من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن بُصاقة الْحَنَفِيّ
نصر الله بن هِبة الله بن أبي مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي فَخر الْقُضَاة أَبُو الْفَتْح بن بصاقة الغِفاري الْمصْرِيّ الْحَنَفِيّ الناصري الْكَاتِب شاعرٌ كاتبٌ ماهرٌ كَانَ خصيصاً بالمعظّم عِيسَى ثمَّ بِابْنِهِ النَّاصِر دَاوُد توجه مَعَه إِلَى بَغْدَاد وُلد بقوص سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي سنة خمسين وسِتمِائَة بِدِمَشْق وَقد تقدم فِي تَرْجَمَة النَّاصِر دَاوُد مَا كتبه على أَبْيَات النَّاصِر الجيمية وَمن شعره فِي المحفة المحمولة على البغال
وحاملةٍ محمولةٍ غير أَنَّهَاإِذا حملَت ألقَت سَرِيعا جنينَها
وَأكْثر مَا تحويه يَوْمًا وَلَيْلَةوتَضجر مِنْهُ أَن يَدُوم قريَنَها
)
منَعَّمة لم ترضَ خدمَة نفسِهافغلمانها من حولهَا يخدمونها
لَهَا جسدٌ مَا بَين روحين يَغتديفلولاهما كَانَ الترهّب دينَها
وَقد شبِّهت بالعرش فِي أَن تحتهَاثَمَانِيَة من فوقِهم يحملونها
وَقَالَ أَيْضا فِي الْبَيْضَة
ومولودة لَا رُوحَ فِيهَا وَإِنَّهَالتقبل نَفخ الرّوح بعد ولادها
وتسمو على الأقران فِي حومة الوغىوَلَكِن سُمُوٍّا لم يكن بمرادها
إِذا جُمعت فالنقصُ يَعرُو حروفَهاوَلكنهَا تزداد عِنْد انفرادها
وَقَالَ فِي السَّيْف
وأبيض وضَاح الجبين صَحِبتُهفأحسَنَ حَتَّى مَا أقومُ بشكره
إِذا خذلتني أسرتي وتقاعدتْأخِلايَ عَن نصرِي حَباني بنصره
يواصلني فِي شِدّتي مِنْهُ قاطعٌيخفّف عنّي فِي رجائي بهجره
شَدَدت يَدي مِنْهُ على قائمٍ بِمَاأكلِّفه يلقى الأعادي بصدره
صَبور على الشكوَى فَلَو دُستُ خدَّهعلى رِقَّةٍ فِيهِ وثقتُ بصبره
إِذا نابني خطبٌ جليل ندّبتُهفيهتزّ مِنْهُ مستقلٌ بأَمْره
يخِفُّ غداةَ الرَوع مهما نَهرتُهفيغرَق فِي بَحر العجاج بنهره
ويمضي إِذا أرسلتُه فِي مُهِمةفَمَا يتلقَّاني مُقيما لعُذره
غَدا فاخِراً بَين الْأَنَام بحدّهوَرَاح أبِياً عَن أَبِيه بفخره
فغُص خَلفه إِن كنتُ تُؤثِر كشفَهوَلَا تدّعي التَّقْصِير عَن طول بحره
فها أَنا عَنهُ قد كشفت لأننيحَلَفت لَهُ أَن لَا أبوحَ بسرّه
وَقَالَ فِي الرُّمح
ولي صاحبٌ قد كمل اللهُ خَلقَهوَلَيْسَ بِهِ نقصٌ يعاب فيُذكرُ
عَصِيٌَ ثقيلٌ إِن أُطيلَ عِنانُهمطيعٌ خفيفُ الكَلّ حِين يقصَّر
يسابقني يومَ النزال إِلَى العِدَىفَإِن لم أؤخِّره فَمَا يتَأَخَّر
ويؤمنُ مِنْهُ الشَّرُّ مَا دَامَ قَائِماوَلَكِن إِذا مَا نَام يُخشَى ويُحذَر
أنالُ بِهِ فِي الرَوع مهما اعتقلتُهمَراماً إِذا أطلقتُه يتعذَّر
)
تعدَّى على أعدائه متنصلاإِلَيْهِم وَمَا أبدى اعتذاراً فيُعذَر
ترى مِنْهُ أُمِّيا إِلَى الْخط ينتميومُغرَى بِغَزوِ الرّوم وَهُوَ مدوَّر
وَمن طاعنٍ فِي السِّنّ لَيْسَ بمنحَنٍوَمن أرعنٍ مذ عَاشَ وَهُوَ موقَّر
ففكِّر إِذا مَا رُمتَ إفشاء سِرهفها أَنا قد أظهرتُه وَهُوَ مُضمَر
وَقَالَ فِي الْخَيْمَة
ومنصوبة مرفوعةٍ قد نصبتُهاوَلكنه رَفعٌ يؤول إِلَى خَفضِ
تُعيِن على حَرّ الزَّمَان وبردهبِلَا حسبٍ زاكٍ وَلَا كرَمٍ مَحض
وتُصبِح للَاّجي إِلَيْهَا وقايةًلبَعض الْأَذَى الطاري على الْجِسْم لَا العِرض
تقوم على رجلَيْنِ طوراً وَتارَةتقوم على رجل بِلَا عَرَجٍ مُنضِ
إِذا حضرت كَانَت عقيلةَ خِدرِهاوَإِن تبدُلم تلزَم مَكَانا من الأَرْض
قصدتُ كَرِيمًا خِيمهُ لِيُبينَهاوقَصدُ الْكَرِيم الخِيم من جملَة الفَرض
يَا رَافع لِوَاء الأدباء ودافع لأواء الغرباء هَذَا اللغز ممهَّدٌ موطَّأٌ مكشوفٌ لَا مغطَّى وَقد سطَّر مُفردا ومجموعاً وذُكِرَ مَقِِيساً وَمَرْفُوعًا إِلَّا أَنه قد استخفى وَهُوَ مُظهَرٌ واستتر وَهُوَ مُجهَر
وتعامى وَهُوَ بَصِير وتَطاول وَهُوَ قصيرٌ وتَصامَم وَهُوَ سميع وتعاصَى وَهُوَ مُطِيع ومِثل مولايَ من عرف وكَره وَلم يعْمل فِيهِ فكرَه والأمرُ لَهُ أَعلَى أمره وَأطَال للأولياء عُمره وَقَالَ فِي جَمِيع السِواك
أيا سيّداً مَا رام جَدواه طالبٌفَعَاد وَلم يظفَر بأقصَى مَطالِبه
أبِن لي عَن الْجمع الَّذِي إِن ذكرتَهتخاطِب من خاطبتَه بمَعايِبه
وَكتب إِلَى ركن الدّين قرطاي بِبَغْدَاد وَهُوَ سَاكن عِنْد نهر عِيسَى
أمولايَ إِنِّي مذ رأيتُك سَاكِناعلى نهر عِيسَى لم أزل دَائِم الفِكرِ
لِأَنَّك بحرٌ بالمكارم زَاخرٌوَمن عَجَبٍ أَن يسكنَ البحرُ فِي النَّهر
وَقَالَ
ومليحٍ جاءَنا يشطَح فِي صدرِ نهارِوَهُوَ فِي مبدأ شكرٍ وعقابيل خُمار
فسقيناهُ إِلَى أَن أظلم اللَّيْل لسارِثمَّ لما نَام قمنا وركِبنا فِي عُشاري
وجذبنا فِي لبانٍ ودفعنا بمداريفصَبحناه بِكاسٍ وغَبقناه بِعَارٍ
)
وَكتب عَن النَّاصِر دَاوُد إِلَى الصَّالح نجم الدّين فَمَا سمعُوا نِدَاء الرُقبا وَلَا منعُوا حمى الوَقبى وَلَا قابلوا سِهَام القسيّ بوكورٍ من نحورهم وَلَا عاملوا ثعالب صُدُور الرماح بوِجار من صُدُورهمْ بل اتَّخذُوا الليلَ لِسُراهم حملا وَعمِلُوا الفرارَ لنفوسهم على رؤوسهم جَبَلَا وسلكوا من وُعور الفجاج بفرارهم قبل مُخَالطَة العَجاج سُبُلاً فتحكمت يدُ الْقَتْل والأسر فِي إبِْطَال أطلابهم واستولت غَلَبَةُ النهب وَالسَّلب على أثقالهم وأسلابهم وتقسموا بَين هَزيم وأسير وجريح وقتيل وانتُصِف مِنْهُم وانتًصر عَلَيْهِم وَلمن انتصَرَ بَعدَ ظُلمِه فَأُولَئِك مَا عَلَيهُم مِن سَبِيلٍ وأسِرَ من معارفهم الْمَذْكُورَة ووجوههم الْمَشْهُورَة فلَان وَفُلَان وَأما النِكراتُ الَّتِي لَا يدخُل عَلَيْهَا التَّعْرِيف والأدنِياء الَّتِي لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِم التشريف فجمعٌ يكثر عدده وبحرٌ يغزُر مَدده وَلم يَنجُ مِنْهُم إِلَّا من كَانَ فِي عَنان فرسه تقديمٌ وَفِي كتاب أَجله تَأْخِير وَلَا سلم مِنْهُم الا من كَانَ فِي هربه تَطْوِيل وَفِي طلبه تَقْصِير خُصُوصا مقدمهم فَإِنَّهُ سَار سيرة الْحَارِث بن هِشَام وَطلب النجَاة لنَفسِهِ فنجا بِرَأْس طِمِرَّةٍ ولِجامٍ وصيّره النَّاصِر جندياً فَقَالَ كنتُ كَاتبا جيدا فصرت جندياً رديئاً وَمن مَغايظ الدَّهْر أنيّ أفنيتُ عمري فِي الْكِتَابَة فصرتُ إِلَى الجندية وَلَا أعرف مِنْهَا شَيْئا ونظم فِي ذَلِك
أَلَيْسَ من المغايظ أَن مثلييُقضي العُمر فِي فنّ الكتابهْ
فَيُؤْمَر بعد ذَلِك باجتنابٍلَهَا فَيرى الخُطوب عَن الخطابه
ويُطلَب مِنْهُ أَن يبْقى أَمِيرايسدّد نَحْو من يلقَى حِرابه
وحقك مَا أَصَابُوا فِي حَدِيثيوَلَا لِيَ إِن ركبتُ لَهُم إصابه
وَلما كَانَ بِبَغْدَاد خُرِّج للشعراء من عندِ الْمُسْتَنْصر ذهبٌ على أَيدي الحُجاب وَلم يخرَّج إِلَيْهِ شَيْء فَكتب إِلَى الْمُسْتَنْصر
لما مدحتُ الإمامَ أَرْجُومَا نَالَ غَيْرِي من الْمَوَاهِب
أجدتُ فِي مدحه ولكِنعُدت بجدِّي العَثور خائبْ
فَقَالَ لي مَا مدحوه لمافازوا وَمَا فُزتُ بالرغائب
لِم أَنْت فِينَا بِغَيْر عينٍقلتُ لِأَنِّي بِغَيْر حَاجِب
وَمن شعره
وعِلقٍ نفيسٍ تعلقتُهفزار على خلوةٍ وارتياع
)
وَلم يبْق فِي المُرد إِلَّا كَمَايُقَال على أكلةٍ والوداع
فعاجلتُه عَن دُخُول الكنيفبشحٍّ مُطاعٍ ورأيٍ مُضاع
فغرَّقني مِنْهُ نَوء البُطينوَرَوَاهُ مني نوء الذِّراع
وَمِنْه
على وَرد خَدَّيه وآسِ عِذارهيَلِيق بِمن يهواه خَلع عِذارِهِ
وأبذلُ جُهدي فِي مُدارِاةِ قَلبهوَلَوْلَا الهوَى يقتادُني لم أُدارِه
أرى جنَّة فِي خَده غير أننيأرى جُلَّ نارِي شبّ مِن جُلنارِه
كغُصن النقا فِي لِينه واعتدالهورئم الفلا فِي جِيده ونِفاره
سكِرت بكأسٍ من رحيق رُضابهوَلم أدر أنَ الْمَوْت عُقبى خُماره
وَكتب إِلَى بعض الْمُلُوك
لَو شرحتُ الَّذِي وجدتُ من الوَجد عَلَيْكُم أمللتُكم ومللتُ
فَلهَذَا خفّفتُ عَنْكُم وَلَو شِئتُ أَن أُطيلَ أطلت
غير أنّ العَبيدَ تحمل عَن قَلب الموَالِي وَهَكَذَا قد فَعَلت
وَقَالَ فِي مليح نحوي
بُليتُ بنحويٍّ يخالفُ رأيَهأواناً فيَجزيني على الْمَدْح بالمنعِ
تعجبتُ من واوٍ تبدّتْ بصُدغهوَلم يحظني مِنْهَا بعطفٍ وَلَا جمع
وَمن ألفٍ فِي قدّه قد أمالهاعَن الْوَصْل لَكِن لم يُملها عَن الْقطع
وَقَالَ
أيادٍ سمت آثارُها السحب فاغتدَتتُعاب إِذا مَا شُبهت بالسحائبِ
فَمَا الوعدُ مِنْهُ بالطويل وَلَا ترىمَداه على حاكيه بالمتقارب
مِنْهَا
سُيوفٌ إِذا صَلَّتْ سجدنَ رؤوسُهملآثار خيلٍ شُبهت بالمحارب
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الجزار يمدح فَخر الْقُضَاة ابْن بصاقة
عَفا الله عَمَّا قد جنته يَدُ الدَّهْرفقد بذل المجهود فِي طَلَب العُذرِ
أيحسُنُ أَن أَشْكُو الزمانَ الَّذِي غَدتصنائعُه عِنْدِي تجلّ عَن الشُّكْر
)
لقد كنتُ فِي أسر الخُمول فَلم يزلبتدريجه حَتَّى خَلَصتُ من الْأسر
فشكراً لأيامٍ وفَت لي بوعدهاوأبدَت لعَيْنِي فَوق مَا جال فِي فكري
وَكم ليلةٍ قد بتُّها مُعسِراً وليبزُخرفِ آمالي كنوزٌ من اليُسر
أَقُول لقلبي كلما اشتَقتُ لِلغِنىإِذا جَاءَ نصر الله تَبَّتْ يَد الْفقر
مِنْهَا
وَإِن جئتَه بالمدح يلقاك باللُهَىفكم مرَّةً قد قَابل النّظم بالنَثر
ويهتز للجدوَى إِذا مَا مدحتهكَمَا اهتزَّ حاشى وَصفه شاربُ الْخمر
وَمِنْهَا
وَلَو أنني وافيتُ غيرَكَ مادحاًلتَمَّمتُ نقصى بالحماقة والفَشَرِ
وأعطيتُ نَفسِي عندَه فوقَ حقِّهامن الكِبر لَكِن لَيْسَ ذَا موضعُ الكِبر
وكل امرىءٍ لَا يُحسِن العَومَ غارقٌإِذا مَا رَمَاه الجهلُ فِي لجّة الْبَحْر
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا
لمثلهَا كَانَ رَجايَ انظركفَأدْرك فَتى من الخطوب فِي دَرَك
لم أخشَ خِذلانا وَأَنت ناصريوَإِنَّمَا يُخذَلُ مَن لَا استنصرك
عليكَ يَا فخرَ الْقُضَاة عُمدَتيفانظُر إليّ لَا عدمتُ نَظَرك
واسأل كَمَا عودتني عَن خبريبلفظك الْمَعْهُود حَتَّى أُخبرَك
هَيْهَات أَن أشرحَ مَا قد حل بِيإِن لم يَقُل حِلمُكَ لَا تخشَ دَرَك
مثلك من قَامَ بنصرِ عاشقٍمِثلي إِن العِشقَ أمرٌ مُشْتَرك
فَقل لطرف باتَ مِنْك باتَ هاجعاًيَا طرفُ لَا تنسَ قَدِيما سَهَرَك
وناد قلباً قد تناسَى وجددهيَا قلب خَف ذَاك الجفا أَن يذكُرَك
وَلَا يَغُرَّنَّك إمهالُ الهوَىفالحُبّ قد يَأْخُذ بعد مَا ترك
إياك أَن تهزأ بالعشق فقدأعذرك الأنَ بِهِ من أنذرك
جَار عليّ الدهرُ فِي أَحْكَامهفليتَه فِي الْعدْل يقفُو أثَرَك
تمّ على العَبْد وَأَنت هَاهُنَامَا لَا يتمُّ لَو تكون فِي الكَرَك
بَنو نصر الله جماعةٌ مِنْهُم عَلَاء الدّين عَليّ بن مُحَمَّد بن نصر الله وَزِير صَاحب حماة)
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع