن بيذقٍ غَلطا مَكَان الشاه
وَقَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ أَيْضا
أفدي الَّتِي سفرت فقابل ناظريمرْآة وَجه بالجمال صقيل
أبْكِي فأبصر أدمعي فِي خدّهالصقاله فأظنّها تبْكي لي
قلت أَخذه من قَول الأرّجاني
قابلني حَتَّى بَدَت أدمعيفِي خَدّه المصقول مثل المراه
يُوهم صحبي أَنه مسعديبأدمعٍ لم تذرها مقلتاه
وَإِنَّمَا قلدني منّةًبدمع عينٍ من جفوني مراه
وَلم تقع فِي خدّه قطرةٌإِلَّا خيالات دموع البكاه
وَقَالَ أَنْشدني يرثي ابْنه لنَفسِهِ
قَالُوا تعيش فَقلت لَابِاللَّه لَا تدعوا عليا
قَالُوا تَمُوت فَقلت ذَلِك لَو غَدا أَمْرِي إليّا لَو كَانَ أسعدني إلهي لم أكن إِذْ ذَاك حيّا
قد كَانَ موتِي راحتيقبل الرزيّة لَو تهيّا
وَأورد لَهُ تخميس قصيدة التهامي الَّتِي أَولهَا
حكم الْمنية فِي الْبَريَّة جَارمَا هَذِه الدُّنْيَا بدار قَرَار
وَمن شعره أَيْضا
حتّام إِن أَمر الغرام وَإِن نهىطاوعته وعصيت فِي الحبّ النّهى
أرضيت جفوني للدموع مؤهلاًأبدا وقلبي بالولوع مولَّها
قد كنت مُعْتَمدًا على صبري إِذامَا الْخطب فاجأني وَهَا صبري وهى
ومدلّلٍ مَا زلت من هجرانهأبدا على مرّ الزَّمَان مدلّها
متأوّد الأعطاف قلب محبّهمَا زَالَ من إعراضه متأوّها
تجني على عشاقه وجناتهبالصدّ فَهِيَ المشتكى والمشتهى
فبه إِذا عدّ الملاح المبتداوَإِلَى غرامي فِي هَوَاهُ الْمُنْتَهى
يَا مطلعين لنا بدوراً أوجههافلك الْجُيُوب فَكيف تسمى أوجها
)
وملاحظين بأعينٍ من أمّهالم يدر غزلاناً يغازل أم مها
فحذار من تِلْكَ الْعُيُون خديعةًفبمكرها سلبت فُؤَادِي مكْرها
وَمِنْه يذكر المشمش
هبّ وَنجم الصَّباح لم يغبلرشف حَمْرَاء لَا ابْنة الْعِنَب
نارية اللَّوْن فِي الْجنان بَدَتيَا عجبا للجنان فِي اللهب
تلوح كالتبر فِي الزبرجد منفَوق عروق المرجان فِي القضب
فَهِيَ سَمَاء من الزمرد فِيآفاقها أنجمٌ من الذَّهَب
فَمَا ترقى للسمع شيطانها الْكَافِر إِلَّا رمته بِالشُّهُبِ
إِذا الثريا تكاملت كملتوأبرزت وَجه غير منتقب
وَكم ثريا فِي الْغُصْن طالعةًمِنْهَا جَمِيع النَّهَار لم تغب
زمانها كالأعياد مرتقبٌأَيَّامهَا للسرور والطرب
حجّ لميقاتها الْبَريَّة منمصر إِلَى جلقٍ وَمن حلب
كالنار بل كالنارنج منظرهاوطعمها فِي حلاوة الضَّرْب
حلت وحلت لمن تنَاولهَاوالراح لَوْلَا التَّحْرِيم لم تطب
يرشف ريق الندى مقبلهافيجتنيها معسولة الشنب
تذوب فِيهِ من لطافتهامن غير مضغٍ يُفْضِي إِلَى تَعب
وَمِنْه أَيْضا
دَعه مثلي يبكي الصِّبَا وزمانهإنّ ذكرَاهُ هيجت أحزانه
ناح شجواً على لَيَال وَأَيَّام تقضّت لم يقْض مِنْهَا لبانه
كَيفَ ترجو فِي الْأَرْبَعين وَفَاءمن شبابٍ قبل الثَّلَاثِينَ خانه
أَو ينَال اللَّذَّات فِي أخريات الْعُمر من لم يفز بهَا ريعانه مِنْهَا وتجاف الجفون وَاحْذَرْ على قَلْبك تِلْكَ اللواحظ الفتانه
رامياتٍ فكلّ شَعْرَة هدبٍثمَّ سهمٌ وكل جفنٍ كنانه
وبروحي هيفاء أعطافها نشوى تهادى كَأَنَّهَا خوط بانه)
فَهِيَ بدرٌ من تَحْتَهُ غُصْن بانٍوكثيبٌ من فَوْقه خيزرانه
تلبس الْحسن فَوق قمصانها ثوبا وتكساه حلَّة عُرْيَانَهُ ينْبت الْورْد والشقيق بخديها لنا من قوامها ريحانه وترينا باللحظ نرجسة الأحداق والثغر باسماً أقحوانه فبلثمي والضمّ من خدّها والنهد أجني التفاح والرمانه
وَمِنْه أَيْضا
قد حجبوا الْبيض ببيض الصفاحوَمنعُوا السمر بسمر الرماح
وأطبقوا أصداف أسجافهمفَمَا ترى شمس الصَّباح الصَّباح
مِنْهَا
يثبت تأليف الْهوى حسنهاوقدّها للصبر إِن ماح ماح
وطرفها مسكرٌة خمرهُإِذا أديرت وَهُوَ يَا صاحِ صاحْ
أمدّ قلبِي نَحْو كاساتهارشفاً إِذا مدّت إِلَى الراح راحْ
واضحها موضح عُذْري فَمَايلومني فِيهَا إِذا لَاحَ لاحْ
قلت هَذَا النَّوْع بديع يُوهم أَنه توكيد فِي الظَّاهِر وَهُوَ فِي الْبَاطِن غير توكيد وَمثل هَذَا مَا أنشدنيه لنَفسِهِ إجَازَة القَاضِي زين الدّين عمر ابْن الوردي وَسَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى
تعشقت أحوى لي إِلَيْهِ وسائلٌوَإِصْلَاح أحوالي لَدَيْهِ لَدَيْهِ
أمرّ بِهِ مستعطفاً متلطفاًفيثقل تسليمي عَلَيْهِ عَلَيْهِ
فَلَا كَانَ واشٍ كدّر الصفو بَيْننَاوبغّض تحبيبي إِلَيْهِ إِلَيْهِ
وَلابْن نفادة قصيدة ذَات أَربع قواف وَهِي
جمر غرامي وَاقد يَحْكِي لظىشراره فِي الْقلب لَيْسَ ينطفي
ودمع عَيْني شَاهد على الْهوىمدراره والوجد مَا لَا يختفي
وَالنَّوْم عني شارد لَا يرتجىغراره فيا لصبٍّ مدنف
هَل فِي الْهوى مساعد لما عَنىأعذاره فِي حب ظَبْي أهيف
مائل قدٍّ مائد إِذا انثنىخطّاره كالغصن المهفهف
فلحظه لي صائد إِذْ ينتضىبتاره هَل فِي الجفون مشرفي
)
قلبِي عَلَيْهِ وَاجِد لما نأىقراره بَين الأسى والأسف
أَرغب وَهُوَ زاهد وَهُوَ المنىأختاره من لي بِهِ فأشتفي
أسهر وَهُوَ رَاقِد لما جنىنفاره عرّضني للتلف
وجدي عَلَيْهِ زَائِد يَا لجوىإسعاره بَين الدُّمُوع الذّرّف
يَبْدُو فيصبو للعابد إِذا بداعذاره مثل قوام الْألف
قلت وَكَانَ مَعَ هَذِه الْقُدْرَة على النّظم وَحسنه يسرق السرقات الْفَاحِشَة بِالْمَعْنَى وَاللَّفْظ فَيظْهر ذَلِك لمن لَهُ أدنى اطلَاع وأيسر ذوق كَقَوْلِه
غالطتني حِين حاكى جسمهاجسمي الممرض وجدا وغراما
ثمَّ قَالَت أَنْت عِنْدِي ناظريولعمري صدقت لَكِن سقاما
وَهَذَا بِعَيْنِه قَول الأرجاني
غالطتني إِذْ كنت جسمي للضنىكسْوَة أعرت من اللَّحْم العظاما
ثمَّ قَالَت أَنْت عِنْدِي فِي الْهوىمثل عَيْني صدقت لَكِن سقاما
وَكَقَوْلِه
وامتدّ ليلِي إِذْ سهرت وَكلماقصرت جفوني زَاد ليلِي طولا
وكأنّ مرْآة الصَّباح تنفسي الصعداء أصدأ وَجههَا المصقولا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع