تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

عُرْوَة

عُرْوَة بن حزَام أحد متيمي الْعَرَب وَمن قَتله الغرام وَمَات عشقاً فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَهُوَ صَاحب عفراء الَّتِي كَانَ يهواها وَكَانَت عفراء ترباً لعروة بنت عَمه يلعبان مَعًا فألف كل مِنْهُمَا صَاحبه وَكَانَ عَمه عقال يَقُول لعروة اُبْشُرْ فَإِن عفراء امْرَأَتك إِن شَاءَ الله فَلم يَزَالَا إِلَى أَن الْتحق عُرْوَة بِالرِّجَالِ وعفراء بِالنسَاء وَكَانَ عُرْوَة قد رَحل إِلَى عَم لَهُ بِالْيمن ليطلب مِنْهُ مَا يمهر بِهِ عفراء لِأَن أمهَا سامته كثيرا فِي مهرهَا فَنزل بالحي رجل ذُو يسَار وَمَال من بني أُميَّة فَرَأى عفراء فَأَعْجَبتهُ فَلم يزل هُوَ وَأمّهَا بأبيها إِلَى أَن زَوجهَا بِهِ فَلَمَّا أهديت إِلَيْهِ قَالَت

يَا عرو إِن الْحَيّ قد نقضواعهد الْإِلَه وحاولوا الغدرا

وارتحل الْأمَوِي بعفراء إِلَى الشَّام وَعمد أَبوهَا إِلَى قبر فجدده وسواه وَسَأَلَ الْحَيّ كتمان أمرهَا ووفد عُرْوَة بعد أَيَّام فنعاها أَبوهَا إِلَيْهِ فَذهب إِلَى ذَلِك الْقَبْر وَمكث مُدَّة يخْتَلف إِلَيْهِ فَأَتَتْهُ جَارِيَة من الْحَيّ فَأَخْبَرته الْقِصَّة فَرَحل إِلَى الشَّام ومقصد الرجل وانتسب لَهُ فِي عدنان فَأكْرمه وَبَقِي أَيَّامًا فَقَالَ لجارية لَهُم هَل لَك فِي يَد تولينها قَالَت وَمَا هِيَ قَالَ هَذَا

الْخَاتم تدفعينه إِلَى مولاتك فَأَبت عَلَيْهِ مرَارًا فعرفها الْخَبَر وَقَالَ إطرحي هَذَا الْخَاتم فِي صبوحها فَإِن أنكرته قولي إِن ضيفنا اصطبح قبلك وَلَعَلَّه وَقع من يَده فَلَمَّا فعلت الْجَارِيَة ذَلِك عرفت عفراء الْخَبَر وَقَالَت لزَوجهَا إِن ضيفك ابْن عمي فَجمع بَينهمَا وَخرج وتركهما وأوقف من يسمع مَا يَقُولَانِ فتشاكيا وتباكيا طَويلا ثمَّ أَتَتْهُ بشراب وَسَأَلته شربه فَقَالَ وَالله مَا دخل جوفي حرَام قطّ وَلَا ارتكبته وَلَو استحللته كنت قد استحللته مِنْك وَأَنت حظي من الدُّنْيَا وَقد ذهبت مني وَذَهَبت مِنْك فَمَا أعيش بعْدك وَقد أجمل هَذَا الرجل الْكَرِيم وَأحسن وَأَنا مستحي مِنْهُ وَلَا أقيم بمكاني بعد علمه وَإِنِّي لأعْلم أَنِّي لأرحل إِلَى منيتي فَبَكَتْ وَبكى وَجَاء زَوجهَا وَأخْبرهُ الْخَادِم بِمَا جرى بَينهمَا فَقَالَ لَهَا يَا عفراء إمنعي ابْن عمك من الْخُرُوج فَقَالَت لَا يمْتَنع فَدَعَاهُ وَقَالَ يَا أخي اتَّقِ الله فِي نَفسك فقد عرفت خبرك وَإِن رحلت تلفت وَالله مَا أمنعك من الِاجْتِمَاع مَعهَا أبدا وَإِن شِئْت فارقتها فجزاه خيرا وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ الطمع فِيهَا آفتي والآن فقد يئست وحملت نَفسِي على الصَّبْر واليأس يسلي ولي أُمُور لَا بُد من الرُّجُوع إِلَيْهَا فَإِن وجدت لي قُوَّة إِلَى ذَلِك وَإِلَّا عدت إِلَيْكُم وزرتكم حَتَّى يقْضِي الله من أَمْرِي مَا يَشَاء فزودوه وأكرموه وأعطته)

عفراء خماراً لَهَا فَلَمَّا رَحل عَنْهُم نكس بعد صَلَاحه وأصابه غشي وخفقان وَكَانَ كلما أُغمي عَلَيْهِ ألقِي عَلَيْهِ كربَة ذَلِك الْخمار فيفيق فَلَقِيَهُ فِي الطَّرِيق ابْن مَكْحُول عراف الْيَمَامَة وَجلسَ عِنْده وَسَأَلَهُ عَمَّا بِهِ وَهل هون خبل أَو جُنُون فَقَالَ لَهُ عُرْوَة أَلَك علم بالأوجاع فَقَالَ نعم فَأَنْشَأَ عُرْوَة يَقُول

أَقُول لعراف الْيَمَامَة داونيفَإنَّك إِن داويتني لطبيب
فواكبدي أمست رفاتاً كَأَنَّمَايلذعها بالموقدات لهيب
عَشِيَّة لَا عفراء مِنْك قريبَةفتسلو وَلَا عفراء مِنْك قريب
فوَاللَّه مَا أتنساك مَا هبت الصِّبَاوَمَا عقبتها فِي الرِّيَاح جنوب
عَشِيَّة لَا خَلْفي مكر وَلَا الْهوىأَمَامِي وَلَا يهوى هواي غَرِيب
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «عشية لا خلفي مكر ولا الهوى»
وَإِنِّي لتغشاني لذكراك فَتْرَةلَهَا بَين جلدي وَالْعِظَام دَبِيب

قَالَ الأخباريون وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى مَاتَ فِي طَرِيقه قبل أَن يصل إِلَى حيه بِثَلَاث لَيَال وَبلغ عفراء خَبره فَجَزِعت جزعاً شَدِيدا وَقَالَت ترثيه

أَلا أَيهَا الركب المخبون وَيحكمأحقاً نعيتم عُرْوَة بن حزَام
للشاعر محمود السيد الدغيم، من قصيدة «واحة عروة وعفراء»
فَلَا تهنأ الفتيان بعْدك لَذَّةوَلَا رجعُوا من غيبَة بِسَلام
للشاعر محمود السيد الدغيم، من قصيدة «واحة عروة وعفراء»
وَقل للحبالى لَا يرجين غَائِباوَلَا فرحات بعده بِغُلَام

وَلم تزل تردد هَذِه الأبيات وتندبه وتبكيه إِلَى أَن مَاتَت بعده بأيام قَلَائِل

وَعَن أبي صَالح قَالَ كنت مَعَ ابْن عَبَّاس بِعَرَفَة فَأَتَاهُ فتيَان يحملون فَتى لم يبْق إِلَّا خياله فَقَالُوا لَهُ يَا ابْن عَم رَسُول الله ﷺ ادْع لنا الله تَعَالَى لَهُ فَقَالَ وَمَا بِهِ فَقَالَ الْفَتى

بِنَا من جوى الأحزان فِي الصَّدْر لوعةتكَاد لَهَا نفس الشفيق تذوب
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «عشية لا خلفي مكر ولا الهوى»
ولكنما أبقى حشاشة معولعلى مَا بِهِ عود هُنَاكَ صَلِيب

قَالَ ثمَّ خَفَقت فِي أَيّدهُم فَإِذا هُوَ قد مَاتَ فَمَا رَأَيْت ابْن عَبَّاس فِي عشيته سَأَلَ الله إِلَّا الْعَافِيَة مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ ذَلِك الْفَتى قَالَ وَسَأَلت عَنهُ فَقيل لي هَذَا عُرْوَة بن حزَام وَمن شعر عُرْوَة بن حزَام

خليلي من عليا هِلَال بن عَامربِصَنْعَاء عوجا الْيَوْم وانتظراني
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «خليلي من عليا هلال بن عامر»

)

وَلَا تزهدا فِي الْأجر عِنْدِي وأجملافإنكما بِي الْيَوْم مبتليان
إلما على عفراء إنَّكُمَا غَدابوشك النَّوَى والبين معترفان
للشاعر محمود السيد الدغيم، من قصيدة «واحة عروة وعفراء»
فيا واشيي عفراء ويحكما بِمنوَمَا وَإِلَى من جئتما تشيان
بِمن لَو أرَاهُ عانياً لفديتهوَمن لَو رَآنِي عانياً لفداني
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا مهديا نفي الحبيب صبيحة»
مَتى تكشفا عني الْقَمِيص تَبينابِي السقم من عفراء يَا فتيَان
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «متى تكشفا عني القميص تبينا»
فقد تَرَكتنِي لَا أعي لمحدثحَدِيثا وَإِن نَاجَيْته وَدَعَانِي
جعلت لعراف الْيَمَامَة حكمهوعراف نجد إِن هما شفياني
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «لعمري إني يوم بصرى وناقتي»
فَمَا تركا من حِيلَة يعلمانهاوَلَا شربة إِلَّا وَقد سقياني
ورشا على وَجْهي من المَاء سَاعَةوقاما مَعَ العواد يبتدران
وَقَالا شفاك الله وَالله مَا لنابِمَا ضمنت مِنْك الضلوع يدان
فويلي على عفراء ويل كَأَنَّهُعلى الصَّدْر والأحشاء حد سِنَان
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «فما لكما من حاديين رميتما»
أحب ابْنة العذري حبا وَإِن نأتودانيت مِنْهَا غير مَا تريان
إِذا رام قلبِي هجرها حَال دونهشفيعان من قلبِي لَهَا جدلان
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «متى تكشفا عني القميص تبينا»
إِذا قلت لَا قَالَا بلَى ثمَّ أصبحاجَمِيعًا على الرَّأْي الَّذِي يريان
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «متى تكشفا عني القميص تبينا»
تحملت من عفراء مَا لَيْسَ لي بِهِوَلَا للجبال الراسيات يدان
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «لعمري إني يوم بصرى وناقتي»
فيا رب أَنْت الْمُسْتَعَان على الَّذِيتحملت من عفراء مُنْذُ زمَان
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «متى تكشفا عني القميص تبينا»
كَأَن قطاة علقت بجناحهاعلى كَبِدِي من شدَّة الخفقان
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «لعمري إني يوم بصرى وناقتي»

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْعين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.