من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْهمزَة وَالْألف (٥)
الصفحة ٢ من ٢
عَن بعض الْحفاظ مَا هُوَ أعظم من هَذَا فقد قَرَأَ مجد الدّين الفيروز أبادي صَحِيح مُسلم فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَذكر الْقُسْطَلَانِيّ أَنه قَرَأَ البُخَارِيّ فِي خَمْسَة مجَالِس وَبَعض مجْلِس وَذكر الذَّهَبِيّ أَن الْحَافِظ أَبَا بكر الْخَطِيب قَرَأَ البُخَارِيّ فِي ثَلَاثَة مجَالِس قَالَ وَهَذَا شَيْء لَا أعلم أحدا فِي زَمَاننَا يستطيعه وَالَّذِي فِي تَرْجَمته أَنه قَرَأَهُ فِي خَمْسَة أَيَّام وَأَظنهُ الصَّوَاب انْتهى وَذكر السخاروي أَن شَيْخه الْحَافِظ ابْن حجر قَرَأَ سنَن ابْن مَاجَه فِي أَرْبَعَة مجَالِس وصحيح مُسلم فِي أَرْبَعَة مجَالِس وَكتاب النساي الْكَبِير فِي عشرَة مجَالِس كل مجْلِس نَحْو أَربع سَاعَات وَمجمع الطَّبَرَانِيّ الصَّغِير فِي مجْلِس وَاحِد بَين الظّهْر وَالْعصر وَهَذَا أسْرع مَا وَقع لَهُ وَفِي تَارِيخ الْخَطِيب أَن إِسْمَاعِيل ابْن أَحْمد النَّيْسَابُورِي قَرَأَ البُخَارِيّ فِي ثَلَاثَة مجَالِس يبتدي من الْمغرب وَيقطع القرأءة وَقت الْفجْر وَمن الضُّحَى إِلَى الْمغرب وَالثَّالِث من الْمغرب إِلَى الْفجْر وَحكى أَن حَافظ الْمغرب العبدوسي قَرَأَ البُخَارِيّ بِلَفْظِهِ أَيَّام الإستسقاء فِي يَوْم وَاحِد قَالَ وَكَانَ الْوَالِد يجمع جمَاعَة يسبحون ألف تَسْبِيحَة يهديها لبَعض الْأَمْوَات ويهللون سبعين ألف تَهْلِيلَة يهديها لبَعْضهِم وَكَانَ أهل تريم يعتنون بِهَذَا ويوصي بَعضهم بِمَال لذَلِك وَكَانَ هُوَ المتصدي لذَلِك والقائم بِهِ وَهَذَا الْمَذْكُور تداوله الصُّوفِيَّة قَدِيما وحديثا وَأوصى بَعضهم بالمحافظة عَلَيْهِ وَذكروا الله تَعَالَى يعْتق بِهِ رَقَبَة من أهْدى لَهُ وَأَنه ورد فِي الحَدِيث وَذكر الإِمَام الرَّافِعِيّ أَن شَابًّا كَانَ من أهل الْكَشْف مَاتَت أمه فَبكى وَصَاح فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ أَن أُمِّي ذَهَبُوا بهَا إِلَى النَّار وَكَانَ بعض الإخوان حَاضرا فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي قد هللت سبعين ألف تَهْلِيلَة وَإِنِّي أشهدك إِنِّي قد أَهْدَيْتهَا الْأُم هَذَا الشَّاب فَقَالَ أخرجُوا أُمِّي من النَّار وأدخلوها الْجنَّة قَالَ الْمهْدي الْمَذْكُور فَحصل لي صدق الْخَبَر وَصدق كشف الشَّاب وَلَكِن قَالَ ابْن حجر أَن الْخَبَر الْمَذْكُور وَهُوَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله سبعين ألفا فقد اشْترى نَفسه من النَّار بَاطِل مَوْضُوع قَالَ الْحَافِظ النَّجْم الغيطي لَكِن يَنْبَغِي للشَّخْص أَن يفعل ذَلِك اقْتِدَاء بالسادة الصُّوفِيَّة وامتثالا لأقوال من أوصى بِهِ وتبركا بأفعالهم وَقد ذكره الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَيِّدي مُحَمَّد بن عراق فِي بعض رسائله قَالَ وَكَانَ شَيْخه يَأْمر بِهِ وَإِن بعض إخوانه يهلل السّبْعين ألف مَا بَين الْفجْر وطلوع الشَّمْس قَالَ وَهَذِه كَرَامَة من الله تَعَالَى وَأما التَّسْبِيح فَلهُ أصل فقد أخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط والخرائطي عَن ابْن عَبَّاس أَنه
قَالَ من قَالَ إِذا أصبح سُبْحَانَ الله
وَبِحَمْدِهِ ألف مرّة فقد اشْترى نَفسه من الله وَكَانَ آخر يَوْمه عَتيق الله قَالَ النَّجْم الغيطي وَهَذِه فَائِدَة عَظِيمَة فَيَنْبَغِي أَن يحافظ عَلَيْهَا قَالَ وَكَانَ الْوَالِد لَهُ اعتناء تَامّ بِالذكر لَا سِيمَا راءة الْقُرْآن وَكَانَ يتهجد وَيُصلي الْوتر مَعَ مقدمته كل لَيْلَة ثَلَاث عشرَة رَكْعَة وَكَانَ يحث أَصْحَابه على التَّهَجُّد وَكَانَ يَقُول تعود الْقيام آخر اللَّيْل وَلَو أَنَّك تلعب وَكَانَ يعسر عَلَيْهِ الصَّوْم فَلَا يَصُوم إِلَّا رَمَضَان وَرُبمَا صَامَ سِتا من شَوَّال قَالَ بعض الْعلمَاء وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا لحدة ذهنه فَكَانَ لَا يُطيق الصَّوْم وَكَانَ يجتزي باليسير من الْغذَاء وَمن الملبس وَمن الملاذ الدُّنْيَوِيَّة كثير التقشف طارحاً للتكلف كثير الِاحْتِمَال وَكَانَ يُؤثر الْعُزْلَة على الِاجْتِمَاع وَكَانَ كثير الشَّفَقَة على أَصْحَابه كثير الاعتناء بأقاربه مبالغاً فِي تَعْظِيم الْعلمَاء والأولياء وَكَانَ يكره الْمَدْح فِي المراسلات والمكاتبات وَكَانَ لَا يحب إِظْهَار الكرامات ويتأذى من خرق الْعَادَات وَكَانَ إِذا دَعَا لأحد بِشَيْء اسْتَجَابَ الله دعاءه وَإِذا توسل بِهِ أحد مِمَّن يَعْتَقِدهُ إِلَى الله تَعَالَى حصل لَهُ مُرَاده وَمَا عَادَاهُ أحد إِلَّا رَجَعَ وَاعْتذر إِلَيْهِ وَمَا مكر بِهِ أحد إِلَّا رَجَعَ مكره عَلَيْهِ قَالَ وَلَده وَمِمَّا وَقع لي مَعَه أَنِّي كنت أرى أَنه يطلع على مَا يصدر مني حَال غيبتي عَنهُ فَإِذا اشتغلت بِطَاعَة قابلني بِوَجْه مسرور وَإِذا اشتغلت بلعب قابلني بضد الْمَذْكُور وَلما شاورته فِي السّفر إِلَى الْهِنْد قَالَ أرى أَن الْمدَّة قرب انقضاؤها وَكنت أود أَنَّك تحضر وفاتي فَقلت أَتَخَلَّف عَن السّفر فَقَالَ سَافر فَأَنت فِي وَدِيعَة الله تَعَالَى وَمَا أَرَادَهُ سَيكون وَكَانَ الْأَمر كَمَا ذكر فَكَانَ انْتِقَاله لخمس بَقينَ من صفر سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف وَقبض وَهُوَ جَالس محتب بالحبوة فِي دهليز ذاره الَّتِي بِالْقربِ من مَسْجِد بني علوي من غير مرض ظَاهر بل كَانَ يشتكي صَدره فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه مِمَّن لَهُ اعتناء بالطب دواك كَذَا وَكَذَا فَقَالَ لَهُ هَذَا دَاء عضال مشْعر بالارتحال وانتقل قبل الْعَصْر وَشَكوا فِي مَوته فبيتوه فِي دَاره وَبَات النَّاس يقرؤن عَلَيْهِ وصلوا صبح ثَانِي يَوْم فِي الْجَبانَة وَدفن بمقبرة زنبل فِي الْقَبْر الملاصق لوالده رَحمَه الله تَعَالَى وَآل باعلوي منسوبون إِلَى علوي وَهَذِه النِّسْبَة وَإِن لم تكن من وضع الْعَرَبيَّة لَكِنَّهَا مَعْرُوفَة لأهل الديار الحضرموتية فَإِنَّهُم يلزمون الكنية الْألف بِكُل حَال على لُغَة الْقصر فَيَقُولُونَ لبني علوي باعلوي ولبني حسن باحسن ولبني حُسَيْن باحسين وعلوي هُوَ ابْن عبيد الله بن أَحْمد بن عِيسَى فَإِنَّهُ جدهم الْأَكْبَر الْجَامِع لنسبهم ونسبهم مجمع عَلَيْهِ أهل التَّحْقِيق وَقد اعتنى ببيانه جمع كثير من الْعلمَاء
وَذكر بَعضهم أَن السَّادة بني علوي لما اسْتَقر وابحضرموت أَرَادَ بعض أَئِمَّة ذَلِك الزَّمَان أَن يُؤَكد تِلْكَ النِّسْبَة المحمدية فَطلب مِنْهُم تَصْحِيح نسبهم بِحجَّة شَرْعِيَّة فسافر الإِمَام الْحَافِظ الْمُجْتَهد أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن جَدِيد إِلَى الْعرَاق وَأثبت نسبهم وَأشْهد على ذَلِك نَحْو مائَة عدل مِمَّن يُرِيد الْحَج ثمَّ أثبت ذَلِك بِمَكَّة وَأشْهد على ذَلِك جَمِيع من حج من أهل حَضرمَوْت فَقدم هَؤُلَاءِ الشُّهُود فِي يَوْم مشهود وشهدوا بِثُبُوت نسبهم فَعِنْدَ ذَلِك انقشعت سحب الأوهام وتبلجت غرَّة الشّرف وأميط عَنْهَا عَنْهَا اللثام وَلَقَد أحسن من قَالَ
وجحود من جحد الصَّباح إِذا بدامن بعد مَا انتشرت لَهُ الأضواء
مَا ذَاك أَن الشَّمْس لَيْسَ بطالعبل أَن عَنَّا أنْكرت عمياء
وجديد الْمَذْكُور بِفَتْح الْجِيم ودالين مهملتين بَينهمَا تحتية أَخُو علوي الْمَذْكُور وَله أَخ آخر شَقِيق اسْمه بصرى كَانَا إمامين عَالمين أفرد ترجمتهما بالتأليف وَلَهُمَا ذُرِّيَّة اشْتهر مِنْهُم جمَاعَة بالعلوم وَتُوفِّي الثَّلَاثَة بقرية سمل بِضَم الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَهِي على نَحْو سِتَّة أَمْيَال من مَدِينَة تريم سميت باسم الَّذِي اختطها وَلَا يعرف الْآن إِلَّا قبر علوي وَقيل إِن جَدِيدا انْتقل بِبَيْت جُبَير وَكَانَت رياسة الْعلم وَالْفضل لبني بصرى ثمَّ انقرضوا فِي أثْنَاء الْقرن السَّادِس وانتقلت الرياسة لبني جَدِيد بن عبد الله ثمَّ انقرضوا على رَأس السَّادِسَة واختص الذّكر المخلد ببني علوي فطبقوا الأَرْض وَعم نفعهم الطول وَالْعرض ذكرهم بَاقٍ على صفحات الزَّمَان مَعْلُوم عِنْد القاصي والدان وتوطنهم حَضرمَوْت إِن الله تَعَالَى لما أَرَادَ بِأَهْلِهَا خير أهْدى إِلَيْهِم السَّيِّد الْمَذْكُور فاستقر بهَا هُوَ وَأَهله ومواليه قاطبة وتدبرها وَكَانَ سَبَب هِجْرَة جدهم أَحْمد بن عِيسَى من الْبَصْرَة وَمَا والاها من الْبِلَاد مَا حصل بهَا من الْفِتَن والأهوال حَتَّى وَجَبت الْهِجْرَة مِنْهَا فَهَاجَرَ مِنْهَا سنة سبع عشرَة وثلثمائة وسافر مَعَه وَلَده عبد الله لصغره وتخلف وَلَده مُحَمَّد على أَمْوَاله وَاسْتمرّ مُحَمَّد بِالْبَصْرَةِ إِلَى أَن توفّي بهَا وارتحل مَعَ الإِمَام أَحْمد من بني عَمه اثْنَان أَحدهمَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبيد بن عِيسَى ابْن علوي بن مُحَمَّد حمحام بن عون بن مُوسَى الكاظم جد السَّادة بني الأهدل وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِم وَالثَّانِي جد السَّادة بني قديم بِضَم الْقَاف مُصَغرًا وَسَيَأْتِي ذكر جمَاعَة مِنْهُم وتوطن جد السَّادة المهادلة السَّيِّد الْكَبِير جد بني قديم بوادي سردد بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَضم الدَّال الْمُهْملَة المكررة وَهَذَانِ الواديان مشهوران بِالْيمن خرج
مِنْهَا كَثِيرُونَ اشتهروا بِالْفَضْلِ وَالْولَايَة وَقد ألف الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد بن أبي بكر الأشحر رِسَالَة سَمَّاهَا در السمطين فِيمَن بوادي سردد من ذُرِّيَّة السبطين فَقَالَ جملَة آيَات ثمَّ قدم يَعْنِي أَحْمد بن عِيسَى الْمَدِينَة وَأقَام بهَا ذَلِك الْعَام وَفِي هَذِه السّنة دخل أَبُو طَاهِر بن أبي سعيد القرمطي مَكَّة بعسكره يَوْم التَّرويَة وَالنَّاس حول الْكَعْبَة مَا بَين مصل وطائف ومشاهد فَدخل الْمَسْجِد الْحَرَام بفرسه وركض بِسَيْفِهِ وَهُوَ سَكرَان وَوضع هُوَ وجماعته السَّيْف وَقتلُوا فِي المطاف ألفا وَسَبْعمائة ورموا بهم فِي بِئْر زَمْزَم وَقتلُوا خَارج الْمَسْجِد أَكثر من ثَلَاثِينَ ألفا وملؤا بهم الْآبَار والحفر ونهبوا الديار وَسبوا الصغار وَأخذُوا خزانَة الْكَعْبَة وَمَا فِيهَا من الْقَنَادِيل وَالْكِسْوَة وَالْبَاب وَقسم ذَلِك بَين أَصْحَابه وطلع على الْبَاب وَأنْشد
أَنا بِاللَّه وَبِاللَّهِ أَنايخلق الْخلق وأفنيهم أَنا
وَلم يسلم إِلَّا من اختفى فِي الْجبَال وَلم يقف بِعَرَفَة ذَلِك الْعَام إِلَّا قَلِيل وَأمر بقلع الْمِيزَاب فطلع الْكَعْبَة رجل فأصيب بِسَهْم من أبي قبيس فَخر مَيتا وطلع آخر فَسقط مَيتا فهابوا فَقَالَ أَبُو طَاهِر اتركوه حَتَّى يَأْتِي صَاحبه يَعْنِي الْمهْدي الَّذِي يزْعم أَنه مِنْهُم وَأَرَادَ أَخذ الْمقَام فَلم يظفر بِهِ لِأَن سدنته غيبوه ف يبعض الشعاب وَصَارَ بزندقته يَقُول
فَلَو كَانَ هَذَا الْبَيْت لله رَبنَالصب علينا من النَّار من فَوْقنَا صبا
لانا حجَجنَا حجَّة جَاهِلِيَّةمُجَللَة لم تبْق شرقاً وَلَا غربا
وَإِنَّا تركنَا بَين زَمْزَم والصفاجنائز لَا تبغي سوى رَبهَا رَبًّا
وَيُقَال إِن عسكره سَبْعمِائة نفس فَلم يطق أحد رده خذلاناً من الله تَعَالَى وَحمل الْحجر الْأسود مَعَه يُرِيد أَن يحول الْحَج إِلَى بَيت بناه فِي هجر وخطب لعبد الله الْمهْدي أول الْخُلَفَاء العبيديين الفاطميين وَكَانَ أول ظُهُوره وَكتب بذلك إِلَى عبد الله فَكتب جَوَابه أَن أعجب الْعجب إرسالك بكتبك إِلَيْنَا ممتناً بِمَا ارتكبت فِي بلد الله الْأمين من انتهاك حُرْمَة بَيت الله الْحَرَام الَّذِي لم يزل مُحْتَرما فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وسفكت فِيهَا دِمَاء الْمُسلمين وفتكت بالحجاج والمعتمرين وتجرأت على بَيت الله تَعَالَى وقلعت الْجَرّ الْأسود الَّذِي هُوَ يَمِين الله فِي أرضه يُصَافح بِهِ عباده وَحَمَلته إِلَى مَنْزِلك ورجوت أَن أشكرك على ذَلِك فلعنك الله ثمَّ لعنك الله وَالسَّلَام على من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده وَقدم فِي يَوْمه مَا ينجو بِهِ فِي غده فَلَمَّا وصل إِلَى القرمطي انحرف عَن طَاعَته وَبعد عود القرمطي إِلَى هجر رَمَاه الله فِي جسده بداء حَتَّى
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع