من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو الْقَاسِم الْقطَّان
هبة الله بن الْفضل بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أَحْمد بن الْفضل بن يَعْقُوب بن يُوسُف بن سَالم أَبُو الْقَاسِم المَتُّوثيّ الْقطَّان الشَّاعِر من
أَوْلَاد المحدّثين كَانَ الْغَالِب على شعره الهجاء وثلب النَّاس وهجا الأكابر والأعيان وَكَانَ النَّاس يَتَّقُونَ لسانَه سمع الحَدِيث فِي صِباه من وَالِده وَمن أبي طَاهِر أَحْمد بن الْحسن الْكَرْخِي وَأبي الْفضل أَحْمد بن الْحسن بن خيرون وَالْحُسَيْن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن طَلْحَة النِّعالي وَالْحُسَيْن بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن أَيُّوب العُكبري وَغَيرهم وعُمّر وَسمع من الْحفاظ وَالْأَئِمَّة وَكَانَ عسِراً فِي الرِّوَايَة)
سيّىء الْأَخْلَاق كريهَ الملقَى عَبوساً مُبغَّضاً روى عَنهُ ابْن الْأَخْضَر وَأَبُو الْفتُوح بن الحُصري وثابت بن مُشرَّفٍ الْأَزجيّ وُلد سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَتُوفِّي فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة وَكَانَ حَاضر الْجَواب وَيعرف الطبّ والكحل وَهُوَ الَّذِي شهّر الحيص بَيص بِهَذَا اللقب وَمن شعره
يَا باعثاً طيفَه مِثَالامَا لكَ فِي الْحسن من مِثَال
وَإِنَّمَا كَانَ ذَاك عِشقابعث خيال إِلَى خيال
وَمن شعره
ومُدامة مَرَحَت وَقد مُزِجَت لمنشربَ العُقار فسادَه بصلاحه
يستنفذ الهموم من يَد فكرهقَسراً فروحٍ مُديمها فِي راحه
لم يحتجّ الساقي عَشِيَّة صبهافِي كأسه لَيْلًا إِلَى مِصباحه
فَصباحه كمسائه سُكراً بهَاومساؤه من نورها كصباحه
وقداحُهُ قد فَازَ حِين أراقَهامن لهوِه إِلَّا بِريقٍ فِي أقداحِه
وَمِنْه
يَا من هجرت فَمَا تُباليهَل ترجع دولة الوِصال
مَا أطمعُ يَا عَذابَ قلبِيأَن ينعَم فِي هَوَاك بالي
الطرفُ كَمَا عهدتَّ باكٍوالجسمُ كَمَا ترَاهُ بالي
مَا ضرَّك أَن تعلِّلينيفِي الوَصلِ بموعد مُحال
أهَواكِ وأنتِ حَظُّ غَيْرِييَا قاتلتي فَمَا احتيالي
وَكَانَت لِابْنِ الْقطَّان مَعَ الحيص بيص وقائع وَله فِيهِ أهاجِيّ خرج الحيص بيص لَيْلَة من دَار الْوَزير شرف الدّين ابي الْحسن عَليّ بن طرادٍ الزَّيْنَبِي فنبح عَلَيْهِ جَروُ كلبٍ وَكَانَ متقلّداً سَيْفا فوكزه بعَقب السَّيْف فَمَاتَ فَبلغ ذَلِك ابْن الْفضل الْمَذْكُور فنظم أبياتاً وكتبها فِي ورقة وعلقها فِي عنق كلبة لَهَا أجرٍ ورتب مَعهَا من طَردَها وَأَوْلَادهَا إِلَى بَاب دَار الْوَزير كالمستغيثة فاُخذتِ الورقة من عُنقها وعُرِضَت على الْوَزير فَإِذا هِيَ
يَا أهل بَغْدَاد إنّ الحيصَ بيصَ أَتَىبفعلة أكسبته الخِزي فِي البلدِ
هُوَ الجبانُ الَّذِي أبدى تَشاجُعَهعلى جُرَيّ ضَعِيف الْبَطْش والجلَد
)
وَلَيْسَ فِي يَده مالٌ يَدَيْهِ بِهِوَلم يكن ببواءٍ عَنهُ فِي القَوَد
فأنشدت جعدَةٌ مِن بعدِ مَا احتسبَتدمَ الأُبيلَق عِنْد الْوَاحِد الصَّمد
تَقول للنَّفس تأساءً وتَعزيةًإِحْدَى يَدَيَّ أصابتني وَلم تُرِد
كِلاهما خلَفٌ من فَقدِ صاحبِهِهَذَا أخي حِين أَدعوه وَذَا وَلدي
وَهَذَانِ البيتان تضمينٌ من أَبْيَات الحماسة وَحضر الحَيص بَيص لَيْلَة عِنْد الْوَزير فِي شهر رَمَضَان على السماط فَأخذ ابْن الْفضل قَطاة مشوية وقدمها إِلَى الحيص بيص فَقَالَ الحيص بيص للوزير يَا مَوْلَانَا هَذَا الرجل يُؤْذِينِي فَقَالَ الْوَزير وَكَيف ذَلِك قَالَ لِأَنَّهُ يُشِير إِلَى قَول الشَّاعِر
تَميمٌ بِطرفِ اللؤم أهدَى من القطاوَلَو سَلكَت سَبل المكارم ضَلّت
وَكَانَ الحيص بيص تميميَّا وَدخل ابْن الْفضل يَوْمًا على الْوَزير الْمَذْكُور وَعِنْده الحيص بيص فَقَالَ قد عملتُ بَيْتَيْنِ لَا يُمكن أَن يُعمل لَهما ثالثٌ فَقَالَ الْوَزير وَمَا هما فأنشده
زار الخَيالُ بَخيلاً مِثلَ مُرسلهفَمَا شَفائِيَ مِنْهُ الضَمُّ والقُبَلُ
مَا زارني قَطُّ إلاّ كي يوافقَنيعلى الخيال فينفيه ويَرتحل
فَالْتَفت الْوَزير إِلَى الحيص بيص وَقَالَ مَا تَقول فِي دَعْوَاهُ فَقَالَ إِن أعادهما سمع الْوَزير لَهما ثَالِثا فَقَالَ الْوَزير أعدهما فأعادهما فَوقف الحيص بيص لُحَيظةً ثمَّ قَالَ
وَمَا درَى أَن نومي حيلةٌ نُصِبتلِطَيفِه حِين أَعيا اليَقَظَةَ الحِيَلُ
فَاسْتحْسن الْوَزير مِنْهُ ذَلِك وهجا ابْن الْفضل قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين الزَّيْنَبِي بقصيدة كَافِيَة فسيّر إِلَيْهِ أحد الغلمان فَأحْضرهُ وصفعه وحبسه فطال حَبسُه فَكتب إِلَى مجد الدّين بن الصاحب أُستاذ دَار الْخَلِيفَة
إِلَيْك أظلُّ مجدَ الدّين أَشْكُوبلَاء حَلَّ لستُ لَهُ مُطِيقَا
وقوما بلّغوا عنّي مُحالاًإِلَى قَاضِي الْقُضَاة النّدب شِيقا
فأحضرني بِبَاب الحُكم خَصمٌغليظٌ جرّني كُمّاً وزريقا
وأخفق نعلَهُ بالصَّفع رَأْسِيإِلَى أَن أوجس القلبَ الخَفوقا
على الْخصم الأداءِ وَقد صفِعناإِلَى أَن مَا تهدّينا الطريقا
فيا مولَايَ هَب ذَا الإفكَ حَقًاأيحبَسُ بعد مَا استوفى الحقوقا
)
فَأَطْلقهُ من الْحَبْس فَقَالَ
عِنْد الَّذِي طَرَّفَ بِي أَنهقد غَصَّ من قَدري وَآذَانِي
والجبسُ مَا غيّر لي خاطِراًوالصَّفعُ مَا لَيَّن آذَانِي
وَدخل يَوْمًا على الْوَزير بن هُبَيْرَة وَعِنْده نقيب الْأَشْرَاف وَكَانَ يَنسب إِلَى الْبُخْل وَكَانَ فِي شهر رَمَضَان والحَرّ شديدٌ فَقَالَ لَهُ أَيْن كنتَ فَقَالَ كنت فِي مطبخ سيّدي النَّقِيب فَقَالَ الْوَزير وَيلك فِي شهر رَمَضَان فِي المطبخ فَقَالَ وحياة مَوْلَانَا كسرتُ الحرَّ فَتَبَسَّمَ الْوَزير وَضحك الْحَاضِرُونَ وخجل النَّقِيب وَقصد دَار الأكابر فِي بعض الْأَيَّام فَلم يُؤذَن لَهُ فعزّ عَلَيْهِ فأخرجوا من الدَّار طَعَاما لكلاب الصَّيْد وَهُوَ يُبصره فَقَالَ مَوْلَانَا يعْمل بقول النَّاس لعن الله شَجَرَة لَا تُظِل أهلَها وَلما ولي الزَّيْنَبِي الوزارة دخل ابْن الْفضل والمجلس محتفل بالرؤساء والأعيان فَوقف بَين يَدَيْهِ ودعا لَهُ وَأظْهر السرُور والفرح ورَقَصَ فَقَالَ الْوَزير لبَعض مَن يُفضي إِلَيْهِ بسرّه قبح الله هَذَا الشَّيْخ فَإِنَّهُ يُشير برقصه إِلَى قَوْلهم أرقص للقرد فِي دولته وَقد نظم هَذَا الْمَعْنى وَكتبه إِلَى بعض الرؤساء
يَا كمالَ الدّين الَّذِيهُوَ شخصٌ مُشخَّصُ
والرئيس الَّذِي بِهِذَنَبُ دَهري يُمَحَّص
كلّما قلتُ قد تَبغَهدَدَ قومِي تَحَصَصُوا
وغواشٍ على الرؤس عَلَيْهَا المُقَرنص
والرواشين والمناظر وَالْخَيْل تُقرَص
وَأَنا القِردُ كل يومٍ لِكَلبٍ أُبصبِص
كلُّ مَن صَفَقَ الزمان لَهُ قمتُ أَرقُص
مَحنٌ لَا يُفِيد ذَا النون مِنْهَا التَبرصُص
فَمَتَى أسمع النِداءَ وَقد جَاءَ مخلَّص
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع