تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

وَزِير بَغْدَاد

الْفضل بن الرّبيع بن يُونُس بن مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي فَرْوَة كيسَان مولى عُثْمَان بن عفَّان ﵁ هُوَ أَبُو الْعَبَّاس تقدم ذكر أَبِيه فِي حرف الرَّاء لما آل الْأَمر إِلَى هَارُون الرشيد واستوزر البرامكة كَانَ الْفضل يتشبه بهم ويعارضهم وَلم يكن لَهُ من الْقُدْرَة مَا يدْرك اللحاق بهم فَكَانَ فِي نَفسه مِنْهُم إحنٌ وشحناء

قَالَ عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب إِذا أَرَادَ الله إهلاك قوم وَزَوَال نعمتهم جعل لذَلِك أسباباً فَمن زَوَال ملك البرامكة تقصيرهم بِالْفَضْلِ با الرّبيع وسعي الْفضل بهم وَتمكن بالمجالسة من الرشيد فأوغر قلبه عَلَيْهِم ومالأه على ذَلِك كاتبهم إِسْمَاعِيل بن صبيح حَتَّى كَانَ مَا كَانَ

ويحكى أَن الْفضل دخل يَوْمًا على يحيى بن خَالِد وَقد جلس لقَضَاء حوائج النَّاس وَولده جَعْفَر بَين يَدَيْهِ يُوقع على الْقَصَص فَعرض الْفضل عَلَيْهِ عشر رقاع للنَّاس فتعلل يحيى فِي كل رقْعَة بعلة وَلم يُوقع على شَيْء مكنها فَجمع الْفضل الرّقاع وَقَالَ ارْجِعْنَ خائبات

خاسئات وَخرج يَقُول

عَسى وَعَسَى يثني الزَّمَان عنانهبتصريف حالٍ وَالزَّمَان عثور
فتقضى لباناتٌ وتشفى حسائفوَيحدث من بعد الْأُمُور أُمُور

فَسَمعهُ يحيى ينشد ذَلِك فَقَالَ لَهُ عزمت عَلَيْك يَا أَبَا الْعَبَّاس إِلَّا رجعت فَرجع فَوَقع لَهُ فِي جَمِيع الْقَصَص ثمَّ مَا كَانَ إِلَّا قَلِيل حَتَّى نكبوا على يَده وَولي بعدهمْ وزارة الرشيد

وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو نواس وَقيل أَبُو حرزة

مَا رعى الدَّهْر آل برمك لماأَن رمى ملكهم بأمرٍ فظيع
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «ما رعى الدهر آل برمك حقا»
إِن دهراً لم يرع عهدا ليحيىغير راعٍ ذمام آل الرّبيع

وَفِي تَرْجَمَة مَنْصُور النمري الشَّاعِر للفضل ذكر حسن ومديح يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي مَوْضِعه)

وتنازع جَعْفَر يَوْمًا هُوَ وَالْفضل بن الرّبيع بِحَضْرَة الرشيد فَقَالَ جَعْفَر للفضل يَا لَقِيط إِشَارَة إِلَى مَا كَانَ يُقَال عَن أَبِيه الرّبيع لِأَنَّهُ كَانَ لَا يعرف أَبوهُ فَقَالَ الْفضل اشْهَدْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنت حَاكم الحكامومات الرشيد وَالْفضل مُسْتَمر على وزارته وَكَانَ فِي صُحْبَة الرشيد فقرر الْأَمر للأمين وَلم يعرج على الْمَأْمُون وَهُوَ بخراسان وَلَا الْتفت إِلَيْهِ فعزم الْمَأْمُون على أَن يُجهز إِلَيْهِ عسكراً يعترضونه فِي طَرِيقه لما انْفَصل عَن طوس فَأَشَارَ على الْمَأْمُون الْفضل بن سهل أَن لَا يتَعَرَّض لَهُ

وزين الْفضل بن الرّبيع للأمين خلع الْمَأْمُون وَيجْعَل ولَايَة الْعَهْد لمُوسَى بن الْأمين

وَلما قويت شَوْكَة الْمَأْمُون استتر الْفضل فِي شهر رَجَب سنة سِتّ وَتِسْعين ثمَّ ظهر وَلما ولي إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي الْخلَافَة بِبَغْدَاد اتَّصل بِهِ الْفضل بن الرّبيع فَلَمَّا اختلت حَال إِبْرَاهِيم استتر الْفضل ثَانِيًا وَشرح ذَلِك يطول

ثمَّ إِن طَاهِر بن الْحُسَيْن سَأَلَ الْمَأْمُون الرضى عَن الْفضل وَأدْخلهُ عَلَيْهِ وَلم يزل بطالاً إِلَى أَن مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وعمره ثَمَان وَسِتُّونَ سنة

وَكتب إِلَيْهِ أَبُو نواس يعزيه بالرشيد ويهنئه بِولَايَة الْأمين

تعزّ أَبَا الْعَبَّاس عَن خير هالكٍبأكرم حَيّ كَانَ أَو هُوَ كَائِن
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «تعز أبا العباس عن خير هالك»
حوادث أيامٍ تَدور صروفهالَهُنَّ مساوٍ مرّة ومحاسن
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «تعز أبا العباس عن خير هالك»
وفى الْحَيّ بِالْمَيتِ الَّذِي غيب الثرىفَلَا أَنْت مغبونٌ وَلَا الْمَوْت غابن
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «تعز أبا العباس عن خير هالك»

وَفِيه قَول أبي نواس الْمَشْهُور

وَلَيْسَ لله بمستنكرٍأَن يجمع الْعَالم فِي وَاحِد

وتحيز الْفضل بن الرّبيع بعد موت الرشيد إِلَى مُحَمَّد الْأمين ووزر لَهُ وَكَانَ مَعَ الرشيد بطوس لما مَاتَ فساق الْعَسْكَر وَالْأَمْوَال إِلَى الْأمين وَلم يعرج على الْمَأْمُون وَحسن للأمين خلع الْمَأْمُون وساعده بكر بن الْمُعْتَمِر فَقَالَ يُوسُف بن مُحَمَّد الْحَرْبِيّ شَاعِر طَاهِر بن الْحُسَيْن

أضاع الْخلَافَة رَأْي الْوَزيروحمق الْأَمِير وَجَهل الْوَزير
فبكرٌ مشيرٌ وفضلٌ وزيرٌيُريدَان مَا فِيهِ حتف الْأَمِير
فَمَا كَانَ إِلَّا طَرِيقا غرُورًاوَشر المسالك طرق الْغرُور

)

فيا رب فاقبضهم عَاجلاإِلَيْك وخلدهم فِي السعير
وَنكل بفضلٍ وأشياعهوصلبهم حول هذي الجسور
للشاعر علي بن أبي طالب الأعمى، اقرأ القصيدة

وَمِنْهَا

وَمن يُؤثر الْفسق يخل بِهِوتنفر عَنهُ بَنَات الضَّمِير
لواط الْخَلِيفَة أعجوبةٌوأعجب مِنْهُ بغاء الْوَزير
فَهَذَا ينيك وَهَذَا يناككَذَلِك لعمري اخْتِلَاف الْأُمُور
فَلَو يستعفان هَذَا بذالكانا بعرضة أمرٍ ستير
وَلَكِن ذَا لج فِي كوثرٍوَلم تشف هَذَا أيور الْحمير

وَلما رأى الْفضل بن الرّبيع قُوَّة الْمَأْمُون واتصال ضعف الْأمين وتخليطه وانفلال النَّاس عَنهُ وتمزق الْأَمْوَال الَّتِي كَانَت فِي يَده استتر فِي شهر رَجَب سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْفَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.