من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو عَامر الْجِرْجَانِيّ
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن أبو عامر الجرجاني؟
الْفضل بن إِسْمَاعِيل التَّمِيمِي أَبُو عَامر الْجِرْجَانِيّ كَانَ أديباً أريباً فَاضلا مليح الْخط صَحِيح الضَّبْط حسن التَّأْلِيف لَهُ نظم ونثر
لَهُ كتاب الْبَيَان فِي عُلُوم الْقُرْآن وَكتاب عروق الذَّهَب فِي أشعار الْعَرَب وَكتاب سلوة الغرباء وقلائد الشّرف فِي الشّعْر وَغير ذَلِك
سمع من أبي سعد ابْن رامش وَأبي نصر ابْن رامش الْمُقْرِئ وَأبي بكر أَحْمد بن عَليّ بن خلف الشِّيرَازِيّ
كَانَ مَوْجُودا فِي حَيَاة الْحَافِظ عبد الغافر وَذكره الباخرزي فِي الدمية
وَمن شعره فِي هرة
إِن لي هرة خضبت شواهادون أَوْلَاد منزلي بالرقون
ثمَّ قلدتها لخوفي عَلَيْهَاودعاتٍ ترد شَرّ الْعُيُون
كل يومٍ أعولها قبل أَهلِيبزلالٍ صافٍ وَلحم سمين
وَهِي تلعابةٌ إِذا مَا رأتنيعَابس الْوَجْه وارم الْعرنِين
)
فتغني طوراً وترقص طوراًوتلهى بِكُل مَا يلهيني
لَا أُرِيد الصلاء إِن ضاجعتنيعِنْد برد الشتَاء فِي كانون
وَإِذا مَا حككتها لحستنيبلسانٍ كالمبرد الْمسنون
وَإِذا مَا جفوتها استعطفتنيبأنينٍ من صَوتهَا ورنين
وَإِذا مَا وترتها كشفت ليعَن حرابٍ لَيست مَتَاع الْعُيُون
أَمْلَح الْخلق حِين تلعب بالفار فتلقيه فِي الْعَذَاب المهين
وَإِذا مَاتَ حسه أنشرتهبشمالٍ مكرومةٍ أَو يَمِين
وتصاديه بالغفول فَإِن رام انحجاراً علته كالشاهين
وَإِذا مَا رجا السَّلامَة مِنْهَاعاجلته ببطشة التنين
وكذاك الأقدار تفترس الْمَرْء وتغتاله بِقطع الوتين
بَيْنَمَا كَانَ فِي نشاطٍ وأنسٍإِذا سقَاهُ ساقٍ بكاس الْمنون
وَمن شعره وَكَانَ غواصاً على الْمعَانِي
علقتها بَيْضَاء ظامئة الحشاتسبي الْقُلُوب بحسنها وبطيبها
مثل الشقائق فِي احمرار خدودهاللناظرين وَفِي اسوداد قلوبها
وَقد يَسْتَقِيم الْمَرْء فِيمَا ينوبهكَمَا يَسْتَقِيم الْعود فِي عَرك أُذُنه
ويرجح من فضل الْكَلَام إِذا مَشىكَمَا يرجح الْمِيزَان من فضل وَزنه
وَمِنْه
إِنِّي بليت بشادنٍبلواه عِنْدِي تسْتَحب
فَإِذا بلوت طباعهفالماء يشرب وَهُوَ عذب
وَإِذا نضوت ثِيَابهفاللوز يقشر وَهُوَ رطب
وقصار وصفي أَنهفِيمَا أحب كَمَا أحب
ومه
أَصبَحت مثل عطاردٍ فِي طبعهإِذْ صرت مثل الشَّمْس فِي الْإِشْرَاق
فلذاك مَا أَلْقَاك يَوْمًا وَاحِدًاإِلَّا قضيت عَليّ بالإحراق
وَمِنْه)
قد ضَاقَ صَدْرِي من صُدُور زَمَاننَافهم جماع الشَّرّ بِالْإِجْمَاع
يتضارطون فَإِن شَكَوْت ضراطهمشفعوا سَماع الضرط بالإسماع
هَذَا يفرقع بالضراط وذاكميَرْمِي بِمثل حِجَارَة المقلاع
وَمن البلية أَن تعاشر معشراًيتضارطون الدَّهْر بالإيقاع
وَمِنْه
ونائمٍ عَن سهري قَالَ ليوَقد طواني حبه طيا
أَأَنْت حيٌّ بعد قلت انتبهفالميت فِي النّوم يرى حَيا
وَمن شعره قَوْله
عذيري من شادنٍ لأغضبوهفَجرد لي مرهفا باتكا
وَقَالَ أَنا لَك يَا ابْن الْوَكِيلوَهل لي رجاءٌ سوى ذلكا
وَقد أوردتهما فِي تَرْجَمَة صدر الدّين مُحَمَّد بن عمر وتكلمت عَلَيْهِمَا
وَمن شعر أبي عَامر الْجِرْجَانِيّ عود لسَانك أَن يلين على الخطابة وَالْخطاب وتعهد الْفِكر الْحَدِيد بصرفه فِي كل بَاب فتآكل السَّيْف الصَّقِيل بطولٍ مكثٍ فِي القراب وَمِنْه لَا تنكرن حق الأديب لِأَن ترعى من ثِيَابه فالسيف أهيب مَا يكون إِذا تجرد من قرَابه وَمِنْه
مَا فِي زَمَانك وَاحِدلَو قد تَأَمَّلت الشواهد
فاشهد بِصدق مَقَالَتيأَو لَا فَكَذبنِي بِوَاحِد
قلت هُوَ مثل قَول ابْن حسول
قد مَاتَ فِي دَهْرنَا الْكِرَام وَمنيعرف قدر الثَّنَاء والمدح
وَإِن شَكَكْتُمْ فِي الَّذِي قلتهفكذبوني بواحدٍ سمح
وَمن شعر أبي عَامر الْجِرْجَانِيّ)
تختم فِي الْيَسَار فلست تلقىطراز الْكمّ إِلَّا فِي الْيَسَار
وَمَا نَقَصُوا الْيَمين بِهِ وَلَكِنلِبَاس الزين أولى بالصغار
كَذَاك ترى الأباهم عاطلاتٍوَهن على الأكف من الْكِبَار
ومه
إِنِّي بليت بحاجبٍ حجب الورىبمطاله عَن نيله الْمَطْلُوب
أَبَت الملاحة أَن تفتح عينهإِلَّا بِقدر تَبَسم المكروب
وَمِنْه
استرزق الله فالأرزاق فِي يَدهوَلَا تمد إِلَى غير الْإِلَه يدا
وحاذر الدَّهْر أَن يلقاك مُنْفَردافمهرك النَّرْد مَأْخُوذ إِذا انفردا
وَمِنْه
يَا رب كوماء خضبت نحرهابمدية مثل الْقَضَاء السَّابِق
كَأَنَّهَا وَالدَّم جاشٍ حولهَاسوسنةٌ زرقاء فِي الشقائق
قلت ذكرت هُنَا قولي أَنا
وسيوفٍ إِذا بَدَت فِي جراحٍقلت هَذَا بنفسجٌ فِي شَقِيق
ينشد الْجِسْم روحه من ظباهاودماه بَين النقا والعقيق
وَمن شعر أبي عَامر الْجِرْجَانِيّ
ادرع الصَّبْر وَكن آخِذابالرفق والإشفاق وَالْخَوْف
وَلَا تكن أعجل من فيشةٍعنانها أطلق فِي الْجوف
وَمِنْه
أوجعت قَلْبك إِذْ أهديت لي مائَةفَالله يجْزِيك عني يَا أَبَا الْفرج
الضرط فِي ذقنك المنتوف شَاربهوالأير فِي است أمك المنهوكة الشرج
وَمِنْه
يَا ذَا الَّذِي ضاف أَبَا مجدفَبَاتَ فِي جوعٍ وَفِي جهد
تغد فِي الْبَيْت إِذا ضفتهفخبزه فِي ربعَة الند
وَمِنْه وَقد قيل لَهُ إِن غلامك يهرب على فرس لَك)
أتهرب مَعَ فرسي يَا خَبِيثأراحني الله من شركا
وَلست أَظُنك تقوى عَلَيْهِوَإِن أَنْت دققت فِي فكركا
فَإِن مقيلي على ظَهرهوَإِن مبيتي على ظهركا
وَمِنْه يهجو خَطِيبًا
أما تسحي ويك من منظركوَمن سوء مَا شاع من مخبرك
وتزعم أَنَّك أَنْت الْخَطِيبفَلم يخطبون على منبرك
وَقَالَ عبد القاهر الْجِرْجَانِيّ يصف أَبَا عَامر الْجِرْجَانِيّ الْمَذْكُور
مَا أَبُو عامرٍ سوى اللطف شَيْءإِنَّه جملةٌ كَمَا هُوَ روح
كل مَا لَا يلوح من سر معنىعِنْد تفكيره فَلَيْسَ يلوح
وَقَالَ أَبُو الْفرج ابْن هندو أَيْضا
هَذَا سروري بِأبي عامرٍمغرقي فِي لجه الغامر
فَتى إِذا جاراه فِي مفخرٍمساجل خاطر بالخاطر
النثر جسم وَهُوَ روحٌ لَهُوَالنّظم عينٌ وَهُوَ كالناظر
وَمن شعر أبي عَامر الْجِرْجَانِيّ يهدجو أهل نيسابور
أرى أهل نيسابور كالمعدن الَّذِيينَال الجدى مِنْهُ بِحَفر المعاول
إِذا فزعوا كَانُوا بغاثاً مسفةًوَإِن أمنُوا طاروا بريش الأجادل
وَمِنْه
أَقُول لَهُ لما تلبس خلعةًتحشرج فِيهَا من أولي الْعلم عَالم
رَأَيْتُك مثل النعش لم ير لابساًلخلعته إِلَّا وَفِي الْحَيّ مأتم
ومه
خُذُوا صفة الزَّمَان عني فَإِن ليلِسَانا عَن الْأَوْصَاف غير قصير
حقاقٌ كأمثال الكرات تَضَمَّنتفصوص بلخشٍ فِي غشاء حَرِير
وَمِنْه
يَا نرجساً لم تعد قامتهسهم الزمرد حِين ينتسب
فرصافه عظمٌ وقذتهقطع اللجين وفوقه ذهب
)
وَمِنْه
وسهمٍ من الميناء فضَض رَأسهبقدرة باريه وَذهب فَوْقه
يغايظ أحداق الغواني وَإِنَّهَاتراجع إِن قيست بِهِ ويوفق هُوَ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع