من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الرَّاء
الصفحة ٢ من ٢
قَالَ فأجبته بعد أَيَّام بِقَوْلِي
أيا سيدا سرّ الْفُؤَاد بِأَنَّهُيُلَاحظ عبدا فِي حُضُور وغيبة
وَقد علم الْمولى تَأَكد شوقنافيسره بِالشَّام أنزه بقْعَة
على أَنَّهَا فاقت بِمَا انْفَرَدت بِهِمن الْحسن من مَاء معِين وربوة
قَالَ وَكَانَ كتب إِلَى الْمشَار إِلَيْهِ من الشَّام وَأَنا بِالْمَدِينَةِ يطْلب مني تَرْجَمَة السَّيِّد مُحَمَّد جمال الدّين الْمَشْهُور بكبريت الْمدنِي
يَا خَطِيبًا بِأَرْض طيبَة أضحىأفْصح الْعَرَب عِنْده سكيتاً
جد على العَبْد سَيِّدي بمناهوَهُوَ مَا ترجموا بِهِ كبريتاً
فأجبته وَقد رقمت لَهُ من تَرْجَمته مَا سمح بِهِ الخاطر
عين أهل الشَّام يَا وَاحِد الْعَصْروَمن حَاز فِي الْمَعَالِي صيتًا
دمت فِينَا زناد فضلك وارلست تحْتَاج للذكا كبريتاً
قَالَ وَكتب إِلَيّ
أشيخ الْوَقْت إِبْرَاهِيم يَا منعَلَوْت على الورى هام الدراري
لأَنْت بِطيبَة من خير قومخِيَار من خِيَار من خِيَار
وَلما رَأَيْت العطيفي تلاعب وتداعب باللقب أَجَبْته بذلك مراعيا فِي القافية لقبه أَيْضا غائصا بحره فَقلت
أيا مولى سَمَّاهُ شهر صَوْميجل الْوَصْف عَن كم وَكَيف
عطفت بوصل أَسبَاب التدانيوَذَلِكَ لَيْسَ بدعا من عطيف
انْتهى وَمِمَّا رَأَيْته من آثَار قلمه هَذِه الْقطعَة من الْإِنْشَاء والأبيات كتب بهَا إِلَى بعض الْفُضَلَاء جَوَابا عَن لغز كتبه إِلَيْهِ فِي قرنفل يَا من زين سَمَاء الدُّنْيَا بزهر النُّجُوم وزين الأَرْض بزهرها المنثور والمنظوم نحمدك على مَا أبدعت حكمتك فِي هَذِه الْأَعْصَار من زاهي الأزهار وَنُصَلِّي ونسلم على نبيك الْمُخْتَار وَآله الأخيرا مَا اخْتلف اللَّيْل والهار عدد تنوع النَّهَار أما بعد فَإِن رَقِيق الْكَلَام ورشيق النظام مِمَّا يسحر الْأَلْبَاب وينسج مَا بَين الأحباب وَلَا يدع فقد قَالَ سيد الْأَنَام عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام أَن من الْبَيَان سحر أَوَان من الشّعْر حِكْمَة هَذَا وَقد أَخذ رائق كلامكم وفائق نظامكم بِهَذَا الصب أَخذ الأحباب الْأَرْوَاح وَلعب بِهِ وَلَا كتلعاب الراح كَيفَ لَا وَقد كسى حلل إلبها وَالْجمال وانتظم وَلَا كانتظام اللآل رق فاسترق الْأَحْرَار وحلي فتحلي بِهِ أهل الشعار وراق مَعْنَاهُ فأشرق مغناه وَحسن أتساقه فحلا مذاقه وفاج أرج القرنفل من رياضه وهبت نسمات الْجنان من غياضه فَللَّه دَرك ودر مَا ألغزت وَمَا أحسن مَا أبعدت وَقربت فقد أبدعت فاعبدت وأغربت فأرغبت لغز كالغزل فِي نشر طيه حلل من طول فِي مدحه فقد قصر وَمَا عَسى أَن يمدح الْبَحْر والجوهر وَلَكِن نعتذر إِلَيْكُم من هَذِه الشقشقات الَّتِي أوردناها على سَبِيل البديه وكل ينْفق مِمَّا عِنْده ويبديه وَحين ملت طَربا من ميل تِلْكَ اللامات قلت هَذِه الأبيات
أَتَانِي نظام مِنْك يزري بحسنهفقانبك من ذكرى حبيب ومنزل
وأشممني مِنْهُ أريجا كَأَنَّهُنسيم الصِّبَا جَاءَت بريا القرنفل
فيا وَاحِد الدُّنْيَا وَلَيْسَ مدافعوَيَا من غَدا مدحي لَهُ من تغزل
بعثت لنا عقدا ثميناً فَلَو رأىجواهره النظام ولى بمعزل
وَلَو أَن رَآهُ امْرُؤ الْقَيْس لم يقلأَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا انجلى
فَمن بك نظاما فمثلك فَلْيَكُنفصاحة أَلْفَاظ بِمَعْنى مكمل
رَقِيق لطيف رائق متحببإِلَى كل نفس وَهُوَ فِي الْعين كالحلي
يفوح عبير الْمسك من طي نشرهفَكيف وَقد ألغزته فِي القرنفل
فَلَا زلت تحبونا بِكُل فَضِيلَةوَلَا زلت تحبينا بِعلم مفضل
وَلَا زلت للدنيا إِمَامًا وَسَيِّدًاوعلمك يرْوى كالحديث المسلسل
فيا من غَدا جبرا لكل كسيرةوَيَا من غَدا خيرا عَلَيْك معولي
وَيَا من غَدا حبرًا لكل دقيقةوَيَا من غَدا بحرا لكل مُؤَمل
بقيت بِخَير سالما وممتعاوقدرك فِي الدُّنْيَا يزِيد ويعتلي
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فِي شهر رَمَضَان سنة تسع عشرَة والف كَذَا سمعته من لَفظه وكتبته عَنهُ وَتُوفِّي نَهَار الْخَمِيس عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير فِي مَسْجِد النارنج ﵀
روح الله بن مُحَمَّد أَمِين بن صدر الدّين الشرواني الأَصْل قَاضِي الْقُضَاة الْفَاضِل البارع الأديب كَانَ أحد أجلاء الموَالِي لَهُ جاه عريض وحشمة وافرة وَتثبت فِي الْأُمُور ودأب فِي الإشتغال حَتَّى تنبل ولازم من شيخ الْإِسْلَام الْمولى أسعد ودرس بمدارس قسطنطينية إِلَى أَن وصل إِلَى أحدى الْمدَارِس السليمانية وَولي مِنْهَا قَضَاء الْقُدس ثمَّ ولب وحلب ومصر وأدرنة وقسطنطينية وَكَانَ ينظم الشّعْر بالتركية ومخلصه على طريقتهم روحي وَله التَّارِيخ الْمَشْهُور قَالَه لما تسلطن السُّلْطَان وَهُوَ قَوْله خلد الله ملك إِبْرَاهِيم وَكَانَ بَينه وَبَين وَالِدي المرحوم مَوَدَّة ومراسلات كَثِيرَة ويعجبني مِنْهَا مَا كتبه وَالِدي إِلَيْهِ فِي صدر كتاب متمثلا وَهُوَ بالقدس
يَا نسمَة البان بل يَا نسمَة الرّيحإِن رحت يَوْمًا إِلَى من عِنْدهم روحي
خذي لَهُم من ثنائي عنبرا عبقاوأوقديه بِنَا من تباريحي
أَقَامَ الله دعائم الْفضل وَشرح صدر الدّين بصدر الشَّرِيعَة وَالْعدْل بِبَقَاء روح الْقُدس وموطن الْأَمْن والأنس وحيد دهره وروح عصره وَمن آخر كتبه إِلَيْهِ وَهُوَ قَاض بحلب وَعِنْدِي من الأشواق مَا لَا تحمله متون الأوراق وَمن الغرام مَا لَا تشرحه أَلْسِنَة الأقلام فنسأله سُبْحَانَهُ أَن يمن علينا بمنة الاقتراب وَيحسن لشامنا بشريف ذَلِك الجناب لنرتع فِي روض دولته الوريفة ونتمتع بمشاهدة حَضرته الشَّرِيفَة وَتَكون أيامنا بجانبه أعياد الدَّهْر وليالينا بِهِ كلهَا لَيْلَة الْقدر ونعد ذَلِك مِنْهُ تَعَالَى نعْمَة وَأي نعمه لنؤدي بعض مَا يجب من أَدَاء
لَوَازِم الْخدمَة وطالما طمعت الآمال بذلك مرَارًا وَلَو مرورا وَرُبمَا خطر ذَلِك فِي الْقلب فملأه ذَلِك الخاطر سُرُورًا على أننا لم نيأس من روح الله أَن يمن بلقائه وَأَن يكحل الْعين باثمد بهائه انْتهى وَكَانَ فِي آخر أمره ولع بِعلم النُّجُوم واستخراج بعض المغيبات الْمُتَعَلّقَة بامور السلطنة هُوَ وَبَعض أخذان لَهُ كَانَ يأنس بهم من جُمْلَتهمْ عبد الْبَاقِي بن مصطفى المتخلص بوجدي الشَّاعِر الْمَشْهُور فِي الرّوم فوصل خبرهم إِلَى الْوَزير الكوبري فسعى فِي قَتلهمْ فَقتلُوا فِي رَابِع شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف والشرواني بِكَسْر الشين وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْوَاو ثمَّ ألف وَنون نِسْبَة إِلَى بَلْدَة بالعجم خرج مِنْهَا عُلَمَاء وفضلاء من أَجلهم وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة وَسَتَأْتِي تَرْجَمته إِن شَاءَ الله تَعَالَى
روحي الشَّاعِر الْبَغْدَادِيّ الْمَشْهُور كَانَ من أَعَاجِيب الدُّنْيَا فِي صَنْعَة الشّعْر التركي لَهُ التخيلات اللطيفة والألفاظ الرشيقة وديوانه مَشْهُور يُوجد كثيرا بأيدي النَّاس وَكَانَ على أسلوب السياح وَله فِي سياحته ماجريات ووقائع كَثِيرَة وَاسْتقر آخر أمره بِدِمَشْق وَكنت سَمِعت خبْرَة قَدِيما من المرحوم الدرويش عِيسَى العينتابي نزيل دمشق وَكَانَ كثيرا مَا يلهج بأخباره ويورد ماجرياته وينشد أشعاره واظنه لم يُدْرِكهُ الإسنا لَا اجتماعه فروايته لأخباره عَن سَماع وَذكر أَن وَفَاته كَانَت سنة أَربع عشرَة بعد الْألف بِدِمَشْق
ريحَان بن عبد الله الحبشي الأحمدي الشَّافِعِي الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى كَانَ مجاورا بالحجرة شمَالي مَسْجِد قبَاء ذكره النَّجْم فِي ذيله وَقَالَ كَانَ وَاضح الْكَشْف مجلو الْمرْآة ناقد البصيرة وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَكَانَ القَاضِي عبد الرَّحْمَن قَاضِي الْمَدِينَة عمر لَهُ مَسْجِدا قَدِيما خَارج بَاب الْمصْرِيّ وَعمر لَهُ فِي جَانِبه بَيْتا لطيفا فسكن بِهِ وَتزَوج قَالَ زرته أَنا وَوَلَدي بدر الدّين واستأجزت لَهُ فَأَجَازَهُ وَألبسهُ الْخِرْقَة الأحمدية بحضوري وَصَارَ بَيْننَا مؤاخاة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس عشرَة بعد الْألف ﵀
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع