من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن أبي ربيعَة المَخْزُومِي
عمر بن عبد الله بن أبي ربيعَة بن الْمُغيرَة بن عبد الله
بن عمر بن مَخْزُوم بن يقظة بن مُرَّة الْقرشِي المَخْزُومِي الشَّاعِر أَبُو الخطَّاب الْمَشْهُور
كَانَ كثير الْغَزل والنوادر والوقائع والمجون والخلاعة وَله فِي ذَلِك حكاياتٌ مَشْهُورَة مَذْكُورَة فِي كتاب الأغاني لأبي الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ وَغَيره وَكَانَ يتغزَّل فِي شعره بالثُّريَّا ابْنة عَليّ بن عبد الله بن الْحَارِث بن أُميَّة الْأَصْغَر بن عبد شمس بن عبد منَاف الأمويَّة قَالَ السُّهيلي هِيَ الثريا ابْنة عبد الله وَلم يذكر عليًّا ثمَّ قَالَ وقُتَيْلَة ابْنة النَّضر جَدَّتها لأنَّها كَانَت تَحت الْحَارِث بن أُميَّة وَقد تقدَّم ذكر الثريا فِي حرف الثَّاء فِي مَكَانَهُ
وَفد عمر على عبد الْملك بن مَرْوَان وامتدحه فوصله بِمَال عَظِيم لشرفه وبلاغة نظمه قيل إنَّه ولد فِي زمن عمر ﵁ حدَّث عَن سعيد بن المسيَّب وروى الْأَصْمَعِي عَن صَالح بن أسلم قَالَ قَالَ عمر بن أبي ربيعَة إنِّي قد أنشدت من الشّعْر مَا بلغك وربِّ هَذِه البَنِيَّة مَا حللت إزَارِي على فرجٍ حرامٍ قطّ قَالَ ابْن خلِّكان وِلَادَته فِي اللَّيْلَة الَّتِي قُتل فِيهَا عمر ﵁ وَهِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين)
لِلْهِجْرَةِ وغزا فِي الْبَحْر فأحرقوا السَّفِينَة فَاحْتَرَقَ فِي حُدُود سنة ثَلَاث وَتِسْعين لِلْهِجْرَةِ وَقَالَ الشَّيْخ شمس الدّين توفّي فِي حُدُود الْعشْرَة بعد الْمِائَة
وَمن شعره
حَيِّ طيفاً من الأحبَّةِ زارابَعْدَمَا صرَّع الْكرَى السُّمَّارا
طَارِقًا فِي الْمَنَام تَحت دجى الليلِ ضنيناً بِأَن يزور نَهَارا
قلتُ مَا بالنا جُفينا وكنَّاقبل ذَاك الأسماعَ والأبصارا
قَالَ إنَّا كَمَا عهدتَ ولكنْشَغَلَ الحَلْيُ أهلَه أَن يُعارا
وَمِنْه
أَمن آل نُعْمٍ أَنْت غادٍ فمُبْكِرُغداةَ غدٍ أم رائحٌ فمُهَجِّرُ
بحاجة نفسٍ لم تقل فِي جوابهافتُبلغَ عُذراً والمقالَةُ تعذِرُ
تهيمُ إِلَى نُعمٍ فَلَا الشملُ جامعٌوَلَا الحبلُ موصولٌ وَلَا الْقلب يقدرُ
وَلَا قرب نُعمٍ إِن دنتْ لَك نافعٌوَلَا نأيُها يُسلي وَلَا أَنْت تصبرُ
وَأُخْرَى أَتَت من دون نعمٍ ومثلُهانهى ذَا النهى لَو ترعوي أوتفكّرُ
إِذا زرت نعما لم يزل ذُو قرَابَةلَهَا كلَّما لاقيته يتنمر
عزيزٌ عَلَيْهِ أَن يلمَّ ببيتهايُسِرُّ ليَ الشَّحناءَ للبغض مُظهرُ
ألِكْني إِلَيْهَا بِالسَّلَامِ فإنَّهيُشهِّر إلمامي بهَا وينكَّرُ
على أنَّها قَالَت غداةَ لقيتُهابمدفعِ أكنانٍ أَهَذا المُسهَّرُ
قفي فانظري أسماءُ هَل تعرفينهأَهَذا المُغيريُّ الَّذِي كَانَ يُذكرُ
أَهَذا الَّذِي أطريتِ نعتاً فَلم أكنوعيشكِ أنساه لَدَى يومِ أُقبرُ
فَقَالَت نعم لَا شكَّ غيَّر لَونهسُرى الليلِ حتَّى نصَّه والتهجُّرُ
لَئِن كَانَ إيَّاه لقد حَال بعدَناعَن الْعَهْد والإنسانُ قد يتغيَّرُ
رأتْ رجلا أمَّا إِذا الشَّمْس عارضتْفيضحى وأمَّا بالعشيِّ فيحضرُ
أَخا سفرٍ جوَّاب أرضٍ تقاذفتْبِهِ فَلَواتٌ فَهُوَ أشعثُ أغبرُ
قليلٌ على ظهر المطيَّةِ ظلُّهسوى مَا نفى عَنهُ الرداءُ المحبَّرُ
وأعجبَها من عيشها ظلُّ غُرفةٍوريَّانُ ملتفُّ الحدائق أخضرُ
)
ووالٍ كفاها كلَّ شيءٍ يهمُّهافليستْ لشيءٍ آخرَ الليلِ تسهرُ
وَلَيْلَة ذِي دَوْرانَ جشَّمني السُّرىوَقد يَجشمُ الهولَ المحبُّ المغَرَّرُ
فبتُّ رقيباً للرفاق على شفاًأراقبُ مِنْهُم من يطوف وأنظرُ
إِلَيْهِم مَتى يستأخذ النومُ فيهمُولي مجلسٌ لَوْلَا اللُّبانةُ أوعرُ
وباتتْ قَلُوصي بالعراء ورحلُهالطارق ليلٍ أَو لمن جَاءَ مُعْوِرُ
وبتُّ أُناجي النفسَ أَيْن خِباؤهاوأنَّى لما آتِي من الأمرِ مصدرُ
فدلَّ عَلَيْهَا النفسَ ريَّا عرفتُهابِهِ وَهوى الحبِّ الَّذِي كَانَ يُضمرُ
فلمَّا فقدتُ الصوتَ مِنْهُم وأُطفئتْمصابيحُ شُبَّتْ بالعِشاءِ وأَنوُرُ
وَغَابَ قُمَيْرٌ كنتُ أَرْجُو غيوبَهوروَّح رعيانٌ ونوَّمَ سُمَّرُ
وخُفِّضَ عنِّي الصوتُ أقبلتُ مِشيةَ الحُبابِ ورُكني خيفةَ القومِ أَزْوَرُ
فحيَّيتُ إذْ فاجأتُها فتوهَّلتْوكادتْ بمرجوعِ التحيَّةِ تَجهرُ
فلمَّا كشفتُ السترَ قَالَت فضحتَنيوأنتَ امرؤٌ ميسورُ أَمرك أعسرُ
أريتك إذْ هُنَّا ألم تخفْرقيباً وحولي من عدوِّكَ حُضَّرُ
فوَاللَّه مَا أَدْرِي أتعجيل حاجةٍسرتْ بك أم قد نَام من كنتَ تحذرُ
فقلتُ لَهَا بل قادني الشوق والهوىإِلَيْك وَمَا نفسٌ من النَّاس تشعرُ
فقالتْ وَقد لانتْ وأَفرَخَ روعُهاكَلاكَ بحفظٍ ربُّك المتكبِّرُ
فَأَنت أَبَا الخطَّابِ غيرَ مُنازعٍعليَّ أميرٌ مَا مكنتَ مُؤمَّرُ
فيا لَك من ليلٍ تقاصرَ دونهوَمَا كَانَ ليلِي قبل ذَلِك يَقصرُ
وَيَا لَك من ملهًى هُنَاكَ ومجلسٍلنا لم يكدِّرهُ علينا مُكدِّرُ
يمُجُّ ذكيَّ المسكِ مِنْهَا مُفَلَّجٌنقيَّ الثنايا ذُو غروبٍ مؤشَّرُ
يرفُّ إِذا تفترُّ عَنهُ كأَنَّهحَصى بَرَدٍ أَو أُقحوانٌ منوِّرُ
وترنو بعينيها إليَّ كَمَا رناإِلَى ظبيةٍ وسطَ الخميلةِ جؤذَرُ
فلمَّا تقضَّى الليلُ إلَاّ أقلَّهوكادت هوادي نجمه تتغوَّرُ
أشارتْ بأنَّ الحيَّ قد حَان منهمُهبوبٌ ولكنْ موعدٌ لَك عَزْوَرُ
فَمَا راعني إلَاّ منادٍ تحمَّلواوَقد لَاحَ معروفٌ من الصبحِ أشقرُ
)
فلمَّا رأتْ من قد تنوَّرَ منهمُوأيقاظَهم قَالَت أشِرْ كَيفَ تأمُرُ
فَقلت أُناديهم فإمَّا أفوتُهموإمَّا ينالُ السيفُ ثأراً فيثأرُ
فقالتْ أتحقيقٌ لما قَالَ كاشحٌعلينا وتصديقٌ لما كَانَ يُؤثرُ
فإنْ كَانَ لَا بدَّ مِنْهُ فَغَيرهمن الأمرِ أدنى للخفاءِ وأسترُ
أقصُّ على أختيَّ بَدْء حديثناوَمَا ليَ من أَن يعلمَا متأخَّرُ
لعلَّهما أَن يبغيا لَك مخرجاوَأَن يَرْحبا سرباً بِمَا كنتُ أحصَرُ
فقامتْ كئيباً لَيْسَ فِي وَجههَا دمٌمن الْحزن تُذري عِبْرَة تتحدَّرُ
فَقَالَت لأختيها أَعينا على فَتىأَتَى زَائِرًا والأمرُ للأمرِ يُقْدَرُ
فأقبلتا فارتاعتا ثمَّ قَالَتَاأقلِّي عَلَيْك اللوم فالخطب أيسرُ
يقوم فَيَمْشِي بَيْننَا متنكِّراًفَلَا سرُّنا يفشو وَلَا هُوَ يظهرُ
وَكَانَ مِجَنّي دون من كنت أتَّقيثلاثُ شخوصٍ كاعبان ومُعْصِرُ
فلمَّا أجزنا ساحةَ الحيِّ قُلنَ ليأَلا تتَّقي الأعداءَ والليلُ مقمرُ
وقلن أَهَذا دأبكَ الدهرَ سادِراًأما تَسْتَحي أَو ترعوي أَو تفكِّرُ
إِذا جئتَ فامنحْ طرفَ عينكَ غيرَنالكَي يحسبوا أَن الهَوَى حَيْثُ تنظرُ
على أنِّني قد قلتُ يَا نعمُ قولةًلنا والعِتاقُ الأرْحَبِيَّةُ تزجَرُ
هَنِيئًا لبعلِ العامريَّةِ نشرُها اللذيذُ وريَّاها الَّذِي أتذكَّرُ
وقمتُ إِلَى حرفٍ تحوَّر نيَّهاسُرى الليلِ حتَّى لحمُها مُتحسِّرُ
وحبسي على الْحَاجَات حتَّى كأَنَّمابليَّةُ لوحٍ أَو سِحارٌ مُؤبَّرُ
وماءٍ بمَوماةٍ قليلٌ أنيسهُبسابسَ لم يحدُثْ بهَا الصيفَ محضَرُ
بِهِ مُبتنًى للعنكبوتِ كأنَّهعلى طرفِ الأرجاءِ خامٌ منشَّرُ
وردتُ وَمَا أَدْرِي أما بعدَ مورديمن الليلِ أم مَا قد مضى مِنْهُ أكثرُ
وطافتْ بِهِ معلاة أرضٍ تخالهاإِذا التفتتْ مَجْنُونَة حِين تنظرُ
يُنازعني حرصاً على الماءِ رأسُهاوَمن دون مَا تهوى قَليبٌ مُغَوَّرُ
محاوِلةً للوِردِ لَوْلَا زمامهاوجذبي لَهَا كادتْ مرَارًا تكسَّرُ
فلمَّا رأيتُ الصبرَ منِّي وأنَّنيببلدةِ قفرٍ لَيْسَ فِيهَا معصَّرُ
)
قصرتُ لَهَا من جانبِ الحوضِ مُنشأٌصَغِيرا كقيد الشبرِ أَو هُوَ أصغرُ
إِذا شرعتْ فِيهِ فَلَيْسَ لملتقىمشافرها مِنْهُ قِدَى الكفِّ مُسْأرُ
وَلَا دَلْوَ إلَاّ القعبُ كَانَ رشاءهُإِلَى المَاء نسعٌ والجديلُ المُضَفَّرُ
فسافَتْ وَمَا عافتْ وَمَا صدَّ شربَهاعَن الريِّ مطروقٌ من الماءِ أكدرُ
وَمِنْه
بنفسيَ من شفَّني حبُّهُوَمن حُبُّهُ باطنٌ طاهرُ
وَمن لستُ أصبرُ عَن ذكرهوَلَا هُوَ عَن ذِكرنا صابرُ
وَمَا إنْ ذُكرنا جرى دمعهُودمعي لَدَى ذكره مائرُ
ومَن أعرف الودَّ فِي وجههِوَيعرف وُدِّي لَهُ الناظرُ
وَقَالَ فِي نُعْمٍ من أَبْيَات
فلمَّا الْتَقَيْنَا سلَّمتْ وتبسَّمتْوقالتْ مقالَ المُعرضِ المتجنِّبِ
أَمن أجلِ واشٍ كاشحٍ بنميمةٍمَشى بَيْننَا صدَّقتهُ لم تكذب
قطعتَ وصالَ الحبلِ مِنْهَا وَمن يُطعْبِذِي ودِّهِ قولَ المحرِّش يُعتبِ
فَبَاتَ وِسادي معصمٌ من مخضَّبٍحديثةِ عهدٍ لم تُكدَّر بمشربِ
إِذا ملتُ مالتْ كالكثيب رخيمةًمنعَّمةً حُسَّانةَ المتجَلبَبِ
قيل إنَّ عمر بلغه يَوْمًا أنَّ نعما اغْتَسَلت فِي غَدِير مَاء فَنزل عَلَيْهِ فَلم يزل يشرب مِنْهُ حتَّى نضب قيل مَا دخل على الْعَوَاتِق أضرُّ من شعر عمر وَكَاد حمَّاد الراوية يُسمِّي شعره الفستقَ المقشَّر وَسمع الفرزدق شَيْئا من شعره فَقَالَ هَذَا الَّذِي كَانَت الشُّعَرَاء تطلبه فأخطأتْه
ويل إنَّه عَاشَ ثَمَانِينَ سنة فتكَ أَرْبَعِينَ سنة ونسكَ أَرْبَعِينَ سنة وَمن شعره
جرى ناصحٌ بالودِّ بيني وَبَينهَافقرَّبني يَوْم الحِصاب إِلَى قَتْلِي
فطارتْ بحدٍّ من سهامي وقرَّبتْقريبتُها حبلَ الصفاءِ إِلَى حبلي
فلمَّا توافقنا عرفتُ الَّذِي بهَاكَمثل الَّذِي بِي حذوَك النعلَ بالنعلِ
فقلنَ لَهَا هَذَا عِشاءٌ وأهلُناقريبٌ ألمَّا تسأمي مركَبَ البغلِ
فَقَالَت فَمَا شئتنَّ قُلْنَ لَهَا انزليفلَلأرضُ خيرٌ من وقوفٍ على رجلِ
)
نجومٌ دراريٌّ تكنَّفنَ صُورَةمن البدرِ قُبٌّ غيرُ عُوجٍ وَلَا ثُجْلِ
فسلَّمتُ واستأنستُ خِيفةَ أَن يرىعدوٌّ مقَامي أَو يرى كاشحٌ فعلي
فقالتْ وأرختْ جانبَ السِّترِ إنَّمامعي فتكلَّمْ غيرَ ذِي رِقْبَةٍ أَهلِي
فقلتُ لَهَا مَا بِي لَهُم من ترقُّبٍولكنَّ سرِّي لَيْسَ يحملهُ مثلي
فلمَّا اقتصرْنا دونهنَّ حديثَناوهنَّ طبيباتٌ بحاجة ذِي الثُّكلِ
عرفنَ الَّذِي نهوى فَقُلْنَ ائذَني لنانَطُفْ سَاعَة فِي بَرْدِ ليلٍ وَفِي سهلِ
فَقَالَت فَلَا تلبثنَ قُلْنَ تحدَّثيأتيناكِ وانَسَبْنَ انسيابَ مها الرملِ
وقُمنَ وَقد أفهمنَ ذَا اللبِّ أنَّماأتينَ الَّذِي يأتينَ ذَلِك من أَجلي
وَمِنْه
ولمَّا توافقنا وسلَّمتُ أشرقتْوجوهٌ زهاها الحسنُ أنْ تتقنَّعا
تبالَهْنَ بالعِرْفان لمَّا عرفْنَنيوقلنَ امرؤٌ باغٍ أَكَلَّ وأَوضعا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع