من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْعين الْمُهْملَة
الصفحة ٢ من ٢
يَقُول فِيهَا
يعيرني قومِي بقومي ومحتديكَمَا عيب بالعضب الصَّقِيل الحمائل
أجل حسدوني حَيْثُ فضلت دونهموَكم حسدت فِي النَّاس قبلي الأفاضل
وَمَا الْفَخر بالأجسام وَالْمَال والعلىوَلَكِن بأنواع الْكَمَال التَّفَاضُل
وَمن يَك أعمى الْقلب يلْزم بقولهكَمَا يحذر الْأَعْمَى الْعَصَا إِذْ يُقَاتل
وَمَا يصنع الْإِنْسَان يَوْمًا بنورهإِذا عادلت فِيهِ النُّجُوم الجنادل
وفيم نضيع الْعُمر فِي غير طائلإِذا مَا اسْتَوَى فِي النَّاس قس وباقل
وأصعب مَا حاولت تثقيف أَعْوَجوأثقل شَيْء جَاهِل متعاقل
إِذا جَاءَ نقاد الرِّجَال من الوغىتميز عَن أهل الْكَمَال الأراذل
عنيت الْوَزير بن الْوَزير الَّذِي بِهِتذل وتعنوا للشعوب الْقَبَائِل
ومدح أَخَاهُ الْفَاضِل مصطفى بقصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
بِالنَّفسِ يسمح من أَرَادَ نفيساوَالْحب أول مَا يكون رسيسا
وكلا القصيدتين قد ذكرتهما فِي تَرْجَمته فِي كتابي النفحة فَلَا نطيل هُنَا الْكَلَام بهما فَأَنا نذْكر لَهُ هُنَا غَيرهمَا وكل جَدِيد لَهُ لَذَّة وأجيز على هَاتين جَائِزَة سنية وَوصل من الجزيرة الْمَذْكُورَة إِلَى سلانيك ويكى شهر وَالسُّلْطَان مُحَمَّد ثمَّة فَكَانَ خَاتِمَة مطافه أَن بلغ خَبره السُّلْطَان فاتخذه نديماً وفاز مُدَّة بعطاياه الطائلة وَلم يطلّ أمره فِي المنادمة فَأعْطى مدرسة بقسطنطينية وَأبْعد عَن الدولة إِلَيْهَا فَألْقى رَحْله بهَا واتخذها دَار قراره وَمجمع أَسبَابه وأحبه كبراؤها ومالوا إِلَيْهِ خُصُوصا المرحوم الْأُسْتَاذ عزتي قَاضِي الْعَسْكَر فَإِنَّهُ أقبل عَلَيْهِ بكليته وَكَانَ يمده بعطاياه وافرة وَلما دخلت قسطنطينية فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف رَأَيْته وَهُوَ مدرس الفتحية برتبة مَوْصُولَة الصحن فاتحدت مَعهَا اتحاداً لم يتَّفق لي مَعَ أحد غَيره لما كنت أشاهد مِنْهُ من الْمحبَّة والصدق الَّذِي لَا مزِيد عَلَيْهِ وَأَنا مُنْذُ توفّي إِلَى الْآن أذكر صنائعه من الْمَعْرُوف معي فَلَا أعرف نهايتها وأقصر عَن أَدَاء حَقّهَا بيد أَنِّي أَرْجُو الله أَن يجْزِيه عَن حسن محبته لي أحسن جَزَاء وأعظمه وَاتفقَ لي مَعَه محاورات ومخاطبات كَثِيرَة فَمن ذَلِك أَنِّي أنشدته يَوْمًا قولي
ومقرطق ترف الْأَدِيم تخالهكالغصن قد لعب النسيم بقده
ويكاد أَن شرب المدامة أَن يرىمَا مر مِنْهَا تَحت أَحْمَر خَدّه
فأنشدني مرتجلاً قَوْله
ومهفهف لَوْلَا جفون عيونهخلنا دم الوجنات من ألحاظه
وتكاد تقْرَأ من صفاء خدودهمَا مر خلف الخد من أَلْفَاظه
وَسَأَلته عَن نُكْتَة تَخْصِيص الْمُؤمن فِي قَوْله ﵇ اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله فَأجَاب مرتجلاً
الْجِسْم بَيت وقنديل الْفُؤَاد بِهِوالقبة الرَّأْس فِيهَا المقلة الْجَام
فَإِن غَدا فِيهِ نور الْحق متقداًأَضَاء أَرْكَانه والجام نمام
فالعارفون بِنور الله إِذْ نظرُواصحت فراستهم وَالنَّاس أَقسَام
وَركبت مَعَه الْبَحْر يَوْمًا فِي زورق وتوجهنا إِلَى الْمَكَان الْمَعْرُوف ببشكطاش فَأَنْشَدته بالمناسبة قَول ابْن ملطية
وزورق أبصرته عائماًوَقد تمطى ظهر دأماء
كَأَنَّهُ فِي شكله طَائِرمدّ جناحيه على المَاء
ثمَّ انجرت المصاحبة إِلَى تعداد أَنْوَاع السفن وأسمائها حَتَّى ذكر الْغُرَاب وَهُوَ الْمركب الطَّوِيل الَّذِي يسير بالمجاديف فَأَنْشد فِيهِ قَول ابْن الساعاتي
وَلَقَد ركبت الْبَحْر وَهُوَ كحلبةوَالْمَوْت تحسبه جياداً تركض
كم من غراب للقطيعة أسودفِيهِ يطير بِهِ جنَاح أَبيض
ثمَّ ذكر لي أَن بعض النَّاس توهم أَن تَسْمِيَة هَذَا النَّوْع من السفن بالغراب مترجم عَن اسْمه بالتركية لِأَن اسْمهَا عِنْدهم تادرغة فظنها قارغة وَهُوَ بالتركية الْغُرَاب قَالَ وَأقَام المتوهم النكير على المترجم من كَونه وهم لتقارب الْأَلْفَاظ اتِّفَاقًا وَلم يدر أَن مَا قَالَه هُوَ الْوَهم بل وَجه الْمُنَاسبَة فِي التَّسْمِيَة أَنَّهَا شبهت بالغراب لسوادها وَشبه المجاديف بالأجنحة وَهُوَ حسن ثمَّ رَأَيْت هَذَا الْكَلَام لِلشِّهَابِ الخفاجي فِي كِتَابه طراز الْمجَالِس فَرَاجعه إِن شِئْت وَكتب إليّ هَذِه الأبيات مداعباً فِي أَيَّام برد الْعَجُوز
بفض بكر وَبشر الْعَجُوزيدْفع بعض النَّاس برد الْعَجُوز
وَنحن قوم مَا لنا ثروةوَلَا نرى فِي الشَّرْع مَا لَا يجوز
قهوتنا قهوة بن زكتْتعيد أَيَّام الصِّبَا للعجوز
وَعِنْدنَا كانون جمر لقدأعَاد فِي كانون قيظا تموز
وصحبة طوع يدا للهولاتفرقهم أَن خلطوا بالعنوز
فانهض إِلَيْنَا نغتنم صُحْبَةفالزمن الْجَانِي سريع النُّشُوز
وَأعرف النَّاس بِهِ عَاقلبلذة قبل التقضي يفوز
لَا يرتضي الْعَاقِل عَن فرْصَةمن فرص الدَّهْر بملء الْكُنُوز
لَو لم يجنّ الدَّهْر مَا علقتعَلَيْهِ فِي رَأس الْهلَال الحروز
من غير مَأْمُور وَدم سالمالدفع خطب ولحل الرموز
فَحَضَرت إِلَيْهِ وَكَانَ بمجلسه أحد أَبنَاء الرّوم مِمَّن يَدعِي الْأَدَب فَأخذ فِي بحث أَيَّام الْعَجُوز وَلم سميت بِهَذَا الِاسْم حَتَّى تحرر لنا وَجه التَّسْمِيَة من كتاب لِابْنِ قَاضِي شُهْبَة سَمَّاهُ تطريف الْمجَالِس بِذكر الْفَوَائِد والنفائس وَمُلَخَّص مَا قَالَ فيهم أَنهم زَعَمُوا أَن عجوزاً دهرية كاهنة من الْعَرَب كَانَت تخبر قَومهَا بِبرد يَقع فِي آخر الشتَاء يسوء أَثَره على الْمَوَاشِي فَلم يكترثوا بقولِهَا وجزوا أغنامهم واثقين بإقبال الرّبيع فَإِذا هم بِبرد شَدِيد أهلك الزَّرْع والضرع فَقيل أَيَّام الْعَجُوز وَبرد الْعَجُوز وَقيل هِيَ عَجُوز كَانَ لَهَا سبع بَنِينَ وسألتهم أَن يزوجوها وألحت فَقَالُوا ابرزي للهواء سبع لَيَال حَتَّى نُزَوِّجك فَفعلت وَالزَّمَان شتاء فَمَاتَتْ فِي السَّابِعَة فنسبت إِلَيْهَا الْأَيَّام وَقيل هِيَ الْأَيَّام السَّبْعَة الَّتِي أهلكت فِيهَا عَاد وَلَكِن تِلْكَ ثَمَانِيَة بِنَصّ الْكتاب وَقيل أَيَّام الْعَجز وَهِي آخر الشتَاء وَالله أعلم وكتبت إِلَيْهِ بعد أَيَّام أَدْعُوهُ إِلَى متنزه فِي يَوْم النوروز وأشير إِلَى مَضْمُون أبياته
أنقذتنا مواسم النوروزمن عَذَاب الشتا وَبرد الْعَجُوز
ألبس الأَرْض من غلائله الْخضرفجرت ذيولها فِي الخزوز
وَإِذا أشرقت ذكاء حَسبنَا الأَرْضأبدت مَا تحتهَا من كنوز
فاتركاني من ضرب زيد لعَمْرووَبَيَان الْمَقْصُور والمهموز
وَقفا بِي على الرياض قَلِيلالنرى قدرَة الْحَكِيم الْعَزِيز
فَكَأَن الْحباب وَالْمَاء فِيهَافضَّة تَحت لُؤْلُؤ مغروز
أَيهَا الْفَاضِل الَّذِي يفصل الْبَحْثوَلَو طَال بالْكلَام الْوَجِيز
لَو جهلناه مَا علمنَا يَقِينامحكمات التَّحْرِيم والتجويز
أَو رَآهُ الزُّهْرِيّ وَابْن معِينأسْند الْعلم عَنهُ كالمستجيز
جد بإنجاز مَا وعدت فَلَيْسَ المطلعِنْد الْكِرَام كالتنجيز
فلدينا من يسحر اللب وَالْعقلإِذا مَا شدا من النيريز
فاتر الطّرف لَو رَأَتْهُ زليخانسيت ذكر يُوسُف والعزيز
حسدت منزلي عَلَيْهِ بقاع الأَرْضمن جلق إِلَى تبريز
لَا تكلّف فكري بَيَانا فَلَايُمكن وصف الْجمال بالأرجوز
فتعجل فالوقت كالسيف والعاقليدْرِي مَا تَحت ذيل الرموز
وَلما كنت بأدرنة ورد مِنْهُ كتاب لبَعض أخدانه وَأمره بتبليغ السَّلَام إليّ بِاللِّسَانِ وَاعْتذر عَن عدم إرْسَال كتاب مُسْتَقل إِلَيّ فَكتبت إِلَيْهِ قصيدة طَوِيلَة مِنْهَا
بنفسي من خدره الْمغربهِلَال عَن الْقلب لَا يغرب
وَمَا أَنا فِي حبه ثَابتتباخل بالكتب أَو يكْتب
وَمن لَو وزنت بعشاقهرحجتهم والهوى مُتْعب
وقيدني الْجُود فِي ودهفَمَالِي عَن حبه مَذْهَب
أَرْجَى لِقَاء رَجَاء الْحَيَاةوالنجم من قربه أقرب
وَيَا من تعجب من رقتيحَيَاة قَتِيل النَّوَى أعجب
لقد ودعوني فَسَار السرُوروَمَا لذلي بعدهمْ مشرب
وَلم أر من بعد أنوارهمنَهَارا وَلَو أقلع الغيهب
وَمَا كنت أَحسب صبري يخونويخدعني برقه الْحَلب
وَلَو كنت أملك قلبِي صنعتكَمَا صَنَعُوا والهوى أغلب
وأنشدني يَوْمًا قصيدة غزلية نظمها لم يعلق مِنْهَا فِي خاطري إِلَّا بَيت المطلع وَهُوَ هَذَا
غُصْن رنحه سكر الدَّلالينثني رَيَّان من مَاء الْجمال
واقترح عَليّ أَن أنظم على وَزنهَا ورويها قصيدة فنظمت هَذِه القصيدة وعرضتها عَلَيْهِ وَهِي قولي
شاقني غُصْن نقا تَحت هِلَالينثني نشوان من خمر الدَّلال
كل لحظ مِنْهُ نهاب النهىيسحر الْأَلْبَاب بِالسحرِ الْحَلَال
ترتع الأحداق من طلعتهفِي رياض بَين حسن وجمال
خَدّه كالورد غشاه الحياعرقا كالدر يزرى بالغوالي
من عذيري من خَلِيل غادرالْجِسْم من سلوته رق الْخلال
يعد الْوَصْل وبقضيني الجفاويمنيني ويرضى بالمحال
حمل الْقلب من الأعباء مَالَو أقلت صدعت صم الْجبَال
يَا بقومي قامة مِنْهُ وَيَاخجلة الأغصان مِنْهَا والعوالي
ومحيا يفتك النساك حسناويستعبد ربات الحجال
ولحاظ دونهَا فتك الظباتنهب الْأَعْمَار من غَيره قتال
وقسى تصدع اللب إِذافوّقت انفذ من زرق النصال
ولمى يفتر عَنهُ مبسممن عقيق فَوق درّ كاللآلى
ترق الْجِسْم يكَاد القدّ ينقدّأَن رنحه سكر الدَّلال
وشجاني صادح فِي فننكلما أشكوله الشوق شكالي
يَا لَك الله كِلَانَا وَاحِديشتكي بعد حبيب وطلال
كلنا يبكي على غُصْن لَهُنازح الأحباب منبت الحبال
يَا خليليّ وسلطان الْهوىيَقْتَضِي حكم الموَالِي فِي الموَالِي
لَا تلوماني على جهد البلافالهوى ضرب من الدَّاء العضال
يبْعَث الْعَاقِل للحسين القضاويغص الْمَرْء بِالْمَاءِ الزلَال
أَي خليّ الْقلب عني أننيلست بالمختار فِي هَذَا النكال
لَو يكن فِي الْحبّ رأى لم تَجِدأَسد الغابة فِي أسر الغزال
خل إرشادي وذق طعم الْهوىأنني قد بِعْت رشدي بالضلال
لَا تلم من ذل فِي نيل المنىأَن عز الْحبّ فِي ذل السُّؤَال
كم أداري مهجة ذَابَتْ أسىبَين أطماع ووعد ومطال
تلفت روحي وَمَا من عجبتلف الْأَرْوَاح من دون الْوِصَال
مَا الَّذِي ضرّ جميل الْوَجْه لَوكَانَ أفديه جميلاً فِي الفعال
آثر الْجور على الْعدْل وَلميدر أَن الْجور من شَرّ الْخِصَال
يَا أحباي وَفِي آثَاركُمفرج الْقلب وَحل من عقال
عللوا روحي بأرواح الصِّبَاوابعثوا أخباركم لي فِي الشمَال
واسعفوا المضني بتنجيز المنىأَن تتجيز المنى خير النوال
وَإِذا لم تنعموا لي باللقافاحسنوا إِلَى إِذْ أذنتم بالخيال
لَيْت شعري والهوى كم فِيهِ منعجب والصب مُغْرِي بالجدال
أقصير اللَّيْل يدْرِي حالتيفِي ليَالِي هجره السود الطوَال
يشتكي من قصر اللَّيْل إِذامَا اشْتَكَى الخالون من طول الليال
وَأهْدى أَلِي مرّة شاشا فَكتبت إِلَيْهِ
روحي فدَاء لَا غرّ سمابسودد كالشامخ الراسي
ذُو خلق يَحْكِي شذا رَوْضَةقد أحدقت بالورد والآسى
فالربيع الطلق وشى الربىبردا وَمَا السلسل فِي الكماس
ألطف من نسمَة أخلاقهعرفتها من طيب أنفاس
نزلت فِي دوحته معدمافَلم يدع برئي وإيناسي
يَا سيدا أنطقني فَضلهبشكره من بعد إخراسي
أَرَاك رَأس النَّاس لامريةلذاك تهدى حلَّة الراس
وجمعني وإياه مجْلِس لأحد الْكِبَار فلعب بالشطرنج وَكَانَ إِذا لعب ظهر مِنْهُ بعض الطيش وَالدَّعْوَى وَكَانَ بِالْمَجْلِسِ بعض الْعلمَاء فأبدى التَّعَجُّب من أطواره فَأَنْشد بديهاً
لَئِن أمسيت أدنى الْقَوْم سنافعد فضائلي لَا يُسْتَطَاع
كشطرنج ترى الْأَلْبَاب فِيهِحيارى وَهُوَ رقعته ذِرَاع
قلت وَكَانَ مُفردا فِي لعب الشطرنج وَله فِيهِ محنة زَائِدَة وتفرغ أَيَّامًا لحساب حَبَّة الْقَمْح الَّتِي اقترحها وَاضع الشطرنج وَهُوَ صصه بن داهر الْهِنْدِيّ على الْملك الَّذِي وَضعه باسمه وَهُوَ شهرام وَأَرَادَ أَن يسْتَخْرج الْعدَد وصنع جد وَلَا عَظِيما وَأَظنهُ استخرجه وَأَنا قد رَأَيْت بعض الْحساب اعتنى بذلك وَضَبطه ضبطاً قَوِيا وَجعله فِي مصراع من بَيت وَهُوَ قَوْله
إِن رمت تَضْعِيف شطرنج فجملتههَا واه طعجز مدز ودوحا
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع