من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الحَمامي
النَصير بِفَتْح النُّون بن أَحْمد بن عَليّ المناوِي الحَمَامي أَخْبرنِي الْحَافِظ العلاّمة أثير الدّين أَبُو حَيَّان من لَفظه قَالَ كَانَ الْمَذْكُور أديباً بِمصْر كَيَّسُ الْأَخْلَاق يتحرف باكتراء الحمامات وأسن وَضعف عَن ذَلِك وَكَانَ يستجدي بالشعر وكتبتُ عَنهُ قَدِيما وحديثاً وأنشدني أثير الدّين من لَفظه قَالَ أَنْشدني النصير الْمَذْكُور لنَفسِهِ
لَا تَفُه مَا حَيِيتَ إِلَّا بخيرٍليكونَ الجوابُ خيرا لَديكَا
قد سمعتَ الصَّدَى وَذَاكَ جَمادٌكل شيءٍ تَقول رَدَّ عليكا
قلت قَوْله فِي الصدى إِنَّه جماد فِيهِ نَظَرٌ لأنَّ الصَدَى هُوَ الصَّوْت الْعَائِد عَلَيْك عِنْدَمَا يقرع صوتُك مَا يقابلك من حائطٍ أَو غَيره وَلَكِن يُمكن أَن يُتمحَّلَ لَهُ وجهٌ وَهُوَ ضَعِيف والنصير أَخذ هَذَا من قَول ابْن سَناءِ المُلك
بَان عَلَيْهَا الذُّلَّ مِن بعدِهِموَزَاد حَتَّى كَاد أَن لَا يَبين
فَإِن تَقُل أينَ الَّذين اغتدوايقُل صَداها لَك أَيْن الَّذين
وَأَخذه ابْن سيناء الْملك من القَاضِي نَاصح الأرَّجاني حَيْثُ قَالَ
سَأَلَ الصَدى عَنهُ وأصغَى للصَدَىكَيْمَا يُجيبَ فَقَالَ مِثلَ مقالِهِ
ناداه أَيْن تُرَى مَحطَّ رِحالِهفَأجَاب أَيْن تُرى محطَّ رِحالِهِ
وأنشدني أثير الدّين لنصير الْمَذْكُور ايضاً)
أَقُول للكأسِ إِذْ تَبَدَّتفِي كفِّ أحوى أعَّنَ أحوَرْ
خرَّبتَ بَيْتِي وبيتَ غَيْرِيوأصلُ ذَا كعبُكَ المدَوَّر
وأنشدني لَهُ أَيْضا
إِن الغزالَ الَّذِي هام الفؤادُ بِهِاستأنسَ اليومَ عِنْدِي بعد مَا نَفَرَا
أَظهرتُها ظاهرياتٍ وَقد رَبَضَتْفِيهَا الأُسودُ رَآهَا الظبيُ فانكسرا
وأنشدني لَهُ أَيْضا
قَالُوا افتضحتَ بحبهفأجبتُ لي فِي ذَا اعتذارُ
من لي بكتمان الهَوَىوبخدّه نَمَّ العِذار
وأنشدني لَهُ أَيْضا
مَا زَالَ يَسقيني زُلالَ رُضابِهلمّا خَفِيتُ ضَنىً وذُبتُ تَوَقُّدا
ويَظنُّني حيّاً رَوِيتُ بريقهفإّذا دَعا قلبِي يجاوبُه الصدا
وأنشدني لَهُ أَيْضا
مَاذَا يَضرك لَو سمحتَ بزَورةٍوشَفَعتَها بمكارم الأخلاقِ
ورَدعتَ نفسَك حِين تمنعُك اللقاوَتقول هَذَا آخر العُشَّاق
وأنشدني من لَفظه القَاضِي جمال الدّين إِبْرَاهِيم ابْن شَيخنَا الْعَلامَة شهَاب الدّين أبي الثَّنَاء مَحْمُود قَالَ أَنْشدني من لَفظه لنَفسِهِ النصير الحَمَّامي بقلعة الْجَبَل
لي مَنزِلٌ معروفُهُيَنهَلُّ غَيثا كالسُحُبْ
أقبل ذَا العُذرِ بِهِوأُكرِمَ الجارُ الجُنُب
وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ
رأيتُ فَتى يَقُول بشَطِّ مصرعلى دَرَجِ بَدَت والبعضُ غارِق
مَتى غطّى لنا الدَرَجَ استقمنافَقلت نَعَم وتنصَلِح الدقائِق
قلت فِي قَوْله الدقائق هُنَا نظرٌ وَقد ذكرت فَسَاد التورية فِي كتابي المسمَّى فضّ الخِتام عَن التورية والاستخدام وأنشدني القَاضِي جمال الدّين إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور قَالَ أَنْشدني النصير الحمامي لنَفسِهِ
ومُذْ لَزِمتُ الحمّامَ صِرتُ فَتىخِلاًّ يُداري مَن لَا يداريه
)
أعرِفُ حَرَّ الأشيا وباردَهاوآخُذُ الماءَ من مَجاريه
قلت لما كتب أَبُو الْحُسَيْن الجزار إِلَى نصير الحمامي
حُسنُ التأتي مِمَّا يُعين علىرِزِق الْفَتى والحُظوظ تختلفُ
والعبدُ مُذ كَانَ فِي جِزارتهيعرف من أينَ تُوكَل الكَتف
كتب النصير الحمامي إِلَيْهِ الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورين أَولا وأنشدني الْحَافِظ الشَّيْخ فتح الدّين بن مُحَمَّد بن سيّد النَّاس قَالَ أَنْشدني النصير الحمامي لنَفسِهِ
رأيتُ شخصا آكِلٌ كِرشةًوهُو أَخُو ذوقٍ وَفِيه فِطَن
وَقَالَ مَا زِلتُ مُحباً لَهَاقلت من الْإِيمَان حُبُّ الوَطَنُ
وَقَالَ النصير يَوْمًا للسِراج الْوراق قد عَمِلتُ قصيدةً فِي الصاحب تَاج الدّين وأشتهى أَنَكَّ تُزَهرِه لَهَا وتشكُرها وسَيرها إِلَى الصاحب فَلَمَّا اُنشِدَت بِحَضْرَة السِراج قَالَ السراجُ بعد مَا فُرِغَ مِنْهَا
شاقني للنصير شِعرٌ بَديعٌولِمثلي فِي الشّعْر نَقدٌ بصيرُ
ثمَّ لمّا سَمِعتُ بِاسْمِك فِيهِقلتُ نَعمَ المَولى ونِعمَ النصير
فَأمر الصاحب لَهُ بِدَرَاهِم وسيرها إِلَيْهِ وَقَالَ قل لَهُ هَذِه مِائَتَا درهمٍ صَنجَةً فَلَمَّا أدّى الرَّسُول الرسَالَة قَالَ النصيرُ قبِّل الأرضَ بَين يَدي مَوْلَانَا الصاحب وقُل يسألُ إحسانَك وصدقاتِك أَن تكونَ عَادَة فلمّا سمع ذَلِك الصاحب أعجبه وَقَالَ يكون ذَلِك عَادَة وَكتب النصير إِلَى السِّراج يتشوق
وكدّرتَ حمامي بغيبتك الَّتِيتكدَّرَ من لذاتها صَفوُ مشرَبي
فَمَا كَانَ صَدرُ الحَوض مُنشرِحاً بهَاوَلَا كَانَ قلبُ المَاء فِيهَا بِطيِّب
وَكتب أَيْضا يَسْتَدْعِي إِلَى حمامه
من الرَّأْي عِنْدِي أَن تواصِلَ خَلوَةًلَهَا كَبِدٌ حَرَّى وفَيضُ عيونِ
تُراعي نجوماً فِيك من حَرّ قَلبهَاوتبكي بدَمعي فارحٍ وحزين
غَدا قلبُها صَباً عَلَيْك وأنتَ إِنتأخرتَ أضحى فِي حِياضِ مَنُون
وَكتب نَاصِر الدّين حسن بن النَّقِيب الفُقّيسي إِلَى النصير وَقد حصل لَهُ رَمَدٌ
يَقُولُونَ لي عين النصير تألمتولازمه فِي جَفنه الحَكُّ والأكلُ
)
فَقلت أعينُ الرأسِ أم عين غيرِهفَلِلعُلوِّ شيءٌ لَا يُداوَى بِهِ السُفل
فَقَالُوا بلِ الْعين الَّتِي تَحت صُلبهفَقلت لَهَا التشييفُ عِنْدِي والكحل
ومِيلٌ بِمَاء الرِّيق يَبتلُّ سُفلُهفَيدْخل سهلاً غيرَ صَعبٍ ويَنسَل
وأغسِلها بالبَيضِ واللبَن الَّذِيعليَّ بتقطيري لَهُ يجبُ الغَسل
فَإِن شَاءَ وافيتُ الأديبَ مُداوياًوَلم أشتغل عَنهُ وَإِن كَانَ لي شُغل
فَكتب النصير الْجَواب عَن ذَلِك
أيا مَن لَهُ فِي الطبّ علمُ مباشرٍوَمَا كلُّ ذِي قولٍ لَهُ القَوْل والفعلُ
أتيتَ بِطبٍّ قد حوى البيعَ والشِرىيبيِّن لي فِي ذَلِك الخَرج والدَخل
وَإِن كَانَ ذَا سهلاً بطبّك إِنَّهبِسقميَ صَعبٌ لَيْسَ هَذَا بِهِ سَهل
فَلَا عدِم الْمَمْلُوك مِنْك مداوياًوَمَا زَالَ للْمولى على عَبده الْفضل
وَكتب إِلَيْهِ النَّقِيب أَيْضا وَهُوَ بِقُرْبِهِ وَفِي خُطه
رَغبتُ فِي كَسبِ أَجرٍوَفِي اغتنام مَثوبهْ
وَهَان مَا كَانَ فِيهِمن السَّراحِ صَعوبهْ
ولستُ فِي أرضِ شامٍولستُ فِي أرضِ نوبه
وبيننا رَميُ سَهمٍغَلِطتُ بل رَجمُ طُوبه
فَكتب النصير الْجَواب عَن ذَلِك
رُحماك يَا خيرَ مَولىفَفِي العِتاب عُقوبَه
وَأَنت إِن زِدت عَتبايَغدو غُلامُك قُوبَه
والعبدُ مَا زَالَ يهوَىلَا بل يحب الرُطوبه
تموز فكرك والعَبدُفكرُه فِيك طُوبَه
وَمن شعر النصير دوبيت
فِي وَجهك للجمال والحُسن فنونفِي طَرفك للسحر فُتورٌ وفُتون
إنِّي أسلو هَواكَ يَا مَن باتتعَيناهُ تَقول للهَوى كُن فَيكون
وَمِنْه
إِن عجل النوروز قبل الوفاعجَّل للعالَم صَفعَ القَفا
)
فقد كفى من دَمعِهم مَا جَرىوَمَا جرى من نَيلِهِم مَا كَفى
أَنْشدني إجَازَة العلامةُ أثير الدّين أَبُو حَيَّان قَالَ أَنْشدني النصير الحمامي لنَفسِهِ
إنّي لأكرَهُ فِي الْأَنَام ثَلَاثَةمَا إِن لَهَا فِي عَدّها مِن زائدِ
قُربَ الْبَخِيل وجاهلاً متعاقلاًلَا يستحي وتودُّداً من حَاسِد
وَمن البليَّة والرَزِية أَن تَرَىهذي الثلاثةَ جُمِعَت فِي وَاحِد
وَكتب النصير إِلَى السِراج الْوراق من أَبْيَات
كنتُ مثل الغَزال وَالله يَكْفِيصِرتُ فِي وَجهه إِذا جئتُ كلبَا
ولعَمري لَا ذَنبَ لي غير أَنِّيتُبتُ لله ظَنّ ذَلِك ذَنبا
وَهُوَ لَو جاءَني وَقد تُبتُ حَتَّىيَبْتَغِي حَاجَة فلَن أتأبَّى
فَكتب الْوراق الْجَواب وَمِنْه
وأتى الطَّبيُ مُرسلاً مِنْك فاستغربتُ لمّا دَعوتَ نَفسَك كَلْبا
ولَكَم جئتَ عادياً خلفَهُ تلهثُعَدواً للصَّيْد بُعداً وقُربا
غير أَنِّي نظرتُ عينَ صَفيِّ الدّينكَادَت أَن تشرب الظبيَ شُربا
فاترِك التَّوْبَة الَّتِي قد رَآهَالَك وِزراً كَمَا زَعمتَ وذَنبا
واجتهد فِي رِضَاهُ عَنْك وقَرِّبكلَّ نَأي المدَى تَنَل مِنْهُ قُربا
فلَكَم رُضتَ جامحاً فِي تراضيهوذلَّلتَ بالسَفارة صَعبا
وَكتب إِلَى السراج أَيْضا مُلغِزاً فِي نون
مَا اسمٌ ثلاثيٌ يُرى وَاحِدًاوَقد يُعّدُّ اثْنَيْنِ مكتوبُه
يظهَر لي من بَعضه كُلهإِذْ كل حَرفٍ مِنْهُ مقلوبُه
أضِف ثَمَانِينَ إِلَى ستةٍإِن شئتَ لَا يَعدوك محسوبُه
اطلبُهُ فِي البرِّ وَفِي البَحرلَا فَاتَ حِجَى مولايَ مطلوبُه
فَكتب الْجَواب الْوراق
يَا سالبَ الألبابِ من سحرهبمُعجزٍ أعجزَ أُسلوبُه
ألغزتَ اسمٍ وَهُوَ حرفٌ وَقديَخفى علينا مِنْك محجوبُه
وَهُوَ اسمُ أُنثى مُرضِعٍ طِفلُهاغيرُ لِبانِ النَّاس مشروبُه
)
مطَّرِدٌ منعكِسٌ شكلُهسِيانَ فِي الْعين ومقلوبُه
فَقلت قَول النصير أَضِف ثَمَانِينَ إِلَى سِتَّة وَهمٌ مِنْهُ لِأَن النونينِ بِمِائَة وَالْوَاو بِسِتَّة فَيكون مائَة وَسِتَّة
وَكتب النصير أَيْضا إِلَى الْوراق ملغزا فِي سَيلٍ
أيا من لَهُ ذِهنٌ لَدَى الْفِكر لَا يخبووَمن لم يزل يحنو وَمن لم يزل يحبو
قصدتُ سِراجَ الدّين فِي ليلِ فكرةيكَاد جوادُ العقلِ فِي سُبُلِها يكبو
أَرْشدنِي شَيْئا بِهِ يُدرك المُنىلَهُ قلبُ صبٍّ كم فؤادٍ بِهِ صَب
إِذا رِكبَ البيداءَ يُخشى ويُتقَّىوَلم يَثنِه طَعنٌ وَلم يَثنِه ضَرب
بقلبٍ يهُدُّ الصخر يومَ لقائِهوَمن أعجبِ الْأَشْيَاء لَيْسَ لَهُ قلب
فَأجَاب السراج عَن ذَلِك
أَرَاك نصيرَ الدّين عذبتَ خاطريوَقد راق لي من لُغزِك المنهلُ العذبُ
وأثبتَّ قلباً مِنْهُ ثمَّ نَفَيتَهوأعرفه صَباً وهام لَهُ قلب
وأعرِفُ مِنْهُ أعيُناً لَا يَحُفّهاجُفونٌ كعاداتِ الجفون وَلَا هُدب
وَمن وَصفه صبٌّ كَمَا أنتَ واصفٌصَدَقتَ ولولاه لما عُرِف الحُب
فدُونَك مَا ألغزتَه لي مُبَيِّناًوَذَلِكَ مَا يَحْتَاجهُ العُجمُ والعُرب
وَكتب النصير إِلَى الْوراق أَيْضا
أَتَى فَصلُ الخريف عليَّ جِداًبأمراضٍ لَواعِجُها شِدادُ
وأعذِرُ عائدي إِن لم يعُدنيورُبَّ مريضِ قومٍ لَا يُعاد
فَأجَاب الْوراق عَن ذَلِك
خلائقك الربيعُ فَلَيْسَ تَخشَىخَرِيفًا فِي الجسوم لَهُ اعتِيادُ
وَلَا وَالله لم أعلَمكَ إلَاّصَحِيحا والصحيحُ فَمَا يُعَاد
وَكتب النصير إِلَى الْوراق أَيْضا
أَيهَا المحسنُ الَّذِي وَهَبَ اللّهُـ تَعَالَى الحُسنَى لَهُ وزِيادَه
ضَاعَ مَا كَانَ من وُصولات وَصليفتصدّق بكتبها لي مُعادَه
ايْنَ تِلْكَ الطروسُ نظماً ونَثراًمِنْك تَأتي على سَبِيل الإفادهْ
)
كل طِرس يُجلى عَروساً بِدُر القولِ كَم مِن عِقدٍ وَكم من قِلادَه
كَانَ عَيشي إِذا أَتَانِي رسولٌمِنْك يُحيي خِلاًّ أمتَّ وِدادَه
شهِد اللهُ لَيْسَ لي غيرُ ذِكراك وَإِلَّا خرِستُ عِنْد الشهادَه
فَكتب الْوراق الْجَواب
لم يغِب عَن سوادِ عَيْني حبيبٌحَلَّ من قلبِي المشوقِ سوادَه
فَكَأَنِّي وَلَا أَذُوق لَهُ رُزءاً جريرٌ وَذَاكَ عِنْدِي سَوادَه
ذُو بيانٍ أدنى بلاغتِه تُنسيك قُساً وعصره وايادَه
جوهريُّ الألفاظِ كم قلد الأجيادَ عِقداً من نَظمِه وقِلادَه
فعُبيدٌ أدنى العبيدِ لَديهولَبيدٌ عَن نظمِه ذُو بلادَه
ولأزجاله ابنُ قُزمانَ يَعنوولتوشيحه يُقرُّ عُبادَه
فَاتَ دارَ الطرازِ مِنْهُ خِلالٌلَو بهَا السعيدُ تَمَّتْ سَعادَه
يَا صديقي الَّذِي غَدا رَاغِبًا فِيّ وللأصدقاء فيَّ زَهادَه
هجروني كأنَّني مُصحَفٌ أَومسجِدٌ قد أُقيم أَو سجادَه
دُمتَ نِعمَ النصيرُ لي مَا تعنَّتساجِعاتٌ على ذُرَى مَيَّادَه
وَكتب النصير أَيْضا إِلَى الْوراق
يَا أَيهَا المولَى السراجُ وَمَا جدا أَعلَى مَنارَه
يَا من تَجاوزَ فضلُهحدَّ الْقيَاس أعلَى مَنارَه
يَا من يلوح بِوَجْهِهِحُسنٌ لناظره نَضَارَه
يَا بدرَ تمٍّ كم عَليّهـ غَدَت من الْفُضَلَاء دارَه
كم فِي الوَرى معنىتُثيرُ وَلم أقُل طَوراً وتارَه
وَإِذا مدَحناه فَمَافِيهِ صِفاتٌ مستعارَه
لِمُبشرِي إِن زُرتَنيبُشرى ويَحظى بالبِشارَه
يَا واعدي فِي السَبت هـذَا السبتُ جاءَ وشنَّ غارَه
متصدِّقاً زُرني فَذايومُ التصدُّق والزيارَه
فَكتب الْوراق الْجَواب)
مولايَ يَا حُلوَ الخلائق والعِبارةِ والإشارَه
ومُنَمَّقاً فِي الطِرس رَوضاً كَاد أَن يجريَ غَضارَه
قد كنتُ يَومَ السبت ذَاعَزمٍ على قصدِ الزيارَه
لَو لم تشُنَّ عليّ آلامي كَفاك اللهُ غارَه
وَكتب النصير أَيْضا إِلَى الْوراق مُلغِزاً فِي النَّار
وَمَا اسمٌ ثلاثيٌّ بِهِ النَفعُ والضَّررْلَهُ طَلعَةٌ تُغني عَن الشَّمْس وَالْقَمَر
وَلَيْسَ لَهُ وجهٌ وَلَيْسَ لَهُ قفاًوَلَيْسَ لَهُ سَمعٌ وَلَيْسَ لَهُ بَصَر
يمد لِسَانا يختشي الرُمحُ بأسَهويَسخَرُ يومَ الضَّرْب بالصارِمِ الذّكر
يَمُوت إِذا مَا قمتَ تسقيه قَاصِداوأعجبُ مِن ذَا أَن ذَاك من الشَجَر
أيا سامعَ الأبياتِ دُونك شَرحُهاوَإِلَّا فنَم عَنْهَا ونبِّه لَهَا عُمَر
فَكتب الْوراق الْجَواب
أَرَاك نصيرَ الدّين ألغزتَ فِي الَّذِييُعيد لمسكِ الليلِ كافورةَ السَحَر
رأى معشَرٌ أَن يَعشَقوها دِيانَةًوتاللهِ لَا تُبقي عَلَيْهِم وَلَا تَذَر
وكلٌ على قلبٍ لَهُم ران اسمُهافمسكَنُهم مِنْهَا ومأواهم سَقَر
وَقد وصفوا الحسناءَ فِي بَهجةٍ بهَاكَمَا وصفوا الحسناءَ بالشمس والقمرَ
وَلَو لم تكن مَا طَابَ خُبزٌ لآكلٍوَلَا لَذَّ ماءٌ فِي حماكَ لمن عَبَر
وَكتب النصير إِلَى الْوراق ملغزاً فِي ديكٍ
أيا من لدَيهِ غامضُ الشّعْر يُكشَفُومَن بدرهُ بَادِي السَّنا لَيْسَ يُكسَفُ
عساك هُدّىً لي إِنَّنِي الْيَوْم ذاهلٌعَن الرُشد فِيمَا قد أرى متوقِّف
أرى اسْما لَهُ فِي الخافقَين ترفُّعٌأَخا يَقظَةٍ ذِكراً وَلَا يتعفَّف
رأيتُ بِهِ الأشياءَ تبدو وضِدُّهافكاد لهَذَا الْأَمر لَا يتكيَّف
فعرَّفه ذُو السّمع وَهُوَ منكَّرٌونَكّره ذُو اللُّبِّ وَهُوَ معرَّف
فجاوِب لأحظى بالجوابِ فَإِنَّهُإِذا جاوبَ الْمولى العبيدَ يشرِّف
فَكتب الْوراق الْجَواب عَن ذَلِك
إِلَيْك نصير الدينِ مني إجابةٌبهَا أُوضحُ الْمَعْنى الخفيَّ وأكشِفُ
)
رَأَيْتُك قد ألغزتَ لي فِي متوَّجٍبِتِذكاره أَسماعُنا تتشنف
يُنَبِّهُ قوما للصلاةِ ومعشرٌعِبادتُهم أسٌّ وكأسٌ وقَرقَف
لَهُ كَرَمٌ قد سَار عَنهُ وغَيرةٌوعُرفٌ بِهِ من غيرِهِ ظلَّ يُعرَف
حَظِيٌّ ترَاهُ وادعاً فِي ضرائرِيزيِنَه تاجٌ وبُردٌ مفوَّف
وَفِي قلبه كيد ولكنَّ صدرَهغَدا ضيِّقاً مثلي بذلك يُوصَف
وَكتب النصير إِلَى الْوراق ملغزاً فِي نَعامةٍ
ومُفردٍ جمعا يُرىبحذفِ بَعضِ الأحرُف
اسمٌ نَعى أكثرُهفَقَالَ باقِيه اكفُف
ترَاهُ يعدو مُسرعاًفِي بُرده المفوف
فَكتب الْوراق الْجَواب
لَو قلتَ فِي من قد نُعِيَمَاتَ لصدَّقتُك فِي
وكل باغٍ كَالَّذييَبغي رهينُ التَلَف
ألغزتَ اسمِ طائرٍفِي الأَرْض عنّا مَا خَفي
يَفحَصُ فافحص عَنهُ يَاربَّ الْفُنُون تعرف
وَهُوَ لعَمري فِي السماء يُقتفَى ويَقتفي
وَكتب النصير إِلَى الْوراق وَعِنْده أَحْمد الزجّال
عندنَا من غَدا بحبك مُغرىًوَله فِيك عِشقةٌ وإغرامُ
موصلِليٌ يَهوَى المِلاحَ إِذا مَاجَاءَ صُبحُ اللِّحى وولّى الظلام
فَهُوَ لَا يبتهي عَن الشيب بالشيب فَمَاذَا تَقول يُجدي المَلام
لَا يسلى مِنْهُ الفؤادُ نِدامٌعَن حبيب وَلَو تغنَّى الْحمام
لَو تبدّى لِعينه ابنُ ثَمَانِين غَدا وَهُوَ عاشقٌ مستهام
يَستَبِينهِ من العيونَ بَياضٌوَمن الألعَس الِشفاه ابتسام
قِرَّ عَيناً وطِب فَديتُك نفساعِنْده أَنْت أَنْت بَدرٌ تَمام
فَكتب الْوراق الْجَواب
حبذا مِن بَنَات فكرِك عَذراء لَهَا من فتيقِ مِسكٍ خِتامُ
)
خِلتُ ميمَ الرويّ فاها وَقد ضَاقَوَمن ذَاق قَالَ فِيهِ مُداد
وَلها من عُقُود لفظِكحَليٌ لم يَجز مثل دُرِّه النظَّام
أذكرَت بالشبابِ عَيْشًا خليعاًنَبتُ فَودَيهِ بعد آسٍ ثُمام
كَيفَ لَا كَيفَ لَا وَلم أرَ صَعباًقطّ يَأْبَى الإ وَأَنت زِمَام
وَمِمَّا فِيك من تأت ولطفأَنا شَيخٌ للموصليّ غُلام
فهوَ نعمَ المولَى ونَعمَ النصيرُ المرتَضى أَنْت صاحباً وَالسَّلَام
وَكتب النصير إِلَى الْوراق ملغِزاً فِي كُنافة
يَا وَاحِدًا فِي عصره بمصرِهوَمن لَهُ حسن السَّناء والسَنا
تعرف ليّ اسْما فِيهِ ذوقٌ وذكاحُلو المُّحّيَّا والجَنانِ والجَنى
والحلّ وَالْعقد لَهُ فِي دَستهويجلِس الصَدرَ وَفِي الصدرِ المُنى
إِن قيل يَوْمًا لذاك كنيةٌفقُل لَهُم لم يخلُ ذَاك من كُنَى
فَكتب الْوراق الْجَواب
لَبيك يَا نَعمَ النصيرُ وَالَّذِيأدنَتْ بِهِ المُنيةُ لي كلَّ المُنى
عرفتَني الاسمَ الَّذِي عرفتَهوَكَاد يَخفَى سِرُّه لَوْلَا الكنى
لَهُ من الحُور الحِسان طَلعةٌتُقابِلُ المِرآةَ مِنْهَا الأحسَنا
وخِدنُه بعض اسْمه طيرٌ غَداأصدقَ شيءٍ إِن بلوتَ الألسُنا
وَهُوَ لسانٌ كُله وَبعد ذَاتَنظُره عِنْد الْكَلَام ألكنا
وَفِي خِوانِ المجدِ كَانَ مألفَيعِنْد الصيامِ ربِّ فاجمَع بَيْننَا
وَكتب النصير إِلَى الْوراق مَعَ ظروف يَقطين فِي فردٍ
يَا من لِدفعِ الرَّدَى غَدا جُنَّهوَمن لَهُ فِي قبُولهَا المِنَّهْ
هَديةٌ فِي الْإِنَاء يتبعُهاخيرُ نَبيٍّ وَهَكَذَا السُّنَّه
وَإِذا بدا ظَرفُها بغِلظَتهيوَدُّ فتحُ الأديبِ لَو أنَّه
فَكتب الْوراق الْجَواب
يَا من غَدا لي من العِدَى جُنّهوَمن بِحمَّامه لنا جَنّة
جَاءَ بهَا الفَردُ وَهُوَ مُمتلىءٌمِلءَ فؤادِ الحُماة بالكِنَّه
)
وكلُّ ظَرفٍ مِنْهَا بَنَوه على الفتح فحقِّق فِي حُبه ظِنَّه
وَكتب النصير أَيْضا إِلَى الْوراق
رُبَّ راوٍ عَن النبيّ حَدِيثامُسْندًا شافِياً كلَاما فصيحاً
قَالَ النبيّ قولا صَحِيحاقلتُ قَالَ النبيّ قولا صَحِيحا
وفهمتُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِوَسمعت الَّذِي رَوَاهُ صَرِيحًا
قَالَ لِيَ يَا أديبُ أَنْت فقيهٌقلتُ لَا قَالَ حُزتَ ذِهناً مليحا
فَأجَاب الْوراق
إنَّ فِعلاً جعلتَه أَنْت قولالَيْسَ فِيهِ يحْتَاج مِنْك وضوحا
فابنِ مِنْهُ مُضارِعاً يظهَرُ الخافِي ويَبدُ الَّذِي كتبتَ صَرِيحًا
وتراه يَبْدُو لعينيك معتلاوقد قلتَ فِيهِ قولا صَحِيحا
وَهوَ فِعلٌ لم تأتِهِ أَنْت يَا شيطانُ فافهَم مَقَالَتي تَلْوِيحًا
وَقَالَ النصير يصِفُ حمّامَه
حمَّامُ الأديبِ العارِفمَا يجْرِي وحالُ واقِف بهَا
بهَا اسطول وَمَا فِيهَا اسطالْ والما يتّزِن بالقَسطالْ
والعُمال رأَيتو بَطالْوالإسكندراني ناشِف
وَمَا ريت فِيهَا بَلانْ يسرِّح لَحَدْ بالإحسانْ
والزَّبَّال يعرِّ القُوسانْقَالَ والخاتِمَة يَصَّالِف
دي دونَه وقيّمها دُونْ مبنيَّة على مَيِّهْ مَجنُونْ
والما فِي المجارِي مَخزونْوالأنبُوب معوَّجْ تالِف
وتابوت على فسيَّه قلتو مُت بالكُليّه
خُذُوا من نَصِير الدِّيَّهوإلَاّ انثنينا نَتنَاصِف
)
وَكتب النصير إِلَى السِّراج
أهوَى رَشاً فِي مُهجتي مَرتَعُهُأَفديه رَبيبْ
لَا بل قمراً فِي ناظري مَطلَعُهلم يَدرِ مَغِيبْ
حِقفٌ وهِلالٌ وغزالٌ وغُصنٌإِن قَامَ وَإِن رنا وَإِن لَاحَ وَإِن
والمؤمنُ كِّيسٌ كَمَا قيل فَطِنٌقلبِي أبدا إِلَى مُحيّاه يَحِنّ
مَا أبعدّهُ وَفِي الحشا موضِعُهُنَا ئي وَقَرِيب
قد راق بِهِ شعري لمن يسمعهُإِذْ كَانَ حبيب
يَا خَجلةَ غُصنِ البان لمّا خطرايَا حَيرةَ بَدرِ التمّ لما سَفَرَا
يَا غَيرةَ ظَبْي الرمل لمّا نظرايَا رُخص عوالي فتيق المسكِ لما نثَرا
من لؤلؤِ نَثرِه لمن يجمَعُهُزاهٍ ورطيبْ
مَا أسعَدَ مَا أعيَى فِي تَصَنُّعِهِعقدا لتريبْ
دَعني فحديثُ العِشقِ إفْك وَمِراعِنْدِي إفْك الزَّمَان والحقَّ أرا
مَدحي لسِراجِ الدّين نورُ الشعراوَالْكَاتِب عِنْد الأُمرا والوزرا
كم فِيهِ فضيلةٌ غَدت تَرفعُهُعَن قَدرِ أَديبْ
الله بِمَا قد حازه ينفعُهُوَالله مُجيب
مَعنى شِعرٍ وفَاق مَغنىً كرماتَلقاهُ إِذا نَحوتَهُ فِي العلما
المفرَد فِي زَمَانه والعلماكُن ممتثلاً مرسومَه إِن رَسَما
فالفضلُ إِلَيْهِ كلُّهُ مَرجِعُهُوالرأي مُصِيبْ
لَوْلَا عُمر الْفضل عفَت أربَعَهأَو كَانَ غريبْ
بالفَرع غَدَت فِي شَفَقِ الخدّينكالبَدرِ يَلوح نورهُ للعين
لمياءُ رَمَاهَا هاجريٌّ بالبينعنته وَقد فارقَها يَوْمَيْنِ
قد غَابَ ولّي يَوْمَيْنِ مَا أقشَعَهُخَلّوه يَغيبْ
لَو رَاح إِلَى نجدٍ أَنا أتبَعُهْحَتَّى لَو أُصيبْ
فَأَجَابَهُ
البدرُ على غُصْن النَقا مطلَعُهمن فوقِ كثيبْ
)
مِن طَرفي والقَلبِ لَهُ مَوضِعُهيَبدو ويَغيبْ
إنسانُ جُفوني ظلّ فِي الدَّمع غريقوَالْقلب بنارِ البُعد والصَدّ حريق
مَن يُطفيها مَن بسُكرِ الرح بريقوالدُّرُّ بثغرٍ راق لَمعاً وبَريق
من يمنَحُه المِسواك لَا يمنعهُظمآن كئيب
أَبلاه بِمَا يَخفَى بِهِ مَوضِعُهُعَن جَسِّ طَبِيب
من فَترةِ جفنِهِ أثار الفِتنَاواستَلَّ بهَا مِن الجُفون الوَسَنا
إِن مَاس وَإِن أَسْفر أَو عَنَّ لناكالغُصنِ وكالبدرِ وكالظَّبي رَنا
دَع وَصفي فالحسنُ لَهُ أجمعُهمِن غيرِ ضَريبْ
وانظُر مُلحاً أضعافَ مَا تَسمَعُهُمن كُلِّ لبيبْ
لم أنسَ وسُكري بَين كاس ورُضابمِن فيهِ وشكي بَين ثَغرٍ وحَباب
والليلُ كَمَا شابَ على أَثرِ شبابوالجو لنا رَقّ كَمَا رَقّ عِتاب
لَا بل غَزلُ النصيرِ إِذْ مَوقِعُهمِن كُل لَبِيب
كالماءِ من الظَمأنِ إِذْ يَكرَعُهُفِي قّيظِ أبيبْ
شَيخُ الأدباءِ شَرقِها والغربِمِن كلِّ عروضٍ يمتطى أَو ضَربِ
أَو وصف مقَام لَذَّة أَو حَرْبكم هز معاطف القنا والقضب
بالجَزلِ من اللفظِ الَّذِي يُبدِعُهمن كلّ غَرِيب
قد سَلَّمَ فِي الشّعْر لَهُ أشجَعُهُوالشيخُ حَبيبْ
هَذَا وَإِذا جَدَّدَ خَلعاً لِعذارفِي وَصفِ رَشيقِ القَّدِّ أَو ذاتِ سِوار
أذكى لَك مِنْهُ الشَجَرُ الأخضرُ نَاركم قَد فُتِنَت وَجداً بِه ذاتُ سِوار
ألقته وَقَالَت أنَّى ترَاهَا مَعَهتَأخُذُ بنصيبْ
مني وَإِذا زَوجي أَتَى نصفَعُهُلَو كَانَ شبيبْ
قلت كَذَا نَقله من خطّ السِّراج الْوراق قولُه ذَات سِوار مرَّتَيْنِ وَالصَّوَاب أَن تكون الأولى أَو ذَات خِمار ولعلّه كَذَا قَالَه فَإِن السراج مَا كَانَ يُؤْتى من جَهل وَإِنَّمَا سبقُ الأقلامِ لَا يُنكَرُ وعَلى كل حالٍ فَخَرجةُ النصير أدخَل وَأحلى وأحرّ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع