تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْحَاء الْمُهْملَة (٩)

وَهَذَا معنى مبتكر جيد إِلَى الْغَايَة ثمَّ رَاجعه الخياري عَنهُ بقوله

أيا فَاضلا أبدي لنا فِي نظامهلطيف اعتذار سكن الشوق والوجدا
وأشفى بلقياه مَرِيض بعادهوَقد كَانَ أشفى للبعاد وَمَا أودى
فصان لَهُ الْعَرْش مقلته الَّتِيترى كل معنى دق عَن فهمنا جدا
لَئِن كحلت بالظرف قد أسكرت بِمَاأدارته من مقلوب أحداقها شَهدا
فَإِن ترني أشتاق خمرة قرقففأطلبها سَهوا وأتركها عمدا

وَكنت فِي أَيَّام الصِّبَا تلقيت عَنهُ بعض مَعْلُومَات لاتصال شَدِيد كَانَ بَينه وَبَين وَالِدي رحمهمَا الله تَعَالَى واستجزته فأجازني بمروياته وَأَخْبرنِي أَن وِلَادَته كَانَت فِي سنة ثَمَانِي عشرَة بعد الْألف وَتُوفِّي نَهَار الْجُمُعَة سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَتِسْعين وَألف وَدفن بسفح قاسيون

حُسَيْن بن مشيخ الْمَعْرُوف بالقاطر وَمَعْنَاهُ الْبَغْل نزيل دمشق وَكَانَ فَقِيها عَارِفًا بِأُمُور النَّاس صَاحب دربة وَكَانَ يعرف اللِّسَان الْفَارِسِي والتركي والبوسنوي وَلما ورد دمشق وتوطنها تعلم اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة عمره وَتزَوج بِإِحْدَى ابْنَتي أبي الْمَعَالِي درويش مُحَمَّد الطالوي مفتي دمشق وَسكن فِي قاعته بمحلة التَّعْدِيل هُوَ وعديله على الشاطر وَفِيهِمَا يَقُول الْحسن البوريني يُخَاطب القاعة الْمَذْكُورَة

يَا قاعة لَيْسَ لَهَا من شبهيجلى بهَا النَّاظر والخاطر
فَارقهَا من كَانَ أَهلا لَهَاوحلها الشاطر والقاطر

وَولي حُسَيْن النِّيَابَة بِدِمَشْق وحمدت سيرته وَكَانَت وَفَاته فِي خَامِس عشرى ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَخلف مَالا كثيرا وولدين أَحدهمَا زَكَرِيَّا وَالْآخر درويش مُحَمَّد وَسَيَأْتِي كل مِنْهُمَا فِي مَحَله

حُسَيْن أَفَنْدِي بن مصطفى بن حسن الْمَعْرُوف بِابْن قرنق الدِّمَشْقِي مُفْرد وقته فِي محَاسِن الشيم وكرم الطَّبْع والمهارة فِي الْعُلُوم الغريبة مثل الطلسمات والنيرنجيات والأعمال العجيبة وَأخذ هَذِه الْعُلُوم عَن الشَّيْخ المفنن سيف الدّين الصّباغ وَكَانَ سيف الدّين الْمَذْكُور أحد أَعَاجِيب الدُّنْيَا فِي هَذِه الْعُلُوم وَإِلَيْهِ النِّهَايَة فِيهَا وحَدثني بعض من لَقيته عَن حسن أَنه كَانَ يَقُول كَانَ أستاذي يَعْنِي الشَّيْخ سيف الدّين الْمَذْكُور أَشَارَ إِلَيّ بِطَلَب الإستخدام وَأَمرَنِي برياضة أَرْبَعِينَ شهرا وخلوة أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَمَّا أكملتها خرجت إِلَى حَيَّة عَظِيمَة فابتلعتني وَأَنا أتلو الْأَسْمَاء حَتَّى وصلت فِي جوفها إِلَى عِنْد فِي فَعندهَا ضَاقَ فِي نَفسِي فَتركت الْأَسْمَاء فأخرجتني ثمَّ ظَهرت لي فِي صُورَة امْرَأَة حسناء وشرعت فِي توبيخي على تركي الْأَسْمَاء وَحصل لي مِنْهَا ضَرَر عَظِيم مَنَعَنِي النُّطْق وَأدّى إِلَى اختلال وَجْهي وَفِي فَحَضَرَ عِنْدِي الْأُسْتَاذ وَأصْلح مني مَا كَانَ اخْتَلَّ وَكَانَ يلومني بعد ذَلِك على تركي الْأَسْمَاء وَكَانَ كثير الاعتناء بشيخة الْمَذْكُور بِنَقْل عَنهُ احوالا غَرِيبَة ووقائع عَجِيبَة وَمِمَّا حدث بِهِ عَنهُ

فِي بعض محاضراته أَن الشَّيْخ سيف الدّين قصد يَوْمًا التَّنَزُّه فصحبه هُوَ ورفيقان من طلبته حَتَّى انْتَهوا إِلَى جَامع يلبغا فتفقدوا بعض دَرَاهِم لأجل نَفَقَة الْيَوْم فَلم يَجدوا مَعَهم شَيْئا فَلَمَّا فطن الشَّيْخ بهم قَالَ لحسين أَنا أُعْطِيك نَفَقَة الْيَوْم ثمَّ جَاءَ إِلَى رخامة فِي الْجَامِع وَخط عَلَيْهَا دَائِرَة ثمَّ قَالَ لَهُ اسحب فسحب شريطا من ذهب حَتَّى انْتهى إِلَى مِقْدَار ثمَّ قطعه وَقَالَ لَهُ اذْهَبْ بِعْهُ وأتنا بِثمنِهِ قَالَ فَذَهَبت ووزنتته فجَاء وَزنه تِسْعَة مَثَاقِيل فأنقدت ثمنه ثمَّ أَتَيْته فَقَالَ لي اصرف مِنْهُ مِقْدَار كفايتنا وَالْبَاقِي دَعه مَعَك تنْتَفع لَهُ وَحدث أَن الشَّيْخ سيف الدّين كَانَ مستخدما كَمَا سلف قَالَ وَكنت يَوْمًا جَالِسا فَجَاءَنِي مِنْهُ رَسُول يناديني إِلَيْهِ فصحبته وَأَنا ذَاهِب فِي الطَّرِيق وَكنت إِذْ ذَاك مشتغلا بِتِلَاوَة الْأَسْمَاء فشرعت فِي تلاوتها فرأيته يتباعد عني فناديته وتكررت التِّلَاوَة مني والتباعد مِنْهُ فَقلت لَهُ مَالك تتباعد عي فَقَالَ لَا أقدر على الْقرب مِنْك وَأَنت تتلو هَذِه الْأَسْمَاء ففطنت بِهِ قَالَ وَلما اجْتمعت بالشيخ قلت أما كَانَ عنْدك رَسُول من الْأنس حى أرْسلت لي هَذَا فَأَجَابَنِي أَو تعرف إِن لي خدمَة غير هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْجِنّ وَبعد وَفَاة شَيْخه الْمَذْكُور انْفَرد هُوَ بِدِمَشْق بِمَعْرِِفَة هَذَا الْفَنّ وامتحن مَرَّات وَكَانَ من جملَة ذخائره فِي هَذِه الصِّنَاعَة مرْآة إِذا أبهم عَلَيْهِ أَمر يُعْطِيهَا لآحد جُلَسَائِهِ ينظر فِيهَا وَيَتْلُو هُوَ إسما فَيرى النَّاظر فِيهَا الْمَطْلُوب على كَيْفيَّة تنْتج مَعْرفَته حَتَّى يبْقى كَأَنَّهُ مشَاهد فيخبره بِهِ النَّاظر فيشرع فِي تَحْصِيله وَمن أغرب مَا سمعته عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب أحد قُضَاة دمشق كَانَ لَهُ أَخ فِي الرّوم وكا بهَا أحد الصُّدُور فَغَضب عَلَيْهِ السُّلْطَان وعزله عَن منصبه ونفاه عَن دَار السلطنة فَلَمَّا وصل خبر ذَلِك إِلَى أَخِيه قَاضِي دمشق ظن أَنه قتل وَحصل لَهُ من الْأَلَم مَا مَنعه الهجوع فاستدعى صَاحب التَّرْجَمَة وَطلب مِنْهُ النّظر فِي حَال أَخِيه فَظهر فِي الْمرْآة مَكَانَهُ وهيئته وَذكر أَنه مُرْسل إِلَى أَخِيه القَاضِي مَكْتُوبًا وَبَين عدد أسطره وَيَوْم وُصُوله فَطلب مِنْهُ قِرَاءَته فَكَانَ النَّاظر فِي الْمرْآة يملي عَلَيْهِ وَهُوَ يكْتب إِلَى أَن انْتهى وَاتفقَ مَجِيء الْمَكْتُوب فِي الْيَوْم الَّذِي عينه فقوبل على النُّسْخَة الَّتِي كتبت فَلم يزود وَلم ينقص وَهَذِه الْوَاقِعَة من أغرب مَا سمعته وَقد رزق من الْحَظ والإقبال فِي أُمُوره نَصِيبا وافرا وَتَوَلَّى المناصب السامية وانعقدت عَلَيْهِ صدارة دمشق وتملك الْأَمْلَاك الْكَثِيرَة وَعمر الْأَمَاكِن البهية من جُمْلَتهَا قصره وقاعته بالصالحية وَهُوَ أبهى مَكَان بهَا وَقد قَالَ فِيهِ مفتي الشَّام الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد بن المهمندار مؤرخا عَام بنائِهِ بقوله

لقد شيد الشهم الْحُسَيْن الَّذِي لَهُمآثر مجد لَا يُحِيط بهَا عد
بِنَاء إِلَى أعلا السماكين أَرخُواهِيَ القاعة الحسنا لطالعها السعد

وَذَلِكَ سنة سبع وَسبعين والف وَولي بِدِمَشْق منصب الْمُقَابلَة والمحاسبة وتولية الْحَرَمَيْنِ المصريين والسليمانية والسليمية والصابونية وَالْجَامِع الْأمَوِي وكوجك أَحْمد باشا وَبَلغت سفراته إِلَى الرّوم الْعشْرين وَحج فِي سنة خمس وَخمسين وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وَتُوفِّي فِي تِلْكَ السّنة أَمِير الْحَاج يُوسُف باشا فِي الطَّرِيق فاختاره أَعْيَان الْحجَّاج أَن يكون أَمِيرا فباشرها وسلك مسلكا حسنا وسافر إِلَى الرّوم بعد ذَلِك وَأَخذه مقاطعة بعلبك واقتنى من العبيد والجواري والأحفاد مَا لَا يحصر وَبلغ من الْعِزّ والرفعة مبلغا عَظِيما ثمَّ تنزل فِي آخر أمره وَفرع عَن جَهَالَة وَبَاعَ بعض عقاراته وابتلى بأمراض مهولة وَاسْتمرّ بهَا إِلَى إِن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي الْمحرم سنة تسعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى

المنلا حُسَيْن بن نَاصِر بن حسن بن مُحَمَّد بن نَاصِر بن الشَّيْخ القطب الرباني شهَاب الدّين الْأَشْقَر الْعقيلِيّ الْحَمَوِيّ جد صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله لامه وَكَانَ عَالما فهامة جَامعا لأنواع الْفُنُون ولد بحماة وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن أكَابِر شيوخها كالسيد عمر بن عَسْكَر وَالشَّيْخ نجم الدّين الْحِجَازِي وَغَيرهمَا من الائمة الْأَعْلَام وَأَجَازَهُ شُيُوخه وَتَوَلَّى بحماة الْمدرسَة الجلدكية واشتهر بِالْعلمِ وَالْفضل ثمَّ رَحل بأَهْله إِلَى دمشق وتوطنها وَأخذ بهَا عَن أكَابِر الْأَعْيَان كالنجم الْعزي وَغَيره ورحل إِلَى مصر وَأخذ بهَا عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَغَيره وَكَانَ حسن الْخلق والخلق جميل الذّكر صافي الْقلب والفكر صَالحا خيرا متواضعا عَالما عَاملا مشتغلا بِالْعلمِ والإفادة مكبا على المطالعة ملازما للطاعات وَكتب بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة وَجمع مجاميع لَطِيفَة وَله أشعار بديعة وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس بِالْقربِ من قبر أبي شامة رَحمَه الله تَعَالَى

الْأَمِير حُسَيْن بن يُوسُف بن سَيْفا الْأَمِير بن الْأَمِير ولي فِي حَيَاة وَالِده كَفَالَة طرابلس الشَّام ثمَّ عزل عَنْهَا ثمَّ ولي كَفَالَة الرها ثمَّ تَركهَا من غير عزل وَقدم حلب وكافلها مُحَمَّد باشا قُرَّة قاش فَحَضَرَ الْأَمِير حُسَيْن لَدَيْهِ مُسلما عَلَيْهِ فَأكْرمه واحترمه ثمَّ دَعَاهُ إِلَى وَلِيمَة فجَاء مَعَ جمَاعَة قَليلَة فاحتاطت بِهِ جمَاعَة قُرَّة قاش وَأمرهمْ أستاذهم بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فمسكوه ورفعوه إِلَى القلعة مسجونا وَوضع فِي مَسْجِد الْمقَام

يحْتَاط بِهِ الحرسة فَبعث قره قاش إِلَى السُّلْطَان يُخبرهُ بذلك وَبلغ وَالِده الْخَبَر فَبعث جماعته ووعد السُّلْطَان بِمِائَة ألف قِرْش إِن عَفا عَنهُ فَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك وَبعث أمرا بقتْله فجَاء الجلاد فَقَالَ بقلب جرى وجنان قوي أيليق أَن أكون من الباشوات ويقتلني الجلاد ثمَّ إِنَّه أَشَارَ ألى رجل مُعظم من أَتبَاع قُرَّة قاش أَن يقْتله وَقَالَ لَهُ اصبر عَليّ حَتَّى أكتب مَكْتُوبًا إِلَى وَالِدي وأوصيه بعض وَصَايَا فَكتب ورقة أوصاه بأولاده وَعَزاهُ فِي نَفسه ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ واستغفر الله وَقَالَ رب إِنِّي ظلمت نَفسِي وعملت سوءا بِجَهَالَة فتب عَليّ أَنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم وَوضع مُحرمَة نَفسه فِي عُنُقه وَأمر ذَلِك الرجل بخنقه وَبكى عَلَيْهِ جمَاعَة كَثِيرَة لحسنه وَكَونه شَابًّا وَكَانَ شجاعا بطلا إِلَّا أَنه كَانَ يُبَالغ فِي ظلم الْعباد ثمَّ أخرجت أمعاؤه ودفنت بتربة القلعيين وَصَبَرت جثته وَأرْسلت إِلَى وَالِده فَاسْتَقْبلهَا النِّسَاء وَالرِّجَال بالبكاء والصراخ وَالْوَيْل وَالثُّبُور وَصَارَ يَوْم دُخُوله كَيَوْم مقتل الْحُسَيْن وَقَالَت الغواني فِيهِ المراثي يضر بن وَقت إنشاد إِشْعَار مَقْتَله بالدف بِصَوْت خزين حكى قره قاش إِنِّي كنت فِي خدمَة السُّلْطَان أَحْمد وَقد خرج إِلَى الصَّيْد فعرضوا عَلَيْهِ طيور الصَّيْد ثمَّ جاؤه بطير عَظِيم لَا نَظِير لَهُ فتعجب مِنْهُ وَقَالَ من بعث هَذَا قَالُوا عَبدك حُسَيْن باشا ابْن سَيْفا أَمِير الامراء بطرابلس فَقَالَ السُّلْطَان آه آه آه من خِيَانَة مماليكي الْأَمر لله إِلَى هَذَا الْحِين هَذَا الْكَافِر بِالْحَيَاةِ فأسرها قره قاش فِي نَفسه وصاده بطيره وَكَانَ قَتله فِي أَربع عشرى شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وعمره قريب من الثَّلَاثِينَ رَحمَه الله تَعَالَى

حُسَيْن الكفوي أحد موَالِي الرّوم الْمَشْهُورين بِالْفَضْلِ والبراعة ذكره ابْن نَوْعي واثنى عَلَيْهِ كثيرا ثمَّ قَالَ قدم إِلَى قسطنطينية وَلزِمَ دَاوُد زَاده قَاضِي الْمَدِينَة ولازم مِنْهُ ودرس إِلَى أَن وصل إِلَى الْمدرسَة السلمانية ثمَّ ولى مِنْهَا قَضَاء الْقُدس فِي شعْبَان سنة سبع بعد الْألف ثمَّ وَجه إِلَيْهِ قَضَاء مَكَّة فِي شَوَّال سنة ثَمَان بعد الْألف ثمَّ عزل فِي صفر من سنة عشرَة وَكَانَ صَاحب لطائف وفضائل وَهُوَ أنبل ارباب المعارف فِي عصره لم تزل لطائفه متداولة وأشعاره وآثاره شائعة وَمن تأليفاته الجليلة تعليقاته على البُخَارِيّ وَمُسلم وَشرح الكلستان بالتركية يتَعَرَّض فِيهِ لشارحيه سروري وشمعي وَله كتاب قَالَ نامه يذكر فِيهِ غرائب وقائع وَقعت لمن تفائل بِالْقُرْآنِ وديوان حَافظ وَغَيرهمَا وَهُوَ أثر لطيف رَأَيْته وطالعته ونقلت مِنْهُ أَشْيَاء

فَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ عَن قطب العارفين يَعْقُوب الجرخي انه ذكر فِي بعض مصنفاته أَن الْعِنَايَة الإلهية ساقته إِلَى خذمة الخوجة بهاء الدّين نقشبند قَالَ فَرَأَيْت من كرمه إِلَيْهِم غَايَة الِالْتِفَات وَظهر لي انه من خَواص الْأَوْلِيَاء وَأَنه كَامِل مكمل فتفاءلت فِي شَأْنه من الْمُصحف فورد قَوْله تَعَالَى اولئك الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده وَحكى انه لما توفّي الْمولى سِنَان محشي الْبَيْضَاوِيّ وَالْهِدَايَة أَخذ بعض أَرْبَاب الْقُلُوب الْمُصحف وتفاءل فِيهِ على حسب مَال الْمولى سِنَان فورد قَوْله تَعَالَى وَلَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين وَحكى عَن نَفسه قَالَ كنت عزمت على الرحلة من بلدتي الكفة فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ أَنا ووالدتي لَكِن ترددت هَل اذْهَبْ بحرا أَو برا وتشعبت فِي المخيلة وساوس الْخَوْف من الْغَرق أَو كَثْرَة التَّعَب فتفاءلت من الْقُرْآن فورد قَوْله تَعَالَى قَالَ لَا تخافا إِنَّنِي مَعَكُمَا اسْمَع وَأرى ثمَّ أعقبت ذَلِك بتفاؤل آخر فورد ألم تَرَ أَن الله سخر لكم مَا فِي الأَرْض والفلك تجْرِي فِي الْبَحْر بأَمْره فتيمنت بالفال وركبنا الْبَحْر فوصلنا سَالِمين بعون الله تَعَالَى وَحكى أَن الْمولى مَعْرُوف أحد الموَالِي الْعِظَام الأخيار قَالَ رَأَيْت لَيْلَة رُؤْيا عَظِيمَة سررت بهَا كثيرا فَلَمَّا استيقظت أخذت أفكر فِيهَا هَل هِيَ من قبل الرَّحْمَن أَو من جَانب الشَّيْطَان فتفاءلت فِي الْجَامِع الصَّغِير للسيوطي فورد قَوْله

رُؤْيا الْمُؤمن الصَّالح بشرى من الله وَهِي جُزْء من خمسين جُزْءا من النُّبُوَّة انْتهى وَكَانَ وَقع بَينه وَبَين نكسارى زَاده محاورى ألف فِيهَا رِسَالَة وَطعن عَلَيْهِ فِيهَا وَكَانَ فِي علم الموسيقى نِهَايَة وَله أغان ربطها مَقْبُولَة متداولة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى

السَّيِّد حُسَيْن الْحُسَيْنِي الخلخالي أحد مشاهير الْمُحَقِّقين وَالْعُلَمَاء العاملين أَخذ عَن الْعَلامَة حبيب الله الشهير بمرزاجان الشيزاري وَكثير وَعنهُ أَخذ عبد الْكَرِيم بن سُلَيْمَان بن عبد الْوَهَّاب الكوراني وَله مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا إِثْبَات الْوَاجِب وحاشية على حَاشِيَة العصام عَليّ الْبَيْضَاوِيّ توفّي فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف من تحريرات الْأُسْتَاذ الباهر امام التَّحْقِيق الملا إِبْرَاهِيم بن حسن الْكرْدِي نزيل الْمَدِينَة المنورة رَحمَه الله تَعَالَى

الْمولى حُسَيْن الشهير بالجنجي قَاضِي الْعَسْكَر فِي دولة السُّلْطَان إِبْرَاهِيم ولد بِمَدِينَة بور لي الزَّعْفَرَان وَكَانَ أَبوهُ من آحَاد الْمَشَايِخ بهَا فاخذ عَنهُ بعض عزائم وأدعية وَدخل قسطنطينية وتلمذ بهَا للْمولى شيخ مُحَمَّد الْمَعْرُوف حسن زَاده وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره تبدو

مِنْهُ بَوَادِر بِأَنَّهُ سيصير صَاحب مرتبَة وجاه فيعجب مِنْهُ من يسمعهُ وَرُبمَا سخر وامنه وَاتفقَ أَن السُّلْطَان إِبْرَاهِيم طلب أَن يرْزق ولدا فَكَانَ يستدعى من مَشَايِخ وقته وأطبائه أدعيتهم ومعالجاتهم وَلِهَذَا كَانَ كل من عرف شخصا يتوسم فِيهِ الصّلاح أَو معرفَة الطِّبّ أَو العزائم يَسُوقهُ إِلَى طرف السلطنة وَكَانَت وَالِدَة صَاحب التَّرْجَمَة تعرف رجلا من مقربي السُّلْطَان فَذكرت لَهُ أَنه يعرف بعض العزائم فَلَمَّا بلغ خَبره إِلَى السُّلْطَان استحضره فَقَرَأَ شَيْئا من عَزَائِمه الَّتِي يعرفهَا فاعتدل مزاج السُّلْطَان وحملت بعض جواريه فَأقبل على صَاحب التَّرْجَمَة وَعين لَهُ جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَوجه إِلَيْهِ مدرسة الْخَارِج والداخل والصحن دفْعَة ثمَّ وَجه إِلَيْهِ فِي مُدَّة قَليلَة قَضَاء الغلطة فتملك دَارا بِالْقربِ من جَامع مَحْمُود باشا وبناها بِنَاء عَظِيما وَصدر الْأَمر السلطاني للْمولى مَحْمُود بن قره جلبي أَن يُزَوجهُ ابْنَته فَزَوجهُ إِيَّاهَا وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدولى بخيلها ورجلها ثمَّ ولي قَضَاء عَسْكَر أَنا طولي وَأطلق عَلَيْهِ معلم السُّلْطَان وَحصل أَمْوَالًا عَظِيمَة وجاها بالغاوبني فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة ابنية جليلة وخانا وحماما وَحكى أَنه دفن فِي جدران ابنيته أَمْوَالًا كَثِيرَة فَلَمَّا خلع السُّلْطَان إِبْرَاهِيم أخرج من دفائنه نَحْو ثَلَاثَة آلَاف كيس كلهَا نقد ثمَّ حبس ثمَّ بعث بِهِ إِلَى قَصَبَة ميخاليج فَقتل بهَا وَكَانَ قَتله فِي أَوَاخِر سنة ثَمَان وَخمسين وَألف ﵀

حُسَيْن باشا الْمَعْرُوف بدالي حُسَيْن نديم السُّلْطَان مُرَاد وَأحد الوزاراء الْكِبَار أَصله من قَصَبَة بيكشهر من نَاحيَة قرمان رَحل فِي مبدأ أمره إِلَى قسطنطينية وخدم فِي حرم السلطنة وَصَارَ بهَا من طَائِفَة اليلطجية وَقدم دمشق فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف قَاصد الْحَج وَعَلِيهِ خدمَة السِّقَايَة فِي طَرِيق الْحَج ثمَّ ترقى بعد ذَلِك إِلَى أَن صَار محافظ مصر وَقدم دمشق فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَتوجه إِلَيْهَا وَكَانَت أَحْكَامه فِيهَا معتدلة ثمَّ عزل عَنْهَا وَسَار إِلَى درا السلطنة وَلما اجْتمع بالسلطان مُرَاد أوصله دفترا بِجَمِيعِ مَا حصله فِي مصر من مَال وَأَسْبَاب وأمتعة وَقَالَ لَهُ هَذَا جَمِيع مَا أملكهُ فِي دولة الْملك فانعم عَلَيْهِ وقربه وَجعله من أخصائه وندمائه وَصَحبه مَعَه فِي سفر بَغْدَاد وَبعد وَفَاة السُّلْطَان مُرَاد ولي حُكُومَة بَغْدَاد وَهُوَ ثَالِث حَاكم بهَا بعد فتحهَا الْأَخير ثمَّ ولي بودين وَولي وزارة الْبَحْر ثمَّ عين فِي زمن السُّلْطَان إِبْرَاهِيم إِلَى حزيرة كريت فَسَار إِلَيْهَا وَأقَام بهَا سَبْعَة عشر سنة فِي محاربة وَفتح أَكثر بلادها وقراها وَلم يبْق بهَا إِلَّا قلعة قندية كَمَا أسلفته فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان إِبْرَاهِيم ثمَّ أرسل إِلَيْهِ ختم الوزارة الْعُظْمَى

وَبَقِي لوصوله إِلَيْهِ مَسَافَة أَربع سَاعَات فاسترد وَكَانَت الوزارة فوضت إِلَى غَيره ثمَّ طلب هُوَ إِلَى تخت السلطة وَدخل إِلَى أدرنة بموكب حافل وَاجْتمعَ بالسلطان مُحَمَّد ابْن إِبْرَاهِيم فَأقبل عَلَيْهِ ثمَّ أرْسلهُ إِلَى قسطنطينة وَأمر بِوَضْعِهِ فِي الْمَكَان الْمَعْرُوف بيَدي قله وَبعد أَيَّام أَمر بقتْله فَقتل وَدفن فِي دَاخل الْمَكَان الْمَذْكُور وقبره ظَاهر ثمَّة ولقتله خبر مطول مخلصه إِسْنَاد بعض حَسَدْته إِلَيْهِ التهاون فِي أَمر قندية وَأَنه كَانَ فَاجر مَعَ الْكفَّار فِي محاصرتها واستفتى مفتي الدولة فِي قَتله فَامْتنعَ ذَهَابًا مِنْهُ إِلَى بَرَاءَته من ذَلِك فعزل ذَلِك الْمُفْتِي وَولي مَكَانَهُ رجل أفتى بقتْله فَقتل وَكَانَ قَتله سنة اثنيتين وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى

حُسَيْن باشا الْوَزير الْمَعْرُوف بصاري حُسَيْن أَي الْأَصْغَر وَهُوَ أَخُو سياغوش باشا الْوَزير الْأَعْظَم كَانَ من مشاهير الوزراء لَهُ الصولة الباهرة والهيبة الْعَظِيمَة وَكَانَ فِيهِ تلطف بالرعايا وانتقام من ذَوي الْكبر والمناصب ولي حلب مُدَّة ثمَّ نقل مِنْهَا إِلَى نِيَابَة الشَّام فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف وعينه السُّلْطَان وَهُوَ نائبها السّفر قمنيجة من بِلَاد الليه فَتوجه إِلَيْهَا وَفِي خدمته العساكر الشامية وَتعين هُوَ وَبَعض الوزراء للمحاربة فَكَسرهُ وَهُوَ ورفقاؤه وشاع أَن الكسرة كَانَت بِسوء تَدْبِير مِنْهُ فَغَضب عَلَيْهِ السُّلْطَان وعزله عَن حُكُومَة الشَّام وَرفع مِنْهُ رُتْبَة الوزارة وَأمره بالإعتزال فِي دَاره بقسطنطينة فَأَقَامَ مُدَّة منعزلا حَتَّى لم يبْق فِيهِ رَمق ثمَّ عطفت عَلَيْهِ وَالِدَة السُّلْطَان وشفعت لَهُ بِمنْصب التفتيش بِولَايَة أَنا طولي فَوَلِيه وَظهر سَعْيه فِيهِ لطرف السلطنة فجوزى على ذَلِك بحكومة الشَّام ثَانِي مرّة فَقَدمهَا ومهد أمورها بعد إختلال كَانَ أَصَابَهَا من حكامها وساس الرّعية سياسة عَجِيبَة وَلزِمَ كل أحد حَده فِي عَهده وَعمر الْقصر الْمَعْرُوف بِهِ الْآن فِي طرف الشّرف بالميدان الْأَخْضَر من دمشق وَكَانَ مَكَانَهُ يعرف قَدِيما بالخانوتية وتأنق فِي وَضعه وغرس فِيهِ أَنْوَاع الْأَشْجَار من كل صنف وَعز عَلَيْهِ بِدِمَشْق بعض أَنْوَاع الْفَاكِهَة فجلب من أَمَاكِن بعيدَة وَالْحَاصِل أَنه أثر أثرا حسنا وَفِي أَيَّامه وَقع الْجَرَاد بِدِمَشْق ثَلَاث سِنِين مُتَوَالِيَات فَبعث رجلَيْنِ من أهل دمشق إِلَى أنقره ليأتيا بِمَاء السمرمر الَّذِي يُقَال أَنه إِذا كَانَ فِي بَلْدَة يطرد الْجَرَاد عَنْهَا وَكَانَ وصولهما إِلَى دمشق فِي أَوَاخِر الْمحرم سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف فَأمر حُسَيْن باشا بِخُرُوج الصُّوفِيَّة بالإعلام وَعَامة النَّاس بالتهليل إِلَى لِقَائِه فَدَخَلُوا بِهِ على سفح قاسيون من نَاحيَة القابون حَتَّى وضعُوا مِنْهُ حِصَّة عَليّ

رَأس المنارة الغربية بالجامع الْأمَوِي وَحِصَّة على مَنَارَة جَامع الْمصلى قلت وَمَاء السمرمر هَذَا قد ذكره غير وَاحِد مِنْهُم ابْن الوردي فِي خريدة الْعَجَائِب فِي فصل عجائب الْعُيُون والآبار قَالَ عين سرم وَهِي بَين أصفهان وشيراز بهَا مياه مَشْهُورَة وَهِي من عجائب الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَن الْجَرَاد إِذا نزلت وَوَقعت بِأَرْض يحمل إِلَيْهَا من تِلْكَ الْعين مَاء فِي ظرف أَو غَيره فَيتبع ذَلِك المَاء طيور سود تسمى السمرمر وَيُقَال لَهَا السوادية بِحَيْثُ أَن حَامِل المَاء لَا يَضَعهُ الأَرْض وَلَا يلْتَفت وَرَاءه فَتبقى تِلْكَ الطُّيُور على رَأس حَامِل ذَلِك المَاء كالسحابة السَّوْدَاء إِلَى أَن يصل إِلَى الأَرْض الَّتِي بهَا الْجَرَاد فَتُصْبِح الطُّيُور عَلَيْهَا وتقتلها فَلَا ترى من الْجَرَاد متحر كابل يموتون من أجل تِلْكَ الطُّيُور انْتهى وَذكر ابْن الْحَنْبَلِيّ فِي تَارِيخه أَن من شَرطه أَن يكون الْوَارِد بِهِ من أهل الصّلاح وَلَا يمر بِهِ تَحت سقف وَقَالَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي الْجُزْء الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ من تَذكرته قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين أَبُو الثنا مَحْمُود الْأَصْبَهَانِيّ أَن بِمَدِينَة قشمير مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام عَن أَصْبَهَان عين مَاء سارحة بَرزَة يُسمى مَاؤُهَا بِمَاء الْجَرَاد لَهُ خاصية أَن من حمل من مَائِهَا فِي إِنَاء إِلَى الأَرْض الَّتِي أَتَاهَا الْجَرَاد فيعلق ذلمك الْإِنَاء فِي تِلْكَ الأَرْض فيقصدها مَا لَا يحصر من طير يُقَال لَهُ سَار يَأْكُل مَا فِيهَا من الْجَرَاد حَتَّى يفنى وَشرط هَذَا الْإِنَاء أَن لَا يمس الأَرْض فِي طَرِيقه وَلَا فِي مَكَان تَعْلِيقه انْتهى ثمَّ أَمر حُسَيْن باشا بِالسَّفرِ إِلَى محاصرة قلعة بتيج من بِلَاد الأنكروس فسافر إِلَيْهَا وَمَعَهُ عَسْكَر الشَّام وَكَانَ الْوَزير الْأَعْظَم قُرَّة مصطفى باشا قد سبقهمْ إِلَى بلغراد وَجعلهَا مجمع العساكر جَمِيعهَا وَلما تَكَامل جمع الجموع رَحل بهم إِلَيْهَا ونازلوها وَكَاد أَن يفتحوها عنْوَة قدر الله تَعَالَى مَا قدر من مَجِيء جَيش كَبِير من الْكفَّار وكسروا عَسْكَر الْمُسلمين وفرقوهم فِي تِلْكَ النواحي كَمَا سنفصله فِي تَرْجَمَة الْوَزير مصطفى باشا الْمَذْكُور وَنسب الْوَزير هَذِه الكسرة إِلَى فشل بعض الوزراء وَمِنْهُم حُسَيْن باشا صَاحب التَّرْجَمَة فَأَرَادَ قَتله فَكَانَت منينه أسبق فتوفى فِي غُضُون ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي شهر رَمَضَان سنة أَربع وَتِسْعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى

السَّيِّد حَمْزَة بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن حَمْزَة الْحُسَيْنِي الدِّمَشْقِي المولد الْحَنَفِيّ السَّيِّد الْأَجَل الأديب الْفَاضِل كَانَ رَئِيسا نبيه الْقدر وافر الْحُرْمَة جليل الْقدر سَاكِنا وقورا نَشأ وَقَرَأَ على عُلَمَاء زَمَانه حَتَّى حصل فَضِيلَة مقبوله واشتهر بدماثة الْأَخْلَاق وَطيب الْعشْرَة وكرم النَّفس وَكَانَ حسن الْحَظ صَحِيح الإملا وَكتب كثيرا

من الْكتب وخطه مَرْغُوب فِيهِ لضبطه وَحسنه وسافر إِلَى الرّوم فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف ولازم من نقيب الدولة السَّيِّد مُحَمَّد بن السَّيِّد برهَان الدّين الْمَعْرُوف بشيخي وولاة نقابة الشَّام عَن أَخِيه الْأَكْبَر السَّيِّد كَمَال الدّين وَعَاد إِلَى دمشق وَأقَام بمنزله فِي مهابة وإنكفاف عَن مُخَالطَة الْأُمُور وَبعد مُدَّة عزل عَن النقابة وأعيدت إِلَى أَخِيه الْمَذْكُور ثمَّ وَليهَا عَنهُ مرّة ثَانِيَة وَصَارَ نَائِبا بمحكمة الْبَاب فِي زمن قَاضِي الْقُضَاة الْمولى مصطفى الْمَعْرُوف بِابْن مرطلوس وَاسْتمرّ نَائِبا مدَّته كلهَا وانتظم حَاله بعد إختلال ثمَّ عزل عَن النقابة وأعيد إِلَيْهَا مرَّتَيْنِ وَكَذَلِكَ للنيابة ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الحافظية بصالحية دمشق وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة تسع وَألف وَتُوفِّي فِي ثَالِث ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى

الشَّيْخ حنيف الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى بن مرشد الْعمريّ الْحَنَفِيّ الْمَكِّيّ الْمُفْتِي الْحَنَفِيَّة بالديار الحجازية وَالْمَدينَة وَابْن مفتيها الْعَالم الْعلم الْفَقِيه الباهر كَانَ عَالما دينا عفيفا ملازما لِلْعِبَادَةِ وَكَانَ يَصُوم رَجَب وَشَعْبَان وَالْأَيَّام الْبيض وَأخذ عَن وَالِده وَعبد الْعَزِيز الزمزمي وَأبي الْعَبَّاس الْمقري وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الخياري وَالشَّيْخ خَالِد الْمَالِكِي وَغَيرهم وَولى بعد موت وَالِده خطابة الْجُمُعَة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام والتدريس خلف مقَام الْحَنَفِيَّة وتدريس مدرسة مُحَمَّد باشا وَغير ذَلِك ثمَّ ولي الْإِفْتَاء السلطاني بالديار الحجازية فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وانتفع بِهِ خلق كَثِيرُونَ مِنْهُم وَلَده عبد الرَّحْمَن وَالشَّيْخ أَحْمد أوليا وَأَوْلَاد عَمه أَحْمد وهم عِيسَى ومرشد وَإِمَام الدّين ومصدر الدّين وقاسم سنجق دَار وَأحمد المنلا وصنف عدَّة كتب مِنْهَا شرح مَنَاسِك الْوَسِيط للمنلا على مَذْهَب الْحَنَفِيّ وَشرح على المنسك الصَّغِير للملا أَيْضا وَكتاب سَمَّاهُ بغيه السالك الناسك فِيمَا يتَعَلَّق بآداب السّفر وأدعية الْمَنَاسِك وشفاء الصَّدْر بِبَيَان لَيْلَة الْقدر وَالْقَوْل الْمُفِيد بِبَيَان فضل الْجُمُعَة الْيَوْم الْمَزِيد وَالْقَوْل الْمُحَقق فِي بَيَان التَّدْبِير الْمُطلق والمقيد وَالْمُعَلّق ورسالة فِي استبدال الْوَقْف سَمَّاهَا السَّيْف الشهير على من جوز استبدال الْوَقْف بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير وَله نظم مستعذب وترجمه ابْن مَعْصُوم فَقَالَ فِي حَقه فَاضل نبيه قَامَ مقَام أَبِيه فتقلد منصب الْفتيا بعده واجتلى فِي مطالع الإقبال سعده فَجلى بسناه الظُّلم وَمن يشابه أبه فَمَا ظلم

شَبيه أَبِيه خلقَة وخليقةكَمَا حذيت يَوْمًا على أُخْتهَا النَّعْل

وَبَلغنِي أَنه كَانَ يُنكر على أَبِيه عشرَة قضايا من فَتَاوِيهِ ثَبت لَدَيْهِ بصلانها وَلم ينص

بِصِحَّتِهَا برهانها وَكَانَ يَقُول لَوْلَا خطة أخافها لأشتهر عني خلَافهَا وَله فِي الْأَدَب مَحل لَا ينْقض أبرامه وَلَا يحل ملك بِهِ زِمَام السجع والقريض وميز بِهِ بَين الصَّحِيح وَالْمَرِيض فَمن نظمه مَا كتبه إِلَى بعض الْأَعْيَان مراجعا عَن لِسَان وَالِده

تبدّي لنا برق بافق رَبِّي نجدفأذكرني عهدا وناهيك من عهد
وهيمني شوقاً وَزَاد بِي الأسىوأضرم بِي نَار الصبابة والوجد
وجددّ لي ذكر اللَّيَالِي الَّتِي خلتوَطيب زمَان بالحمى طيب الْورْد
زَمَانا جلاذ وَالْحسن شمس جمالهعلينا فشاهدنا بِهِ الشَّمْس فِي برد
وأيدت لنا ذَات الْجمال جبينهافأخجل بدر الْأُفق فِي طالع السعد
هِيَ الرَّوْض تبدو للأنام بوجههافنقطف زهر الْورْد من خدّها الوردي
وفاع لنا نشر الخزامي بروضةشدت وَرقهَا شوقاً على الأغصن الملد
تعنت على غُصْن الْأَرَاك بمدح منعلا قدره السَّامِي على ذرْوَة الْمجد
جمال أهالي الْعَصْر أوحد وقتهمشيد ربع الْمجد بالسعد والجدم
كَمَال قُضَاة الْمُسلمين أمامهموموضح منهاج الرشاد لَدَى الرشد
عَلَيْهِ مدى الْأَيَّام منى تَحِيَّةتفوق فتيت الْمسك وَالْعود والند

وَقَالَ فِي مثل هَذَا الْغَرَض

غنت الْوَرق فِي المسا والبكورساجعات على غصون الزهور
وتبدت من كلة الْحسن خودتخجل الشَّمْس من سناء البدور
قد تحلت من الجمان بِعقدجلّ فِي الْحسن والبها عَن تظير
فاقتطفنا من خدّها زهر وردفاق نشر النسرين والمنثور
وارتشفنا من ثغرها العذب شَهدافانتشونا لَا نشوة المخمور
برّدت بالوصال قلب كئيبكَانَ فِيهِ للهجر نَار السعير
يَا لَهَا عذبة الثنايا رادحاًقد تبدّت فِي زِيّ طبي غرير
قد أتتنا من عَالم الْعَصْر مولىقد تسامى على السهى والأثير
الإِمَام الْهمام رب الْمَعَالِيالْفَقِيه البليغ فِي التَّقْرِير
ظلّ دَوْمًا بِمصْر مفتي البراياأوحد الْعَصْر ذِي الْمقَام الخطير
قد أَتَانِي مولَايَ مِنْك كتابذُو نظام حكى عُقُود النحور
ففضضت الختام عَن كنز علمحَاز مِنْهُ الْغناء كل فَقير
وتأملت فِي رياض حماهوتنسمت مَا بِهِ من عبير
فَبَدَا نظم طرسه مَعَ نثرذِي بَيَان فسر مِنْهُ ضميري
دمت يَا أوحد الزَّمَان فريدافِي أَمَان بِحِفْظ رب خَبِير
وَصَلَاة الْإِلَه تترى دواماًمَعَ سَلام على البشير النذير

وَمن شعره على مَا رَأَيْته مَنْسُوبا إِلَيْهِ قَوْله

أَمْسَى وَأصْبح من تدكاركم وصبايرثى لي المشفقان الْأَهْل وَالْولد
قد خدّد الدمع خدّي من تذكركمواعتادني المضنيان الوجد والكمد

(وَغَابَ عَن مقلتي نومي لغيبتكم وخانني المسعدان الصَّبْر وَالْجَلد ...)

لاغر وللدّمع أَن تجْرِي غوار بِهِوَتَحْته المظلمان الْقلب والكبد
كَأَنَّمَا مهجتي شلو بمسبعةينتابها الضاريان الذِّئْب والأسد
لم يبْق غير خفيّ الرّوح فِي جَسَدِيفدى لَك الباقيان الرّوح والجسد

وَكَانَت وِلَادَته بِمَكَّة وَقت الْعشَاء من لَيْلَة الْأَحَد منتصف صفر سنة أَربع عشرَة بعد الأف وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة خلون من شعْبَان سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف بِالْمَدِينَةِ وَدفن ببقيع الْغَرْقَد وَقيل فِي تَارِيخ وَفَاته

(حنيف الدّين فِي الجنات راقى ...)

الْمولى حيدر بن إِبْرَاهِيم المنعوت بتاج الدّين الصَّغِير ابْن عبد الله الْحميدِي الْأَصْلِيّ أحد موَالِي الرّوم وَهُوَ أَخُو الْمولى عبد الْوَهَّاب قَاضِي الشَّام الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى أصل وَالِده من بَلْدَة حميد قدم إِلَى قسطنطينة وتوطن بهَا وَهُوَ من عُلَمَاء دولة السُّلْطَان سُلَيْمَان وَله حَاشِيَة على صدر الشَّرِيعَة يرد فِيهَا إعتراضات ابْن الْكَمَال على صدر الشَّرِيعَة وَولد ابْنه حيدر هَذَا بقسطنطينة وَنَشَأ ودأب بهَا حَتَّى تميز بِالْفَضْلِ الباهر وَله من الْآثَار تعليقات على الدُّرَر وَالْغرر ولازم من ابْن جوى ودرس بمدرسة أون قباني ثمَّ أعْطى مدرسة برغوس وَلما تمت مدرسة عَليّ باشا القبودان بطوبخانة فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة أعطيها وَهُوَ أول مدرس بهَا ثمَّ فِي سنة ألف نقل إِلَى مدرسة قلندرخانه ثمَّ نقل إِلَى إِحْدَى الثمان ثمَّ إِلَى مدرسة الشهزاده ثمَّ إِلَى السليمانية ثمَّ ولي قَضَاء حلب فأسكدار ثمَّ بروسة ثمَّ الْقَاهِرَة وَتوجه إِلَيْهَا بحراً فَفِي معبر الْإسْكَنْدَريَّة غرق الْمركب الَّذِي كَانَ فِيهِ وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.