من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الخُبزَارُزِّي
نصر بن أَحْمد بن نصر بن مَأْمُون أَبُو الْقَاسِم الْبَصْرِيّ الشَّاعِر الْمَعْرُوف بالخُبزَارُزِّي كَانَ أمّياً لَا يتهجَّى وَلَا يكْتب وَكَانَ يخبز خُبزَ الأرُز بمِربَد الْبَصْرَة فِي دكان وَكَانَ ينشد أشعار الغَزَل وَالنَّاس يزدحمون عَلَيْهِ ويعجبون مِنْهُ وَكَانَ أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن لنكَك الشَّاعِر مَعَ علوّ قدره ينتابه ليسمع شعره واعتنى بِهِ وَجمع لَهُ ديواناً وَقَرَأَ الْخَطِيب
عَلَيْهِ ديوانه وَحضر إِلَيْهِ يَوْم عيدٍ ابْن لَنكك الشَّاعِر وَغَيره فقعدوا عِنْده وَهُوَ يخبِز على طابقه فَزَاد فِي الْوقُود ودخن عَلَيْهِم فَنَهَضَ الْجَمَاعَة فَقَالَ الخبزأرزي لِابْنِ لنكك مَتى أَرَاك يَا ابْن الْحسن فَقَالَ إِذا اتشخت ثِيَابِي لِأَنَّهُ سوّدها بالدخان وَكَانَت جُدداً فِي يَوْم عيدٍ ثمَّ إِن ابْن لنكك كتب إِلَيْهِ
لنصرٍ فِي فُؤَادِي فَرطُ حُبٍأنِيف بِهِ على كل الصِّحابِ
أتيناه فبخَّرنا بخوراًمن السَعَف المدخّن للثياب
فقمتُ مبادراً وظننتُ أَنِّيأرادَ بِذَاكَ طردي أَو ذهابي
فَقَالَ مَتى أَرَاك أَبَا حسينٍفقلتُ لَهُ إِذا اتسخت ثِيَابِي
فَكتب إِلَيْهِ الْجَواب إملاءً
منحتُ أَبَا الحسينِ صميمَ وديفداعبني بألفاظٍ عِذابِ
)
أَتَى وثيابُهُ كقتيرِ شَيبٍفعُدنَ لَهُ كَرَيعانِ الشَّبَاب
وبُغضي للمشيبِ أعَدَّ عِنْدِيسواداً لَونه لون الخِضاب
ظننتُ جُلوسَه عِنْدِي لِعُرسٍفجدت لَهُ بتمسيك الثِّيَاب
فقلتُ مَتى أَرَاك أَبَا حُسَيْنفجاوبَني إِذا اتسخت ثِيَابِي
فَإِذا كَانَ التقزّزُ فِيهِ خيرٌفلِم يُكنى الوَصِيُّ أَبَا تُرَاب
قلت الجوابُ أشعر من الِابْتِدَاء وَقَالَ الْخبز أرزي
خليليَّ هَل أبصرتما أَو سمعتمابأكرمَ من مَولىً تمشّى إِلَى عبدِ
أَتَى زائري من غير وعدٍ وَقَالَ ليأُعيذك من تَعْلِيق قَلْبك بالوعد
فَمَا زَالَ نجمُ الْوَصْل بيني وَبَينهيَدُور بأفلاك المسرة والسعد
فطوراً على تَقْبِيل نرجس ناظرٍوطوراً على تعضيض تُفاحةِ الخدّ
وَقَالَ
ألم يكفني مَا نالني من هواكمُإِلَى أَن طَفِقتم بَين ولاهٍ وضاحكِ
شَماتَتُكُم بِي فَوق مَا قد أصابنيوَمَا بِي دخولُ النَّار بِي طَنرُ مَالك
وَقَالَ
كم أُناسٍ وَفَوا لنا حِين غَابُواوأُناسٍ جَفَوا وهُم حُضَّارُ
عرّضوا ثمّ أَعرضُوا واستمالواثمَّ مالوا وجاوروا ثو جاروا
لَا تَلُمهم على التجنِّي فَلَو لميتجنَّوا لم يَحسُنِ الاعتذارُ
وَقَالَ
وَكَانَ الصديقُ يزور الصديقَلشرب المُدام وعَزف القيانِ
فَصَارَ الصديقَ يزور الصّديقلبثِّ الهموم وشَكوَى الزَّمَان
وَقَالَ
أستودِعُ اللهَ أحباباً حُسِدتُ بهمغَابُوا وَمَا زودوني غير تثريبِ
بانوا وَلم يقضِ زيدٌ وَطَراًوَلَا انقضَت حاجةٌ فِي نفس يَعْقُوب
وَقَالَ
شكَوتُ إِلَى إلفي سُهادي وعَبرتيوَقلت احمرارُ العَين يُخبر عَن وَجدي
)
فَقَالَ مُحالٌ مَا ادعيتَ وَإِنَّمَاسَرَقتَ بعينيكَ التورُّدَ من خدّي
وَقَالَ
عبدُك أمرضتَه فعُدهأَمِتهُ إِن لم تكن تُرِده
قد ذاب لَو فتشت عَلَيْهِيداك فِي الفَرش لم تَجدهُ
قلت كَذَا وجدت الأول وَهُوَ لحن وَالْأولَى أَن يكون أمته إِن كنتَ لم ترده وَقَالَ
رأيتُ الهلالَ ووجهَ الحبيبِفَكَانَا هلالين عِنْد النَظَرْ
فَلم أدرِ من حَيرتي فيهمَاهلالَ الدُّجى من هِلَال البَشَر
فلولا التوردُ فِي الوجنتينوَمَا راعني من سَواد الشّعر
لكنتُ أظنُّ الهلالَ الحبيبَوكنتُ أظنّ الحبيبَ القَمَر
وَقَالَ
حُب عليّ بن أبي طالبٍدلَالَة باطنةٌ ظاهِره
تُخبِر عَن مُبغِضِه أَنهنُطفةُ رِجسٍ فِي حَشا عاهِرَه
وَقَالَ
أخداك وردٌ أم ثناياك جَوهرُوصُدغاك مِسكٌ أم عِذارُك عَنبَرُ
وأقمرتَ يَا بدرَ الملاحةِ كلهَافَمَا ضرّنا الْبَدْر الَّذِي لَيْسَ يقمر
وَمَا نَظَرت عَيْني إِلَى الشَّمْس سَاعَةمن الدَّهْر إِلَّا خِلتُها لَك تَنظر
وَمَا دمعتي تِلْكَ الَّتِي قد تحدّرتوَلكنهَا وَدقٌ غَدَتْ تتحدّر
وَقَالَ
لَهفي على تِلْكَ المحاسنّ والمَحَاجِر فِي المَعاجرْ
وحواجِبٍ كقوادمِ الخُطّاف فِي خَلق الأباجر
أمضَى وأنفَذُ فِي القلوب من الخناجر فِي الخناجر
وَقَالَ
وَذي فِطنةٍ نِكتُهُ فِي استِهِعلى غير وَعدٍ بِمِثل الكَتِف
فَقلت لَهُ أَعصِر فَنَادَىلحَنتَ لِقَوْلِك اعصِر بِفَتْح الألِف
فقلتُ لَك الوَيل من أحمقٍفَقَالَ وأحمَقُ لَا ينصرِف
)
وَقَالَ
بِكم غفلةٌ مِمَّا بِنَا من هواكمُفيا عجبا من قائلٍ وَهُوَ غافِلُ
وَيَا رُبَّ سَهمٍ قد أصَاب مَقاتلاوَلم يدرِ رَبُّ السُّهم مَا السهْم فَاعل
وَقَالَ
نعَم أَقُول لَو أنَّ القولَ مَقبولُطالَ الْهوى وَتَمَادَى القالُ والقيلُ
لَيْسَ السَّلام بشافي الْقلب من دَنَفٍمَا لم يكن مَعَه لَمسٌ وتقبيل
وَلَيْسَ يَرضَى مُحِبٌ عَن أحبتِهِحَتَّى يفوزَ بِمَا ضمّ السَّرَاوِيل
وَقَالَ
يَا قمراً صارَ حسنُه عَلَماًقتلتَ خلقا وَمَا سَفكتَ دَما
قاسمتَ بدرَ الدجى مَحاسنَهوازددتَ ظَرفاً ومضحكاً وفَما
لَو كَانَ فِي جاهليةٍ سلَفَتصُوِّرَ تِمثالُ حُسنِهِ ًَنَما صنما
وَتُوفِّي الخبزأرزيّ سنة سبع عشرةَ وثلاثمائة
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع