من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
حاله أكرمه الله
الصفحة ٢ من ٢
وقال ﵀:
لبسنا فلم نبل الزمان وأبلانايتابع أخرانا على الغي أولانا
ونغتر بالآمال والعمر ينقضيفما كان بالرجعى إلى الله أولانا
وماذا عسى أنَّ ينظر الدهر ما عسىفما انقاد للزجر وللزجر الحنيث ولا لانا
جزينا صنيع الله شر جزائهفلم نزع ما من سابق الفضل أولانا
فيا رب عاملنا بما أنت أهلهمن العفو واجبر صدعنا أنت مولانا
انتهى.
ولنقتصر من نظمه على هذا القدر، فانه طويل عريض، وإنّما أطلت النفس في ترجمة أبن الخطيب، ﵀، علما مني بأن الذين رغبوا في تأليف هذا الموضوع، لهم تشوف إلى أنباء أبن الخطيب، وكلامه وجيلة أحواله ليست عندهم، وإنما يحفظون بعض نظمه ونثره، ولا يدرون ابتداء أمره وانتهاءه، وقد حكي غير واحد أنّه رئ ﵀ بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بسبب بيتين، وهما:
يا مصطفى من قبل نشأة آدموالكون لم تفتح له أغلاق
أيروم مخلوق ثناءك بعد ماأثنى على أخلاق
وقد رأيت على هذين البيتين تخميسا لا بأس به، لأبي عبد الله بن جابر الغساني المكناسي، ﵀، وهو:
يا سائر لضريح خير العالمينتهى إليه مقال صب هائم
بالله ناد وقل مقالة عالميا مصطفى من قبل نشأة آدم
والكون لم تفتح له إغلاق
بثناك قد شهدت ملائكة السماوالله قد صلى عليك وسلما
يا مجتبي ومعظماً ومكرماًأيروم مخلوق ثناء بعد ما
أثنى على أخلاقك الخلاق
انتهى.
وأولاد أبن الخطيب ﵀ ثلاثة: عبد الله، ومحمّد، وعلي. وكلهم حدث عن أبيه وعن أبن الجياب، وعلى منهم هو صاحب السلطان أحمد المرني الملقب بالمستنصر.
وحكى أنّه حضر معه في بستان، سح فيه ماء المذاكرة الهتان؛ وقد أبدى الأصيل شواهد الأصفرار، وأزمع النهار لمّا قدم الليل على الفرار؛ فقال المستنصر لمّا لأنَّ جانبه، وسالت بين سرحان البستان جداوله ومذانبه:
يا فاس وأيم الله ذو شغفٍفي كل ربع له معناه يسبيني
وقد أنست بقرب منك يا أمليونظرة فيكم بالأنس تحسيني
فأجابه على بن الخطيب بقوله العذب المصيب:
لا أوحش الله ربعا أنت زائرهيا بهجة الملك والدنيا مع الدين
يا أحمد الحمد أبقاك الإله لنافخرا وسلطان السلاطين
وأما عبد الله فقد كتب بالعودتين، عن ملوك الحضرتين. وأما محمّد فقد نال حظاً من التصوف، ولم يكن له إلى خدمة الملوك تشوف.
ولا بد أنَّ نلم بوصية أبن الخطيب، ﵀، لأولاده المذكورين، لمّا فيها من الحكم والوصايا النافعة لمن عمل بها، وهي:
الحمد لله الذي لا يروعه الحمام المرقوب، إذا شم نجمه المثقوب، ولا يبغته الأجل المكتوب، ولا يفجوه الفراق المعتوب، ملهم الهدى الذي تطئن به القلوب، وموضح السبيل المطلوب، وجاعل النصيحة الصريحة في قسم الوجوب، لا سيما للولي المحبوب، والولد المنسوب، القائل في كتابه المعجز الأسلوب، " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب "، " ووصي بها إبراهيم بنيه يعقوب "؛ والصلاة
والسلام على سيدنا ومولانا محمّد رسوله اكرم على نوره جيوب الغيوب، وأشرف من خلعت عليه حلل المهابة والعصمة، فلا تقتحمه العيون ولا تصمه العيوب، والرضا عن آله وأصحابه المثابرين على سبيل الاستقامة بالهوى المغلوب
والأمل المسلوب، والاقتداء الموصل للمرغوب، والعز والأمن من اللغوب. وبعد، فإني لمّا علاني المشيب بغمته، وقادني الكبر في رمته، وادكرت الشباب بعد أمته لمّا أضفت، وندمت بعد الفطام على ما رضعت؛ وتأكد وجوب نصحي لمن لزمني رعيه، وتعلق سعيه، وأملت أنَّ تتغذى إلى ثمرات استقامته، وأنا رهين فوات، وفي أموات، ويأمن العثور في الطريق التي اقتضت عثاري، إنَّ سلك وعسى ألا يكون ذلك على آثاري: فقلت أخاطب الثلاثة الولد؛ بعد الضراعة إلى الله توفيقهم، وإيضاح طريقهم، وجمع تفريقهم؛ وأنَّ يمن على فيهم بحسن الخلف، والتلافي من قبل، وأنَّ يرزق خلفهم التمسك بهدي السلف؛ فهو ولي ذلك والهادي إلى خير المسالك. اعلموا هداكم من بأنواره يهتدي الضلال، وبرضاه ترفع الأغلال، وبالتماس قربه يحصل الكمال؛ إذا ذهب المال، وأخلفت الآمال، والتبرات من يمينها. الشمال؛ أني مودكم وإنَّ سالمني الدرى، ومفارقكم وإنَّ طال المدى، وما عدا
مما بدا؛ فكيف وأدوات السفر جمع، ومنادي الرحيل يسمع؛ ولا أقل للحبيب المودع من وصية محتضر، وعاجلة مقتصر، ورتيمة تعقد في خنصر، ونصيحة تكون نشيدة واعٍ ومبصر، تتكفل لكم بحسن العواقب من بعدي، وتوضح لكم في الشفقة والحنو قصدي، حسبما تضمن وعد الله من قبل وعدي، فهي أربكم الذي لا يتغير وقفه، ولا ينالكم المكروه ما رف عليكم سقفه، وكأني بشبابكم قد شاخ، وبراحلكم قد أناخ؛ وبنشاطكم قد كسل، واستبدل الصاب من العسل، ونصول الشيب تروع بأسل، لا بل السام من ليس حدب قد نسل، والمعاد اللحد ولا تسل؛ فبالأمس كنتم فراخ حجر، واليوم آباء عسكر مجر، وغدا شيوخ مضيعة وهجر؛ والقبور فاغره، والنفوس عن المألوفات صاغره؛ والدنيا بأهلها ساخرة، والأولى تعقبها آخره؛ والحازم من لم يتعظ به في أمر، وقال: بيدي عمرو، فاقتنوها من وصية في النصح قصية؛ وخصوا بها أولادكم إذا عقلوا، ليجدوها زادها إذا انتقلوا؛ وحسبي وحسبكم الله الذي لم يخلق الخلق هملا، ولكن ليبلوهم أيهم أحسن عملا؛ ولا رضى الدنيا منزلا، ولا لطف بمن أصبح عن فئة الخير منعزلا؛ ولتلقنوا تلقينا، وتعلموا علماً يقينا؛ أنكم لن تجدوا بعد أفرد بذني، ويفترش التراب جنبي؛ ويسح إنسكابي، وترهول عن المصلى ركابي؛ أحرص مني على سعادة إليكم تجلب، أو غاية كمال بسببكم ترتاد وتطلب؛ حتى لا يكون في الدين والدنيا أورف
منكم ظلا، ولا أشرف محلا ولا أغبط نهلا وعلا وأقل ما يوجب ذلك عليكم أن تصيخوا الى قولي الآذان وتتلمحوا صبح نصحى فقد بان وسأعيد عليكم وصية لقمان: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وإذ قال لقمان لابنه وهو يعضه يا بني لا تشرك بالله إنَّ الشرك لظلم عظيم (.) يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر وأصبر على ما أصابك إنَّ ذلك من عزم الأمور. ولا تصعر خدك للناس ولا تمشي في إلاّ مرحا إنَّ الله لا يحب كل مختال فخور. وأقصد في مشيتك وأغضض من صوتك إنَّ أنكر الأصوات لصوت الحمير. (.
وأعيد وصية خليل الله وإسرائيله حسبما محكم تنزيله:) يا بن إنَّ الله أصطفى لكم الدين فلا تموتن إلاّ وانتم مسلمون (. والدين الذي ارتضاه واصطفاه وأكمله ووفاه وقرره مصطفاه من قبل أن يتوفاه إذا أعمل فيه افتقاد فهو عمل واعتقاد وكلاهما مقرر ومستمد من عقل أو نقل محرر والعقل متقدم وبناؤه مع رفض أخيه متهدم فالله واحد أحد فرد صمد ليس له والد ولا ولد تنزه عن المكان والزمان وسبق وجوده وجود الأكوان خالق الخلق وما يعملون والذي لا يسأل عن شيء وهم يسألون الحي العليم المدبر القدير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير أرسل الرسل رحمة لتدعوا العباد إلى النجاة من الشقاء وتوجه الحجة في مصيرهم
إلى دار البقاء مؤيدة بالمعجزات التي لا تتصف أنوارها بالاختفاء ولا يجوز على تواترها دعوى الانتقاء ثم ختم ديوانهم بنبي ملتنا المرعية للهمل الشاهدة على الملل فتلخصت الطاعة وتبينت له الإمرة المطاعة ولم يبق بعده إلاّ ارتقاب الساعة ثم إن الله قبضه إذ كان بشرا وترك دينه يضم من الأمة نشرا فمن اتبعه لحق به ومن حاد عنه تورط في منتسبه وكانت نجاته على قدر سببه.
روى عنه ﷺ أنه قال: " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي فعضوا عليهما بالنواجذ ".
فاعلموا يا بني بوصية من ناص جاهد ومشفق شفقة والد واستشعروا حبه الذي توفرت دواعيه وعوا مراشد هدية يافوز واعيه وصلوا السبب بسببه وآمنوا بكل ما جاء به مجملا أو مفصلا على حسبه وأوجبوا التجلة لصحبه الذين اختارهم الله لصحبه واجعلوا محبتكم إياهم من توابع محبته واشملواهم بالتوفير وفضلوا منهم أولى الفضل الشهير وتبرءوا من العصبية التي لم يدعكم إليها داع ولا تع التشاجر بينهم أذن واع فهو عنوان السداد وعلامة سلامة الاعتقاد ثم اسحبوا فضل تعظيمهم على فقهاء الملة وأئمتها الجلة فهم صقلة نصولهم وفروع ناشئة على أصولهم وورثة رسولهم واعلموا إني قطعت في البحث زماني وجعلت النظر شاني منذ براني الله وأنشاني مع نبل يعترف به الشاني وإدراك يسلمه العقل الإنساني فلم أجد خابط ورق ولا مصيب عرق ولا
نازع خطام ولا متكلف فطام ولا مقتحم بحر طام إلاّ وغايته التي يقصدها قد فضلتها الشريعة وسبقتها وفرعت ثنيتها وارتقتها فعليكم بالتزام جادتها السابلة ومصاحبة رفقتها الكافلة والاهتداء بأقمارها غير الآفلة والله يقول وهو أصدق القائلين:) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (وقد علت شرائعه وراع الشكوك فلا تستنزلكم الدنيا عن الدين وابذلوا دون النفوس فعل المهتدين فلن ينفع متاع بعد الخلود في النار أبد الآبدين ولا يضر مفقود مع الفوز بالسعادة والله أصدق الواعدين ومتاع الحياة الدنيا أخس ما ورث الأولاد عن الوالدين اللهم قد بلغت فأنت خير الشاهدين فاحذروا المعاطب التي توجب في الشقاء الخلود وتستدعي شوه الوجوه ونضج الجلود واستعيذوا برضا الله من سخطه واربئوا بنفوسكم عن غمطه وارفعوا آمالكم عن القنوع بغرور قد خدع أسلافكم ولا تحمدوا على جيفة العرض الزائل ائتلافكم واقنعوا منه بما تيسر ولا تأسوا على ما فات وتعذر فإنما هي دجنة ينسخها المصباح وصفقة يتعقبها الخسار والرباح ودونكم عقيدة الإيمان فشدوا بالنواجذ عليها وكفكفوا الشبه أن تدنو إليها واعلموا أن الإخلال بشيء من ذلك خرق لا يرفؤه عمل وكل ما سوى الراعي همل وما بعد الرأس في صلاح الجسم أمل وتمسكوا بكتاب الله حفظا وتلاوة واجعلوا حمله على حمل التكليف علاوة وتفكروا في آياته ومعانيه وامتثلوا أموامره وانتهوا عن نواهيه ولا تتأولوه ولا تغلوا فيه وأشربوا قلوبكم حب
من أنزل على قلبه وأكثر من بواعث حبه وصونوا شعائر الله صون المحترم واحفظوا القواعد التي ينبنى عليها الإسلام حتى لا ينخرم.
الله الله في الصلاة ذريعة التجلة وخاصة الملة وحاقنة الدم وغنى المستأجر المستخدم وأم العبادة وحافظة اسم المراقبة لعالم الغيب والشهادة والناهية عن الفحشاء والمنكر مهما عرض الشيطان عرضهما ووطأ للنفس الأمارة سماءها وأرضهما والوسيلة إلى بل الجوانح ببرود الذكر وإيصال تحفة الله إلى مريض الفكر وضابطة حسن العشرة من الجار وداعية المسالمة من الفجار والواسمة بسمة السلامة والشاهدة للعقد برفع الملامة وغاسول الطبع إذا شانه الطبع والخير الذي كل خير له تبع فاصبروا النفس على وظائفها بين إبداء وإعادة فالخير عادة ولا تفضلوا عليها الأشغال البدنية وتؤثروا على العلية الدنية فإنَّ أوقاتها المعنية بالانفلات تنبس والفلك بها من أجلكم لا يحبس وإذا قرنت بالشواغل فلها الجاه الأصيل والحكم الذي لا غيره الغدو والأصيل والوظائف بعد أداتها لا تفوت وأين حق من يموت من حق الحي الذي لا يموت؟ وأحكموا أوضاعها إذا أقمتموها وأتبعوها الموافل ما أطقتموها فبالإتقان تفاضلت الأعمال وبالمراعاة استحق الكمال
ولا شكر مع الإهمال ولا ربح مع إضاعة رأس المال وثابروا عليها الجماعات وبيوت الطاعات فهو أرفع للملام وأظهر لشرائع الإسلام وأبر بإقامة الفرض وأدعى إلى مساعدة البعض البعض.
والطهارة التي هي في تحصيلها سبب موصل لمشروطها محصل فاستوفوها والأعضاء نظفوها وميهها بغير أوصافها الحميدة فلا تضفوها والحجول والغرر فأطيعوها والنيات في كل ذلك فلا تهملوها فالبناء بأساسه والسيف برئاسه. واعلموا أن هذه الوضيفة من صلاة وطهور وذكر مجهور وغير مجهور تستغرق الأوقات وتنازع شتى الخواطر المفترقات فلا يضبطها إلاّ من ضبط نفسه بعقال وكان في درجة الرجولة ذا انتقال واستعرض صدأه وإن تراخى تقهقر الباع وسرقته الطباع وكان لمّا سواها أضيع فشمل الضياع.
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع