من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عبد الله بن يُوسُف
وَالِد إِمَام المحرمين عبد الله بن يُوسُف بن عبد الله بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن حيويه الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَالِد إِمَام الْحَرَمَيْنِ كَانَ إِمَامًا بارعاً فَقِيها شَافِعِيّ الْمَذْهَب مُفَسرًا نحوياً أديباً تفقه على أبي بكر الْقفال وَتخرج بِهِ فُقَهَاء صنف التَّبْصِرَة وصنف التَّذْكِرَة وَالتَّعْلِيق ومختصر الْمُخْتَصر وَالْفرق وَالْجمع والسلسلة وموقف الإِمَام وَالْمَأْمُوم وَالتَّفْسِير الْكَبِير وَسمع من جماعةٍ وروى عَنهُ وَلَده إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره وَتُوفِّي سنة ثمانٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقَرَأَ أَيْضا على أبي الطّيب سهلٍ الصعلوكي وَكَانَ مهيباً لَا يجْرِي بَين يَدَيْهِ إِلَّا الْجد وَلما مَاتَ وَالِد إِمَام الْحَرَمَيْنِ قَالَ أَبُو الْفرج حمد بن مُحَمَّد بن حسنيل الهمذاني يرثيه من الطَّوِيل
علومٌ علت أعلامها غبراتهاوأعين أعيانٍ طغت عبراتُها
وأفلاذ أكبادٍ من الْفضل فتتتفدلت على تفتيتها زفراتها
بنى بليوث الغاب عقر غيولهاوأخلته من عفر الفلا سمراتها
أَبى الله عز الدّين إِلَّا تنقصاًمن الأَرْض حَتَّى استقلعت شجراتها
تداعت مباني الدّين وانهد رُكْنهودهده من أطواده صخراتها
وغار ضِيَاء الشرق فانكسفت لَهُشموسٌ وأقمارٌ خبت شرراتها
أرى عصباً تيجانها قد تقوضتوَقد عصبتها بالثرى غبراتها
علا الحبر عبد الله صهوة سَابققوائمه من معشرٍ قصداتها
وَإِن قلوباً قطعت لوفاتهكوتها على تقطيعها حسراتها
ذوت دوحة الْإِسْلَام وَالْعلم والعلىبمصرع من جدت بِهِ ثمراتها
هوى نجمها العالي وأظلم جوهاومادت رواسيها ومارت كراتها
سلامٌ على المنطيق فِي شبهاتهاإِذا مَا رجالٌ عاقها حصراتها
برغم الْفَتَاوَى والمدارس هورتخواطره واستنزفت خطراتها
برغم النوادي والمجالس رنقتمواردها وارتد ملحاً فراتها
برغم العلى وَالدّين وَالْعلم والجحىثوى الْبَدْر والبيداء ضلت سراتها
فجايع سَالَتْ بالخدود دماؤهاكَذَا وتهاوت فِي الحشا جمراتها
)
لخفت مَثَاقِيل الرِّجَال وأضللتحلوماً وطاشت بعده وقراتها
وَكَانَ إِذا مَا حررت كَلِمَاتهمَعَاني لم ترقم سطوراً قراتها
وَهِي طويلةٌ سَاقهَا الباخرزي فِي الدمية وتألم مرّة من ضرسه فَقَالَ الباخرزي من السَّرِيع
جلّ الإِمَام الحبر عَن علةٍفِي ضرسه لم تَكُ معتاده
لِسَانه أوجع أَسْنَانهوَالسيف قد يَأْكُل أغماده
الْجِرْجَانِيّ الْمُحدث عبد الله بن يُوسُف القَاضِي أَبُو محمدٍ الْجِرْجَانِيّ الْمُحدث صنف فَضَائِل الشَّافِعِي وفضائل أَحْمد بن حَنْبَل وَدخل هراة وَكَانَ ثِقَة
وَتُوفِّي سنة تسعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة
أَبُو مُحَمَّد الكلَاعِي عبد الله بن يُوسُف التنيسِي أَبُو مُحَمَّد الكلَاعِي الدِّمَشْقِي ثمَّ الْمصْرِيّ نزل تنيس روى عَنهُ البُخَارِيّ وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن رجلٍ عَنهُ قَالَ البُخَارِيّ من أثبت الشاميين وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره ثِقَة توفّي سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ
العاضد صَاحب مصر عبد الله بن يُوسُف هُوَ العاضد لدين الله أَبُو مُحَمَّد ابْن يُوسُف ابْن الْحَافِظ لدين الله عبد الْمجِيد بن مُحَمَّد بن الْمُسْتَنْصر بن الظَّاهِر بن الْحَاكِم العبيدي الْمصْرِيّ هُوَ آخر خلفاء المصريين
ولد سنة ستٍ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فِي أَولهَا وَتُوفِّي سنة تسعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة لما هلك الفائز ابْن عَمه وَاسْتولى الْملك الصَّالح طلائع على الديار المصرية بَايع العاضد وأقامه صُورَة وَكَانَ كالمحجور عَلَيْهِ لَا يتَصَرَّف فِي أمرٍ وَكَانَ رَافِضِيًّا سباباً خبيثاً إِذا رأى سنياً اسْتحلَّ دَمه وَقتل ابْن رزيك ووزر لَهُ شاور وَدخل أَسد الدّين شيركوه إِلَى الْقَاهِرَة وَقتل شاور ووزر لَهُ شيركوه على مَا هُوَ مذكورٌ فِيمَا تقدم فِي ترجمتهما وَمَات شيركوه فوزر لَهُ صَلَاح الدّين يُوسُف على مَا سَيَأْتِي فِي تَرْجَمَة صَلَاح الدّين وَتمكن صَلَاح الدّين من المملكة وَلم يزل يَسْتَدْعِي مِنْهُ الْخَيل وَالرَّقِيق وَغَيره إِلَى أَن أَخذ مِنْهُ فرسا كَانَ رَاكِبه فسيره إِلَيْهِ وشق خفيه وَلزِمَ بَيته وَبَقِي مَعَه صُورَة إِلَى أَن خلعة وخطب لأمير الْمُؤمنِينَ المستضيء بِأَمْر الله العباسي وأزال تِلْكَ الدولة وَكَانُوا أَرْبَعَة عشر خَليفَة مِنْهُم ثلاثةٌ بإفريقية وهم الْمهْدي والقائم والمنصور وَأحد عشر بِمصْر وهم الْمعز والعزيز وَالْحَاكِم وَالظَّاهِر والمستنصر)
والمستعلي والآمر والحافظ والظافر والفائز
والعاضد يدعونَ الشّرف ونسبتهم إِلَى مَجُوسِيّ أَو يَهُودِيّ واشتهروا بَين الْعَوام فَيَقُولُونَ الدولة الفاطمية والعلوية وَقد أوضحت ذَلِك فِي تَرْجَمَة عبيد الله الْمهْدي وتسلم الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين قصر الْخلَافَة وَاسْتولى على مَا كَانَ فِيهِ من الذَّخَائِر وَكَانَت عَظِيمَة الْوَصْف وَقبض على أَوْلَاد العاضد وَأَهله وحبسهم فِي مكانٍ واحدٍ بِالْقصرِ وأجرى عَلَيْهِم مَا يموتهم وَعفى آثَارهم وَاسْتمرّ البيع فِي موجودهم مُدَّة عشر سِنِين وَلم يُوجد فِي خزائنهم من المَال كثيرٌ لِأَن شاور ضيعه وصانع بِهِ الفرنج وَمن عجائب مَا وجد فِيهَا قضيب زمردٍ طوله شبرٌ وشيءٌ فِي غلظ الْإِبْهَام فَأَخذه صَلَاح الدّين وأحضر صائغاً ليقطعه فاستعفى الصَّائِغ من ذَلِك فَرَمَاهُ السُّلْطَان فانكسر ثَلَاث قطعٍ وفرقه على نِسَائِهِ وَوجد طبل القولنج الَّذِي صنع للظافر وَكَانَ من ضربه خرج مِنْهُ الرّيح واستراح من القولنج فَوَقع إِلَى بعض أُمَرَاء الأكراد فَلم يدر مَا هُوَ فَكَسرهُ لِأَنَّهُ ضربه فضرط وَوجد إبريقٌ عظيمٌ من الْحجر الْمَانِع فَكَانَ من جملَة مَا أرسل إِلَى بَغْدَاد من التحف ثمَّ إِن موفق الدّين خَالِد بن القيسراني وصل إِلَى مصر من جِهَة نور الدّين الشَّهِيد وطالبه بِجَمِيعِ مَا حصله فشق ذَلِك على صَلَاح الدّين وهم بشق الْعَصَا ثمَّ إِنَّه أَمر بِعَمَل الْحساب وَعرضه على موفق الدّين وَأرَاهُ جرائد الأجناد وَأرْسل مَعَه هَدِيَّة إِلَى نور الدّين على يَد الْفَقِيه عِيسَى وَهِي خمس ختماتٍ إِحْدَاهُنَّ مَكْتُوبَة بِالذَّهَب بِخَط يانس فِي ثَلَاثِينَ جُزْء وختمة بِخَط مهلهل وختمة بِخَط الْحَاكِم الْبَغْدَادِيّ وختمة بِخَط رَاشد فِي عشرَة أجزاءٍ وختمة بِخَط ابْن البواب وَثَلَاثَة أَحْجَار بلخش وَزنهَا أَرْبَعَة وأبعون مِثْقَالا وست قصبات مرد مزنها ثَلَاثَة عشر مِثْقَالا وَثلث وَربع وياقوتة وَزنهَا سَبْعَة مَثَاقِيل وَحجر أَزْرَق وَزنه سِتَّة مَثَاقِيل وَسدس وَمِائَة عقد جَوْهَر وَزنهَا مائَة وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ مِثْقَالا وَخَمْسُونَ قَارُورَة دهن بِلِسَان وَعِشْرُونَ قِطْعَة بلور وَأَرْبع عشرَة قِطْعَة جزع وإبريق يشم وطشت يشم وسقرق مينا مَذْهَب وصحون وزبادي صيني أَرْبَعُونَ قِطْعَة وكرتين عود وزنهما خَمْسُونَ رطلا بالمصري وَمِائَة ثوب أطلس وَأَرْبع وَعِشْرُونَ بقياراً مذهبَة وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ثوبا حَرِيرًا وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ من الوشي وحلة فلفلي مذهبَة وحلة مريش صفراء مذهبَة وَغير ذَلِك أَنْوَاع قماش قيمتهَا مِائَتَان وَعِشْرُونَ ألف دِينَار مصرية وعدة من الْخَيل والغلمان والجواري وشيئاً كثيرا من السِّلَاح وَيُقَال إِن دَار الْكتب كَانَ بهَا ألف ومائتان وَعِشْرُونَ نُسْخَة بتاريخ الطَّبَرِيّ وَكَانَت تحتوي على ألفي ألف وسِتمِائَة ألف)
كتاب وَكَانَ فِيهَا من الخطوط المنسوبة أَشْيَاء كَثِيرَة حصل القَاضِي الْفَاضِل نخبها أَنه اعتبرها وَكلما أعجبه شَيْء قطع جلده ورماه فِي الْبركَة فَلَمَّا فرغ النَّاس من شِرَاء الْكتب اشْترى هُوَ تِلْكَ على أَنَّهَا مخرومة ذكر ذَلِك ابْن أبي طي وَقَالَ أَخْبرنِي بذلك جمَاعَة من المصريين مِنْهُم الْأَمِير شمس الْخلَافَة مُوسَى بن مُحَمَّد وَسَارُوا بِهَذِهِ الْهَدِيَّة فَلم تصل إِلَى نور الدّين لأَنهم اتَّصَلت بهم وَفَاة نور الدّين فِي الطَّرِيق
وَقيل إِنَّهَا أُعِيدَت جَمِيعهَا إِلَى صَلَاح الدّين لِأَنَّهُ وضع على موفق الدّين والفقيه عِيسَى من نهبهما فِي الطَّرِيق وَكَانَ موت العاضد بذربٍ مفرطٍ وَقيل مَاتَ غماً لما بلغه قطع خطبتهم من مصر وَقيل سم نَفسه وَمَات يَوْم عَاشُورَاء بعد قطع الْخطْبَة بيوميات قَلَائِل يُقَال إِن صَلَاح الدّين لما بلغته وَفَاته قَالَ لَو علمت قرب أَجله مَا رَوْعَته بِقطع الْخطْبَة حكى ابْن المارستاني فِي سيرة الْوَزير عون الدّين ابْن هُبَيْرَة أَنه رأى إنسانٌ من أهل بَغْدَاد فِي سنة خمسٍ وَخمسين وَخَمْسمِائة كَأَن قمرين أَحدهمَا أنور من الآخر والأنور مِنْهُمَا مسامت الْقبْلَة وَله لحيةٌ سَوْدَاء فِيهَا طولٌ ويهب أدنى نسيم فيحركها وظلها فِي الأَرْض وَكَأن الرجل يتعجب من ذَلِك وَكَأَنَّهُ يسمع أصوات جماعةٍ يقرؤن بألحانٍ وأصواتٍ لم يسمع قطّ مثلهَا وَكَأَنَّهُ يسْأَل بعض من حضر فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ قد استبدل النَّاس بإمامهم قَالَ وَكَأن الرجل اسْتقْبل الْقبْلَة وَهُوَ يَدْعُو الله أَن يَجعله إِمَامًا برا نقياً
واستيقظ الرجل وَبلغ هَذَا الْمَنَام الْوَزير ابْن هُبَيْرَة إِذْ ذَاك بِبَغْدَاد فَعبر الْمَنَام بِأَن الإِمَام الَّذِي بِمصْر يسْتَبْدل بِهِ وَتَكون لدَعْوَة لبني الْعَبَّاس لمَكَان اللِّحْيَة السَّوْدَاء وَقَوي هَذَا عِنْده حَتَّى كَاتب نور الدّين الشَّهِيد حِين دخل أَسد الدّين شيركوه إِلَى مصر فِي أول مرّة بِأَنَّهُ يظفر بِمصْر وَتَكون الْخطْبَة لبني الْعَبَّاس بهَا على يَده وَفِي قطع خطْبَة خلفاء مصر يَقُول العرقلة من الْخَفِيف
أصبح الْملك بعد آل عليٍّمشرقاً بالملوك من آل شاذي
وَغدا الشرق يحْسد الغرب للقوم ومصرٌ تعلو على بغداذ
مَا حووها إِلَّا بحزمٍ وعزمٍوصليل الفولاذ فِي الفولاذ
لَا كفرعون والعزيز وَمن كَان بهَا كالخصيب والأستاذ
وَيُقَال إِن الشريف الجليس وَهُوَ رجلٌ شرِيف كَانَ يجلس مَعَ العاضد ويحادثه عمل دَعْوَة لشمس الدولة توران شاه أخي السطان صَلَاح الدّين بعد انْقِرَاض دولة الفاطميين غرم عَلَيْهَا)
مَالا كثيرا وأحضرها جمَاعَة من أكَابِر أُمَرَاء الدولة الصلاحية فَلَمَّا جَلَسُوا على الطَّعَام قَالَ شمس الدولة للشريف حَدثنَا بِأَعْجَب مَا رَأَيْت قَالَ نعم طلبني العاضد يَوْمًا وَالْجَمَاعَة من الندماء فَلَمَّا دَخَلنَا عِنْده وجدنَا عِنْده مملوكين من التّرْك عَلَيْهِم أقبية مثل أقبيتكم وقلانس كقلانسكم وَفِي أوساطهم مناطق كمناطقكم فَقُلْنَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا هَذ الَّذِي مَا رَأَيْنَاهُ قطّ فَقَالَ هَذِه هَيْئَة الَّذين يملكُونَ دِيَارنَا وَيَأْخُذُونَ أمولنا وذخائرنا وَكتب صَلَاح الدّين إِلى وَزِير بَغْدَاد على يَد شمس الدّين مُحَمَّد بن المحسن بن الْحُسَيْن بن أبي المضاء البعلبكي الَّذِي خطب أول شَيْء بِمصْر للعباسيين من إنْشَاء القَاضِي الْفَاضِل كتابا مِنْهُ وَقد توالت الْفتُوح غرباً ويمناً وشاماً وَصَارَت الْبِلَاد والشهر بل الدَّهْر حرما حَرَامًا
وأضحى الدّين وَاحِدًا بَعْدَمَا كَانَ أدياناً والخلافة إِذا ذكر بهَا أهل الْخلاف لم يخروا عَلَيْهَا صمًّا وعمياناً والبدعة خاشعة وَالْجُمُعَة جَامِعَة والمذلة فِي شيع الضلال شايعة ذَلِك بِأَنَّهُم آتخذوا عباد الله من دونه أَوْلِيَاء وَسموا أَعدَاء الله أصفياء وتقطعوا أَمرهم شيعًا وَفرقُوا أَمر الْأمة وَكَانَ مجتمعاً وكذبوا بالنَّار فَجعلت لَهُم نَار الحتوف وَنَثَرت أَقْلَام الظبى حُرُوف رؤوسهم نثر الأقلام للحروف ومزقوا كل ممزقٍ وَأخذ مِنْهُم بِكُل مخنقٍ وَقطع دابرهم وَوعظ آثبهم غابرهم ورغمت أنوفهم ومنابرهم صدقا وعدلاً وَلَيْسَ السَّيْف عَمَّن سواهُم من الفرنج بصائم وَلَا اللَّيْل عَن السّير إِلَيْهِم بنائم وَلَا خَفَاء عَن الْمجْلس الصاحبي أَن من شدّ عقد خلَافَة وَحل عقد خلاف وَقَامَ بدولةٍ وَقعد بِأُخْرَى قد عجز عَنْهَا الأخلاف والأسلاف فَإِنَّهُ مفتقرٌ إِلى أَن يشْكر مَا نصح ويقلد مَا فتح ويبلغ مَا اقترح وَيقدم حَقه وَلَا يطْرَح وَيقرب مَكَانَهُ وَإِن نزح وتأتيه التشريفات الشَّرِيفَة وَيُقَال إِن الْمعز لما أَتَى إِلَى الْقَاهِرَة قَالَ لديوان الْإِنْشَاء أكتبوا لنا ألقاباً تصلح لنا أَن نتلقب بهَا فَكَتَبُوا لَهُم ألقاباً آخر مَا كَانَ فِيهِ لقب العاضد فَقدر الله تَعَالَى أَن آخر من ملك مِنْهُم كَانَ لقبه العاضد وَهَذَا فألٌ عَجِيب وَقد تقدم فِي تَرْجَمَة الخبوشاني فصل يتَعَلَّق بالعاضد وَكَانَ الْفَقِيه عمَارَة اليمني قد رثى أهل الْقصر بِهَذِهِ القصيدة اللامية وَهِي من الْبَسِيط
رميت يَا دهر كف الْمجد بالشللوجيده بعد حسن الْحلِيّ بالعطل
سعيت فِي مَنْهَج الرَّأْي العثور فَإِنقدرت من عثرات الدَّهْر فاستقل
جدعت مَا رنك الأقنى فأنفك لَايَنْفَكّ مَا بَين أَمر الشين والخجل
)
هدمت قَاعِدَة الْمَعْرُوف عَن عجلٍسقيت مهلا أما تمشي على مهل
لهفي ولهف بني الْأَيَّام قاطبةًعلى فجيعتها فِي أكْرم الدول
قدمت مصرا فأولتني خلائفهامن المكارم مَا أربى على الأمل
قومٌ عرفت بهم كسب الألوف وَمنتَمامهَا أَنَّهَا جَاءَت وَلم أسل
وَكنت من وزراء الدست حِين سمارَأس الحصان يهاديه على الكفل
ونلت من عُظَمَاء الْجَيْش تكرمةًوحلةً حرست من عَارض الْحلَل
يَا عاذلي فِي هوى أَبنَاء فاطمةٍلَك الْمَلَامَة إِن قصرت فِي عذلي
بِاللَّه زر ساحة القصرين وابك معيعَلَيْهِمَا لَا على صفّين والجمل
مَاذَا ترى كَانَت الأفرنجٍ فاعلةًفِي نسل آل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ
هَل كَانَ فِي الْأَمر شيءٌ غير قسْمَة مَاملكتم بَين حكم السَّبي وَالنَّفْل
وَقد حصلتم عَلَيْهَا وَاسم جدهممحمدٍ وأبيكم غير منتقل
مَرَرْت بِالْقصرِ والأركان خاليةٌمن الْوُفُود وَكَانَ قبْلَة الْقبل
فملت عَنْهَا بوجهي خرف منتقدٍمن الأعادي وَوجه الود لم يمل
أسبلت من أسفٍ دمعي غَدَاة خلترحابكم وغدت مهجورة السبل
أبْكِي على مَا تراءت من مكارمكمحَال الزَّمَان عَلَيْكُم وَهِي لم تحل
دَار الضِّيَافَة كَانَت أنس وافدكموَالْيَوْم أوحش من رسمٍ وَمن طلل
وفطرة الصَّوْم إِن أصغت مكارمكمتَشْكُو من الدَّهْر حيفاً غير مُحْتَمل
وَكِسْوَة النَّاس فِي الْفَصْلَيْنِ قد درستورث مِنْهَا جديدٌ عَنْهُم وبلي
وموسمٌ كَانَ فِي يَوْم الخليج لكميَأْتِي تجملكم فِيهِ على الْجمل
وَأول الْعلم وَالْعِيدَيْنِ كم لكمفِيهِنَّ من وبل وجودٍ لَيْسَ بالوشل
وَالْأَرْض تهتز فِي عيد الغدير كَمَايَهْتَز مَا بَين قصريكم من الأسل
وَالْخَيْل تعرض فِي وشيٍ وَفِي شيةٍمثل العرائس فِي حليٍ وَفِي حلل
وَمَا حملتم قرى الأضياف من سَعَة إِلَى الأطباق إِلَّا على الأكتاف والعجل
وَمَا خصصتم ببرٍّ أهل ملتكمحَتَّى عممتم بِهِ الْأَقْصَى من الْملَل
كَانَت رواتبكم للذمتين وللضيف الْمُقِيم وللطاري من الرُّسُل
)
ثمَّ الطّراز بتنيس الَّذِي عظمتمِنْهُ الصلات لأهل الأَرْض والدول
وللجوامع من أحباسكم نعمٌلمن تصدر فِي علمٍ وَفِي عمل
وَرُبمَا عَادَتْ الدُّنْيَا بمعقلكممِنْكُم وأضحت بكم محلولة الْعقل
وَالله لَا فَازَ يَوْم الْحَشْر مبغضكموَلَا نجا من عَذَاب الله غير ولي
وَلَا سقِِي المَاء من حرٍّ وَمن ظمأٍمن كف خير البرايا خَاتم الرُّسُل
أئمتي وهداتي والذخيرة ليإِذا ارتهنت بِمَا قدمت من عَمَلي
تالله لم أوفهم فِي الْمَدْح حَقهملِأَن فَضلهمْ كالوابل الهطل
وَلَو تضاعفت الْأَقْوَال واستبقتمَا كنت فيهم بِحَمْد الله بالخجل
بَاب النجَاة فهم دنيا وآخرةوحبهم فَهُوَ أصل الدّين وَالْعَمَل
نور الْهدى ومصابيح الدجى ومحل الْغَيْث إِن ونت الأنواء فِي الْمحل
أئمةٌ خلقُوا نورا ونورهمعَن نور خَالص نور الله لم يفل
وَالله لَا زلت عَن حبي لَهُم أبدامَا أخر الله لي فِي مُدَّة الْأَجَل
قلت أَنا شَدِيد التَّعَجُّب من الْفَقِيه عمَارَة وَهُوَ كَانَ من أهل السّنة مَعْرُوفا بذلك فِي أيامهم لم يتشيع وَكَيف رثاهم بِهَذِهِ المرثية خُصُوصا هَذِه الأبيات الْأَخِيرَة وَكَأَنَّهَا ألحقت فِي هَذِه القصيدة أَو عملت على لِسَانه حَتَّى أغري السُّلْطَان صَلَاح الدّين بشنقه على مَا يَأْتِي فِي تَرْجَمته لَكِن القصيدة من نَفسه وَالله أعلم
ابْن عبد الْبر عبد الله بن يُوسُف بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْبر أَبُو مُحَمَّد ابْن الْحَافِظ أبي عمر ابْن عبد الْبر وَسَيَأْتِي ذكر وَالِده أبي عمر فِي مَكَانَهُ كَانَ أَبُو مُحَمَّد من أهل الْأَدَب البارع والبلاغة الرائعة والتقدم فِي الْعلم والذكاء توفّي قبل أَبِيه رَحمَه الله تَعَالَى بعد الْخمسين والأربع مائَة وَدون النَّاس رسائله وشعره وَمِنْه قَوْله من الْكَامِل المرفل
لَا تكثرن تأملاًواحبس عَلَيْك عنان طرفك
فلربما أَرْسلتهُفرماك فِي ميدان حتفك
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع